أدلجة الأدب النسائي

تقول فرانسوا ساغان: “صادفت سيدة جميلة في إحدى المكتبات فبادرتني قائلة: كيف يمكنني أن أنشر كتابًا كبيرًا إن كنت لا أستطيع الكتابة؟ أجبتها: تتخذين مساعدًا يعينك على الكتابة، فقاتل: حسنًا وإن كنت لا أعرف ماذا أكتب؟ قلنا: اسمعيني عندما لا نعرف ماذا نكتب ولا كيف نكتب خير لنا أن ننسى ذلك”.

في الوطن العربي عندما لا نعرف ماذا نكتب ولا كيف نكتب نحن نكتب رواية!

أدى رواج كتابة الرواية إلى ظهور صنف جديد من الكتاب الغير أدباء وهم الذين نشروا أعمالًا مكتوبة لكن دون أن يكون لهم علاقة بالكتابة الأدبية كفن وحرفة. وهذا الأمر يشمل الكتاب من الجنسين دون تمييز لكن الكتابة النسائية العربية اتخذت أيدولوجية مميزة دعت للتقسييم في هذا البحث.

بين مصطلحي الأدب النسائي والأدب النسوي:

إذا أخذنا الأدب من موقف المرأة فإنه يقع بين خيارين، فهو إما:

  1. الأدب الذي يعالج قضايا المرأة
  2. أو الأدب الذي تكتبه المرأة

وإن نظرنا في هذه التسمية نجد أن مصطلح “النسائي” أقرب إلى التعريف الثاني، فالأول يناسب نوعًا معينًا من الأدب هو الأدب النسوي الذي بدأ يظهر في القرن التاسع عشر ويضيق التسمية على ما جاء به هذا الأدب فقط. تقول سيمون دي بوفوار: ” الكتابة في هذا الموضوع وفي كل ما يتعلق بالمرأة أصبح يسبب قدرًا كبيرًامن الضيق والحرج للمرأة نفسها”. ومصطلح النسوية في معناه الأول أقرب لما تحدثت عنه سيمون وعلينا أن نقر أن النسوية والعدالة التي طالبت بها النسوية راجت في الغرب وقتها بسبب انفتاح المرأة على العصر ومطالبتها بالمساواة في مختلف مناحي الحياة وانعكس هذا الانفتاح والتطور على نتاجها الأدبي والفكري على حد سواء.

أما النسوية العربية، للأسف، أخذت ما وصلت إليه أوصات الغرب أخذًا ساذجًا وطبقته تطبيقًا آليًا، وأعادت نبش قبور المساواة والعدل بين الجنسين على الرغم من التمايز بين الوضع العربي والغربي آنذاك، فكل ما قيل على لسان المرأة العربية في هذا المصطلح كان مكتوبًا تحت جناح الذكور وبأيدي مكبلة بالعادات والتقاليد والشرائع المقدسة.

نتج عن ذلك أن العديد من النساء العربيات كتبن أدبًا يتبع الغرب بمقاييسهم وقوالبهم المهلهلة على واقعنا؛ وهذا عيب هذا النوع الأدبي وديدنه. تقول غادة السمان: “أحيك خيوط حريتي بعيدًا عن دروب القطيع وأحاول عبثاً اختراع مصير لامرأة آتية من العالم الثالث لكنني مصرة على ترك آثار أقدامي وآثار أقلامي”.

وهذا قول صريح من غادة يبرهن على ما قلته سابقًا في تعلم مدى صعوبة كتابة المرأة في ظروف كهذه وابداع أدب يصدح بصوتها العربي الأصيل ويصل للعالمية دون أن تدخل في صراع “خطاب الكراهية” الذي تدخله المرأة مع الرجل والمجتمع في كل كلمة تكتبها.

وهي تناقض نفسها بنفسها فعندما تنادي بالحرية من الرجل تعود وتتحدث عن الرجل وتهاجمه وتوجه خطابها إليه كأنه مركز الكون. وفي ذلك تقول فرات إسر: “على المرأة الكاتبة أن تتوقف عن مخاطبة الرجل”.

وعليها أن تتوقف عن جعل الرجل هاجسها ومقض نومها ليلاً نهارًا ، وأن تصنع من معاناتها صوتًا إنسانيًا عالميًا وأن تعلم فكرة أن الأدب غير مخول لأن يقدم حلولاً للمجتمع وقضاياه ولا أن يدقم خطاباً كراهيًا تجاه الرجل وهو مكبل بقيوده أو تجاه أي إنسان، فالأدب صوت الجميع وحين تتسلل الكراهية إلى خطاب أدبي من باب فإن العالمية تخرج من الباب الآخر وتلحقها الإنسانية. تقول هويان الحسن: “أرى أن مصطلح الادب النسوي وجد مكانته وسوغانه بسبب الأديبات أنفسهن؛ فمنذ أكثر من نصف قرن لم يستطعن الخروج من شرنقة النسوية الضيقة فغالب ما كتبته أقلامهم كتب من وحي مشاكلهن الشخصية ونظرة قاصرة للرجل”.

في أدلجة الأدب النسائي

ماهي الأدلجة الأدبية؟

هي ان يقوم شخص ما بكتابة عمل بعيد كل البعد عن الأدب وعن مقوماته وأدواته نافيًا عنه صفة الإبداع والابتكار وملصقًا به شعارات أيديولوجية دينية أو سياسية معينة.

ومن المؤسف أن تحمل الكثير من الأعمال الأدبية النسائية هذه الصفة، على الرغم من وجودها المبالغ فيه في الأدب عامة، ولكن للأدب النسائي خصوصية في الأدلجة لأسباب عدة، منها:

أولا: غياب الصوت النسائي في معظم مجالات الحياة:

ويمكن أن نعد هذا السبب من أهم الأسباب التي دعت لأدلجة الأدب النسائي العربي، فالنساء في الوطن العربي مهمشات سياسيًا ودينيًا واجتماعيًا؛ إلا من رحم ربي. ومن تشارك منهن تشارك بشروط العالم الذكوري الذي يحيط بهن فلا يجدن أمامهن إلا الكتابة لايصال صوتهن ومشاركة أفكارهن. وهذا بالطبع ليس عيبًا، فالأدب موضوعه الإنسان، يكتب عنه وله. لكن العيب أن تقوم إحداهن بوصف نفسها بالأديبة والروائية والشاعرة لمجرد أنها كتبت عملاً بطابع لغوي وبثت فيه أفكارها ورؤاها بالرغم أن الكلمات وحدها لا تصنع الرواية، والقضايا وحدها لا تصنع الشعر.

ولا شك أن نساء عديدات ( عربيات وغير عربيات) استطعن الجمع بين القضايا الإنسانية والشعرية أو الأدبية ومن هؤلاء الكاتبة والروائية رضوى عاشور التي استطاعت أن تبدع أدبًا عاليًا دون أن تغفل بعض القضايا التي تهمها وتهم المواطن العربي كقصية فلسطين في رواية الطنطورية دون أن تشعر وأنت تقرأ لها أنها تؤدلج القضية الفلسطينية وفتحت لنفسها مجال العالمية من خلال منظور إنساني عالمي له خصوصية العرب والنساء وخصوصيتها وحدها أيضًا.

كما استطاعت الكاتبة التركية إيليف شافاك أن تصل للعالمية بحديثها عن النساء وهمومهن وقضاياهن وآلامهن، من قضية الشرف والقتل في رواية شرف إلى هاجس العلم والدين في بنات حواء الثلاث ومأساة الأرمن في تركيا في لقطية إسطنبول دون أن توغل في أزمة الهوية كما في الرواية العربية، وإن وجدنا عندها حديثًا عن موضوع ذاتي مثل يومياتها في كتاب حليب أسود نجدها تجعل من ألمها فنًا وخلقًا لابداع من ذاتها دون أن تتشرنق حول ذاتها وهمها أو حول قضية أو أيديولجية معينة. لقد حولت عالمها الأدبي نحو الإنسانية فوصلت إلى كل إنسان بغض النظر عن موطنه أو جنسه.

ثانيًا: سهولة وصول الرواية لشريحة كبيرة من المجتمع: 

وذلك لأن الرواية أصبحت ديوان العرب والغرب لقدرتها على استيعاب أكبر قدر من الأصوات والأحداث والمشاعر الإنسانية، وقدرتها على احتواء الشخصيات السوية على غرار السيئة والمريضة والمجرمة.

لم تستطع أغلب الروئيات استيعاب هذه النقطة المهمة، فكانت روياتهن ذات صوت واحد ورؤية واحدة تتمركز دائمًا حول الكاتبة وهي تتحدث بصيغة الأنا وكأن الرواية هي مذكرات في غياب تام للقدرة عن فصل ذات الكاتبة عن العمل.

ثالثًا: عدم النضج الأدبي والثقافي والمعرفي لدى الروائيات:

 وهذا السبب نجده في أغلب الروايات العربية وليس النسائية منها فقط . حيث تفتقر للوعي بأدواتها وأساليبها وإلى الوعي بالحياة في المقام الأول وإلى الثقافة العامة بالإنسان والمجتمع والفلسفة.

تتجه النساء عموماً إلى الرواية التي تعتمد بشكل أو بآخر على المشاعر الفياضة والمرهفة لكن دون الاهتمام بأي من جانب من جوانب الرواية من تحضير ودراسة ومسائل تقنية يحتاج العمل عليها لأدوات ومعرفة وليس فقط وضع الحبر على الورق. فنجد إيزايبل الليندي مثلا، على عكس الواقع العربي، تمكث سنة كاملة تبحث وتدرس وتنقب قبل أن تبدأ أي رواية من رواياتها.

وسفيتلانا أليكسيفيتش التي كتبت ليس للحرب وجه أنثوي أجرت حوارات مطولة على مدى سنين مع نساء عايشن الحرب العالمية الثانية واستطاعت أن توثق وتوصل آلام ومعاناة جيل من النساء دون أن تركن لتجربتها الخاصة فقط.

رابعًا: عدم تعدد الأجناس الأدبية والمذاهب الفنية النسائية:

 فكما أشرت سابقًا هنالك نوع من التقلييد والمحاكاة -وهذه مشكلة الرواية العربية عمومًا- ولا نجد كاتبة استطاعت الخروج عن الإطار العام المألوف للرواية. بل قد تجد أن أغلب الروايات كتبت بإسلوب “مذكراتي” لا جديد فيه. فلا نكاد نقف عند كاتبة روايات خيال علمي أو واقعية سحرية أو فنتازيا أو أي فن مستحدث أو من ابتكار الكاتبة وحدها إلا في محاولات قليلة كما لدى بثينة العيسى وإنعام كجه جي مثلا.

أما السواد الأعظم فما خرجن عن الإطار الذي وصفنه لأنفسهن، فنجد أحلام مستغانمي مثلا تكرر نفسها وشخصياتها في كل روايتها النسوية – وإن كانت نجحت في الجانب الوطني فيها- وحين نشرت كتابًأ شعرياً نسخت فيه ذاتها الروائية والشخصية!

خامسًا: تغير وظيفة الأدب من عمل يرتقي بالإنسان إلى وعظ وتهجم:

وسأورد مثلا على ذلك أنموذجين من من الأدب العربي المعاصر وهما أنموذجان متضادان ومتناقضان كل التناقض فيما بينهما: رواية سقوط الإمام لنوال السعداوي ورواية في قلبي أنثى عبرية لخولة حمدي.

في رواية سقوط الإمام نجد أن شخصيتها الرئيسية “بنت الله” هي الشخصية ذاتها التي ابتدعتها نوال منذ روايتها الأولى وهي ما تزال طالبة في المدرسة: مذكرات طفلة اسمها سعاد، إلى رواية امرأة عند نقطة الصفر. شخصية ثائرة متمردة تعكس نوال السعداوي بكامل أفكارها دون أن تفسح المجال أمامها أو أمام أي شخصية أخرى تناقضها وتتحدث بلساناها الخاص، بالإضافة للتكرار الممل في أغلب الجمل وعدم الترابط وركاكة الإسلوب يجعل نوال أحد “الكتاب الغير أدباء” الذين أشرت لهم في البداية بالرغم من أهمية نوال ككاتبة ومفكرة وأهمية كتب لها مثل المرأة والجنس، ولكن لا يمكن أن تسمى أديبة وهي تنحو هذا المنحى في الأدب مهما كانت أفكارها على درجة من السمو.

أما خولة فهي لا تكاد تترك فرصة في روايتها إلا وتنتهزها لتعظ حول الإسلام وتدافع عنه على لسان كل شخصية من شخصياتها كأنها دمى تتحكم بخيوطها وتتحدث بلسانها. ونجد سوء سبك للشخصيات والحوار على الرغم من قولها في البداية أن القصة حقيقة، إلا أننا نشعر بسذاجة الشخصيات غير القابلة للتصديق التي تعتنق الإسلام في النهاية بحبكة درامية هوليودية.

على الطرف الآخر نرى مارغريت آتوود تجسد التسلط الديني البطريركي بإسلوب أدبي وتصوير خيالي للواقع دون أن تلجأ لما لجأت إليه نوال أو خولة.

وكذلك توني موريسون ومايا أنجلو اللتان تحدثتا عن القهر والاضطهاد والظلم بخيال عظيم وحس مرهف ولكن دون تهجم أو وعظ أو استجداء للدموع والتصفيق.

خاتمة

تقول هيام خلوص: “لا يمكن اعتبار كل ما تكتبه المرأة أدبًا نسائيًا لمجرد كون منتجه أنثى، ولا يعني كثرة الأسماء النسائية في أي انتاج أدبي بالضرورة ازدهارًا للأدب النسائي”.

إن هذه المقالة لم تقصد الانتقاص من الأدب النسائي العربي ولكن انتقاد السلبيات الموجودة فيه بهدف إيجاد أدب قادر على الوصول إلى قلوب الجميع مهمًأ كانوا وأينما كانوا.

كتبتها: وداد م.