هيجل وهيوم حول المعرفة

هيوم يؤمن بالتجريبية وأن الميتافيزيقيا يجب أن تُرمى في النار بينما يؤمن هيجل بالميتافيزيقيا العقلانية المبنية على الجدل المنطقي. هذا الحوار بنهما حول هذه القضية. هيجل معتاد على الفوقية والتحدث بطريقة لا يفهمها أحد في العادة، أما هيوم فكانت أفكاره سهلة الوصول للرجل العادي. الرمية الأولى لهيجل.

هيجل: لقد وصلني قولك بأن الميتافيزيقيا يجب أن ترمى في النار. هل هذا الاستهزاء بدراسة ما ليمكن لنا الإحساس به نابعٌ من فكر فلسفي، أم من الصعوبة التي تواجهها في دراسة المنطق المحض؟

هيوم: إني بالتأكيد، يا عزيزي هيجل، لست ضد أي نوع من المعرفة ولكني اشعر بنفور من أي موضوع يدعي اليقينية سواءً في الميتافيزيقيا أو غيرها.

هيجل: مع ذلك أنت نفسك تدعي شيءً من اليقين فيما يخص التجربة الناتجة عن الإحساس، أو ما تدعوه “الانطباع”.

هيوم: أخشى أنك فهمتني خطأً. أنا أؤمن باليقينية فقط في الرياضيات حيث اثنان في ثلاثة دومًا وأبدًا خمسة. ولكني فعلاً أقول أن الأحاسيس بالفعل متفوقة ومتقدمة على الأفكار.

هيجل: ولكن كانط، (هيوم يقلب عينيه) يقول بأن العقل لا يتقبل المعلومات من احاسيسنا ببساطة وإنما يرتب تجاربنا السابقة؛ لذا فإن تجاربنا هي جزء من قدرتنا العقلية. بكلمات أخرى، إن الكيفية التي نحس بها بالعالم تعتمد على بجزء كبير على تفكيرنا وكيف نستجيب له، والعالم كما نحس به غير مجود بمنأى عنا.

هيوم: صحيح. لقد ذكر كانط بأننا لا نستطيع استيعاب العالم قبل أن يعمل العقل عمله أولاً، ولكنه أيضًا أضاف بأن هذا يعني أن العالم الخارجي الحقيقي، ما اسماه الشيء-بذاته، هو تمامًا خارج نطاق معرفتنا.

هيجل متفاجأ كيف انقلب الاستنجاد بكانط عليه: هذا لا يبدو منطقيًا أبدًا! كيف بإمكانه القول أنه لا يعرف أي شيء حوله ومع ذلك يقول أنه “شيء” و”موجود”؟!

هيوم: لا تتفاجأ يا صديقي. لوك أيضًا يقول أن العقل لحظة الولادة عبارة عن ورقة بيضاء يكتب عليها قلم التجربة. ذلك في الحقيقة بالنسبة لي أكثر منطقية من العقلانية التي تتبعها والتي تعتمد على الاختراع أكثر من التجربة كأن العقل يخلق كل شيء من نفسه بينما هو في الحقيقة كوعاء يستقبل الأمور ثم، أحياناً، ينتج شيئًا منها.

هيجل: ولكنك لا تستطيع أن تنكر أبدًا الحوادث التاريخية حينما كان بإمكان العقل المحض الوصول لحقائق أثبتها العلم والتجربة لاحقاً. على سبيل المثال: استطاع ديمقراطس باستخدام العقل المحض اكتشف وجود الذرات قبل الفين عام من أن تفعل التجربة ذلك. وأثبت أينشتاين نسبية الزمن رغم أن تجربة ذلك كانت مستحيلة تمامًا حتى مؤخرًا جدا.

هيوم: لا شك يا عزيزي، لا شك! لكن هذه الأفكار تبقى مقترحات أو نظريات حتى تثبتها التجربة. لا تنسى أنه في نفس الوقت الذي قال ديمقراطس بأن العالم يتكون من ذرات قال غيره بأنه يتكون من ماء ونار والذي فصل بين الحق والباطل في النهاية وبشكل قاطع هو التجربة.

هيجل: ولكن المرء قد يحصل على المعرفة عن طريق المنطق خطوة بخطوة، كما أثبت ديكارت. قد يخطأ البعض في إحدى حلقات المنطق لمجرد سوء فهمهم للمنطق أو البناء على أساسٍ خاطئ لكن ذلك لا يعني أنه لا مكن الوصول لمعرفة عن طريق منطق سليم.

هيوم: بالضبط يا صديقي بالضبط.  إذاً المنطق البحت يحتاج إلى دقة تامة خالية من أي خطأ، كما أنه شخصي جدًا. عدا عن ذلك عندما تقع في خطأ فإنك لن تحس به بتاتاً وتكمل بحثك إلى السوء مثلما حدث مع مغالطة زينو مثلا. التجريبية على العكس من ذلك مبنية على تجميع متأني للحقائق، والاختبار يثبت كل حقيقة على حدا ثم تحدد العلاقة بين الحقائق. إذا ظهر عذر في أي من الحقائق فإنها توضع جانبًا دون التأثير على مجمل العملية.

هيجل: لكن التجربة أكثر عرضة للغش والخداع، وهي محدودة بقدرة حواسنا. ألا يعتقد شخص مصاب بعمى الألوان أن اللون الطبيعي للبحر هو أحمر؟ ماذا لو كانت كل حواسنا لا تعكس العالم الحقيقي كما هو؟ لذلك لا تمتلك التجربة اليقين حول أي شيء، وأنت تعلم جيدًا أن أقصى ما يمكن أن تصل إليه الطريقة العلمية هو “احتمالية عالية” في حين يمكن للمنطق أن يصل لليقين؛ “أنا أفكر إذاً أنا موجود” نتيجة منطقية لا شك فيها أبدًا.

هيوم: إن عدم قدرة التجربة العلمية على البت نهائيًا في يقين شيء ما هو أحد جوانب جمالها حيث تترك الباب مفتوحاً لاختبار الفكرة مرارًا وتكرارًا دون الركون للمسلمات. الأمر الآخر، إن حواسنا، بالفعل، تخدعنا في كثير من الأحيان كما أثبت ذلك الفن البصري على سبيل المثال لكن ذلك لم يضعف التجربة بل قواها حيث الاعتماد على الحقائق كما هي وليس كما نستقبلها.

هيجل: آها! إذا ما تقوله أن هنالك منطقًا أسمى من حواسنا.

هيوم: بالتأكيد هنالك ولكن إدراكنا له ناتج عن التجربة وليس عن العقل المحض. إن العقل المحض محدود بحدود حواسنا وما نعرفه ومن ثم نقرر إذا كان ذلك منطقيًا أو لا، لكن العالم لا يعمل بهذه الطريقة فهو مبني بقوانين قد ندركها وقد لا ندركها، قد لا نجدها منطقية اليوم وغداُ نعم، ولطريقة الوحيدة للوصول لذلك هي عبر التجربة.

هيجل: إنك تضع وزنًا للتجربة مع أنك تعلم يقينًا أن العلم هو في الحقيقة هو عملية إيجاد تقديرات تقريبية للمعرفة حتى إيجاد تقديرات أكثر قربًا للحقيقة، ويعتمد تعديلات مستمرة لاستيعاب ظروف جديدة وإثباتاتٍ أحدث، حتى يصل إلى نهاية مغلقة وهي أننا نعرف تحديدًا لا شيء!

هيوم: ما كنت لأعبر عن ذلك بهذه الطريقة ولكن كنت لاعتبر المعرفة قصرًا ضخمًا وعليك تجربة كل غرفة لتأخذ نظرة شاملة ووافية عن ماهية هذا القصر وتصميمه.

هيجل: لا بد أن ذلك سيأخذ حيوات العديد من التجريبين.

هيوم: والمنطقيين كذلك يا عزيزي. فكله جزء من القصر.

إخلاء مسؤلية: في حال أنك لم تلاحظ من خلال مناقشة الفيلسوفين لآينشتاين فهما في الحقيقة لم يتقابلا أبدًا، وكان هيجل بعمر الست سنوات عندما توفي هيوم. هذا الحوار على السبيل مناقشة الأطروحات بناءً على كتابات وأفكار المفكرين.