أستاذ الشر كان على حق

أستاذ السياسة المحنك ليو ستراوس كان يوجه طلابه أن يدعوه “أستاذ الشر”. وعلى خشبة المسرح الإنكليزية كان دوما يشار إليه بـ “ميكافيلي الشرير” حتى تحول اسمه إلى صفة تعبر عن “الخبث، المكر وانعدام الضمير خصوصًا في السياسة” كما يشرح قاموس أوكسفورد.

ولكن بعيدًا عن المُثل العليا والتهجم الصارخ على الرجل وكتاباته، والدعوات الناعمة لممارسات سلمية وديمقراطية في الحكم، ألا يعمل كل الساسة اليوم، من الحكام الذين وصلوا للسلطة بطرق ديمقراطية عن الطريق الخداع والتسلق، إلى الرؤساء الذين يهاجمون جزءًا من شعبهم أو شعوبًا أخرى بلا رحمة للحفاظ على خير دولتهم، ألا يعملون جميعًا بتعاليم ميكافيلي بحذافيرها؟

آمن ميكافيلي أنه من المستحيل أن تكون شخصًا جيدًا وطيباويًا (بالمعنى المسيحي) وسياسيًا جيدًا في نفس الوقت، وأن مهمة الحاكم هي الدفاع عن الدولة من الأخطار الخارجية والداخلية وإدارة من هم حوله بشكل فعال حتى لو اقتضى ذلك استخدام القوة المفرطة لتأمين المصلحة العامة فيما صار يعرف في الفلسفة بمشكلة“الأيدي القذرة” وهي فعل الشر لغاية الخير.

الفلاسفة أمثال والزر لم يروا حرجًا في استخدام الشر لمصلحة العامة. مثلاً: استخدام الاختراق الالكتروني لإيقاف موقع يسرق حقوق نشر الآخرين. أو استخدام العنف لإيقاف مجرم حرب عند حده. إلا “السياسي الأخلاقي” برأيه سوف يوسخ يديه لكن مشاعر الذنب والأسى ستدمره وتأرقه. أما ما يميز ميكافيلي فأنه يرى ذلك غير ضروري بتاتًا، بل على العكس، يجب على الحاكم أن يفعل ما هو ضروري بكل السبل دون تردد أو تأنيب الضمير وحتى أن يرتكب حسب تعبيره “الفضيلة الجرائمية”.

إن فلسفة ميكافيلي خارج حدود السياسة تشبه فلسفة نيتشه من حيث أنها تدعو للعقلانية في اتخاذ القرارات بعيدًا عن المثل الملائكية الغير واقعية حيث أننا لا يمكن أن نكون جيدين في كل الظروف؛ ليس فقط لأن مواردنا وقدراتنا محدودة وإنما بسبب التعارض داخل القواعد الأخلاقية وبينها وبين المصالح. وكلا الفيلسوفين يدعوان إلى التعامل مع العالم كما هو وليس كما نريده او نتخيله أن يكون.

في مراجعة عامة للتاريخ نجد أن أمثلة ميكافيلي تنطبق على كل الأمثلة الناجحة والفاشلة للحكم وليس فقط تلك التي ذكرها عن فلورنسا. بدأ بتاريخ الكنعانيين والبابليين والروم وحتى التاريخ الإسلامي حيث نجد مثلًا أن كبح لجام الفتن الداخلية مثل المرتدين والخوارج والبرامكة كان أمرًا ضروريًا لبقاء الدولة وازدهارها، وأن الحكام والخلفاء الضعفاء فتحوا الباب واسعًا أمام تسلق المرتزقة للحكم وكانوا دوما طليعة نهاية أي خلافة أموية أو عباسية أو غيرها. حتى أن ابن خلدون ذكر في مقدمته عدة أبواب عن خير الطرق للحكم ودرأ الفتنة تكاد تكون نسخةً عن رأي ميكافيلي وكأنه حكم المنطق.

وحتى في أيامنا هذه؛ الكثير يناقش أن أوباما، على سبيل المثال، لو كان أكثر حزماً، أو ميكافيليًا إذا أردت، في سوريا لأنقذ العديد من الحيوات. وأن قصف اليابان أدى، رغم مأساويته، إلى إنهاء الحرب العالمية وبالتالي انقاذ العديد من الأرواح التي كانت ستزهق فيما لو استمرت الحرب.

إلا أن هذا المنطق يعني في نفس الوقت أن الحكام الدكتاتورين الذين قتلوا المئات من شعبهم لهم كامل الحق في ذلك للحفاظ على الدولة من الخطر الداخلي، وأن أشخاصًا مثل الحجاج هم على قمة النجاح حسب ميكافيلي!

في الحقيقة، عند هذه النقطة يبدأ سوء فهم ميكافيلي على ما يبدو. فبالرغم من أنه دعا إلى القوة والحزم في الحكم إلى أن ذلك يجب يكون بدبلوماسية وعقلانية دون أن يتحول لتسلط، ويقول كذلك: “الشعب القادر على فعل كل ما يريد غير حكيم، ولكن الأمير الذي يستطيع أن يفعل كل ما يريد هو مجنون”. وأكد أن الدولة الشعبية المحكومة بالقانون خيرٌ بكثير من دولة تسلطية، وكان مقتنعًا من أن التهديد الأخطر للحرية يأتي من الداخل، ولكن كما أنه يأتي من المؤامرات الداخلية الناتجة عن ضعف الحاكم فإنه يأتي أيضًا من الاستخدام المفرط للقوة خارج القانون.

ولكن من يحدد ما هو الحد المناسب لاستخدام القوة وما هو الحد المبالغ فيه؟ وكل هذا الأمر قد يبدو منطقيًا وفيه وجهة نظر حتى ترى نفسك بالطرف الذي تمارس عليه القوة. عندما سجن وعذب ميكافيلي ثم أعدم لأنه كان ضمن الطرف الآخر المعارض هل كان سيجد هذه القوة الشريرة هي للخير؟

لكن يلاحظ أيضًا في كتابات ميكافيلي أنها ذات حدين دائمًا وكأنه يرسل لنا رسائل مشفرة عن خطر الحكم التسلطي. هي بالتأكيد ليست “رسائل التحرر” كما يروج المدافعون عنه إلا إنه يقول بالفعل عدة أمور ملفتة متل أنه لا يوجد رجل قادر على السيطرة على شعب حر إلا إذا سمحوا له بذلك. “الناس بسطاء جدًا. راضخون جدًا للحاجات الآنية، لذلك فإن المخادع سيجد دومًا من يخدعه”.  ثم يدعونا ألا نكون ذلك الشخص حيث أنه بثقة الشعب الزائدة بالحاكم وثقتهم أقل بأنفسهم يصنعون الدكتاتورية والكابوس السياسي. وعبر عن ذلك بصراحة في آخر حياته قائلاً: “أود تعليمهم الطريق إلى جهنم حتى يتجنبوه”.

قد لا يمتلك ميكافيلي النظرية السياسية المثلى أو نظام الحكم الأرقى لكنه خلال سطوره ذات الحدين، وأسلوبه المنمق والخلاب في الكتابة يعلمنا بلا شك كيف نكون قارئين أكثر ذكاءً وعقلانية للسياسة بعيدًا عن المثاليات والتصنع ونكون في نفس الوقت أكثر انتباهًا لعلامات التسلط أو الضعف.

إذا أردت القراءة حول تفسيرات أخى لآراء ميكافيلي اقرأ كن كالثعلب لإريكا بينير