كيف تختلف بالرأي دون أن تنزع نهار أحد

أصبح للجميع اليوم رأي في كل شيء، من أفضل طريقة لصنع البيتزا إلى من له الحق في تنفيذ شريعة الله في الأرض، وساعد بذلك وجود الانترنت طبعًا حيث انتقل القارئ والمشاهد من متلقي إلى مشارك، مدفوعًا بمبدأ حرية التعبير للجميع. وذلك ليس بالأمر السيء بالطبع فالاختلاف بالآراء يؤدي إلى تطور الأفكار واكتشاف مكامن ضعفها.

بالرغم من ذلك كثيرًا ما يكون اخلاف الآراء سببًا في البؤس، ويجعلنا نشعر بالغضب وكره البشرية كلها ربما ورغبة بالانعزال واليأس، ويعود ذلك إلى عدم التمييز بين اختلاف الآراء والشحناء، بين الحق في التعبير عن الرأي والتهجم، بالإضافة لعدم تقبل فكرة أن للناس نظرات مختلفة للأمور عوضًا أن أخذ الأمور على محمل شخصي.

لذا قد يكون من المفيد في البداية الاطلاع على أنواع الاختلاف حسب هرمية الدكتور بول غراهام:

الشتم

وهو أسفل أنواع الاختلاف ومع ذلك لا يوجد أحد منا لم يواجه هذا النوع؛ إن لم يكن على أساس يومي. ولا يستخدمه إلا شخص غير قادر على الرد فكريًا على أطروحة الآخر. وهذا الشخص يحس بأنه مزهو بنفسه في محاولة لملأ فراغ داخلي. وقد يكون باستخدام أدنى الكلمات السوقية أو بكلمات منمقة مثل: كلامك رجعي وليس به ذرة منطق. ولكن في كلا الحالتين لا يعدو الموضوع كونه شتمًا.

التهجم الشخصي (Ad Hominem)

هذا النوع يكون بالتهجم على الشخص ويصرف النظر عن موضوع الخلاف. مثلاً إذا رأى أحدهم أن الانفتاح الجنسي خاطئ، فقد يرد آخر:

بالطبع سيقول ذلك لأنه متدين.

أو من الطرق الشائعة الأخرى عن هذا الأسلوب، عندما نقول عن الآخر أنه لا يملك الحق على التحدث في الموضوع الفلاني. كمثل ملحد يناقش مسألة دينية أو مواطن يناقش وضع بلد آخر. طبعًا هذا شيء خاطئ لأن معظم الأفكار الحسنة تأتي من غرباء لديهم نظرة خارجية ومتحيزة عن الموضوع. ما هو مهم هل صاحب الرأي محق أم لا بغض النظر عمن هو أو ما علاقته بالموضوع.

التهجم على الأسلوب

بهذه الطريقة يتم التهجم على الأسلوب الذي طرح به صاحب الرأي فكرته، عوضًا عن مناقشة الموضوع الأساسي. على الرغم من أنها أفضل من التهجم على الشخصي إلا أنها تبقى أسلوبًا ضعيفًا لأنه يتم صرف نظر النقاش عن النقطة الرئيسية. لذا فإن كان أفضل ما لديك هو انتقاد أسلوب صاحب الرأي فأنت ليس لديك الكثير، وفي النهاية لن يؤثر الأسلوب أو كم عدد الأخطاء النحوية لديه إن كان على حق أو خطأ.

المناقضة

نصل هنا أخيرًا لمناقشة الموضوع الرئيسي ولكن عوضًا عن إعطاء رأي نقوم فقط بإعطاء الرأي المضاد من دون أي حقائق أو دلائل.

مثلاً: من قال أن التطور صحيح، لقد ثبت علميًا أنه خاطئ.

الحجة المضادة

حتى الآن، كل الأساليب السابقة لا تصل إلى أي غاية. الحجة المضادة يمكن أن تصل لشيء ما ولكن ليس واضحًا ما هو.

الحجة المضادة هي فكرة مناقضة بالإضافة لدليل أو إثبات منطقي. عندما توجه الحجة المضادة إلى الفكرة الرئيسية قد تكون مقنعة، لكن للأسف من الشائع استخدامها بغرض الاختلاف لا غير. لعلك شاهدت كثيرًا هؤلاء الذين يقفزون على مواقع التواصل ليطرحوا حجتهم المضادة لأي شيء، من الجيد طبعًا عدم أخذ الأمور كمسلمات ولكن من الواضح أنهم يرغبون بالاختلاف من أجل الاختلاف، إن قلت أبيض سيقولون أسود وإن قلت أسود سيقولون أبيض!

التفنيد أو الدحض

أكثر الأساليب إقناعًا، وعلى الرغم من ذلك هو الأكثر ندرة لأنه الذي يحتاج إلى الجهد الأكبر. بهذه الطريقة تستخدم نقاط محددة من رأي الآخر وتضعها تحت المجهر مُبديًا سبب اعتراضك بوضوح ومدعومًا بالأدلة والمنطق.

مثلا: طرح شخص فكرة أن نظرية التطور أقوى من أي وقت بسبب ما وصل إليه علم الجينات والاكتشافات الأحفورية والقدرة على تطوير خلايا في المختبر. فيجيب الآخر أنه بالفعل تشابه الأحماض النووية مع باقي الكائنات شيء مذهل لكنه طرح كذلك مشكلة التعقيد الشديد لهذا الحمض وكم تكون أقل الاختلافات شديدة الجوهرية في تشكيل الكائن، أما تطوير خلايا في المختبر فهي مبنية على عينات حية أخرى وكانت شديدة البساطة دون أي نجاح في دفعها للتطور.

البعض يستغل هذا الأسلوب بالتأكيد لاقتباس نقاط معينة خارج سياقها ومن ثم مهاجمة الكاتب شخصيًا أو التشكيك بنواياه.

تفنيد الموضوع الرئيسي

أشد طريقة للاختلاف بالرأي هي تفنيد رأي الآخر أو فكرته الرئيسية جملة وتفصيلا. ففي المثال السابق قد يكون رد الطرف الثاني بأنه لا يقبل مسألة التطور من أساسها لأنه لا يمكن لتعقيد كل هذه الكائنات أن يأتي لوحده كما أن التطور لا يفسر فكرة تطور جماد إلى كائن واعي…الخ.

إن استخدام الطريقة المثلى للاختلاف بالرأي لن تأدي إلى نقاش أفضل وأفيد فقط بل ستأدي إلى الشعور بالسعادة، حيث أن النقاشات الراقية ممتعة وكانت تمرين الفلاسفة المفضل منذ سقراط. يقول شوبنهاور: المجادلة، بما هي مشادة بين فكرين، غالبًا ما تكون مفيدة للطرفين لأنها تسمح لهما بتصحيح أفكارهما الخاصة واستحداث آراء جديدة.

أساليب تعينك على الرقي بالحوار

لا تكن لئيمًا

أنت لا تحتاج أن تكون لئيمًا عندما تمتلك وجهة نظر. اللؤم سيقف في طريق إيصال فكرتك لا أكثر. ومعظم الأشخاص لا يريدون أن يصبحوا لؤماء لكن ليس بيدهم حيلة. عليك أن تستوعب أن الاختلاف ليس خطأً ولا يعني أنك حدت عن الصواب. والشخص الآخر إن اختلف معك لا يعني أنه يكرهك أو فعل ذلك لأنه يريد الانتقام منك؛ ببساطة لكل شخص تفكيره الخاص به، كما لك، لغيرك.

لا تستعجل الاختلاف بالرأي

قبل أن تهاجم الشخص أو تختلف معه بالرأي فكر جيدًا بما قاله وما هي وجهة نظره، ولا تعتمد على فكرة أن هنالك مسلمات يتفق عليها الكل. الاعتقاد بأن هناك حقائق بسيطة مسلم بها لدى الجميع هو الخيار الأريح، لكنه السبب الرئيسي لتفجر المشاكل والمشاحنات، عوضًا عن ذلك قم بتفنيد المسألة جزأ بجزء، حتى لو أخذ ذلك منك وقتاً. ابدأ من أساس يرضاه الآخر كما كان يفعل سقراط في محاوراته. وهكذا ستصل إلى قناعة وتفهم عوضًا عن الكره.

لا تتجادرل مع أي شخص كان

ولكن فقط مع أناس تعرف أنهم عقلاء ويقيمون وزنًا للحقيقة ويحبون الاستماع للبراهين الجيدة حتى من خصمهم ثم يكونون مستعدين للاستسلام لها إن بدا لهم صحتها ويتحملون كونهم على ضلال عندما يكون الحق مع الطرف الآخر. يقول أرسطو: “ولا ينبغي أن تجادل مع من اتفق من الناس، فإن الضرورة تدعو في مناظرة من اتفق من الناس أن تكون الأقويل المستعملة معهم خسيسة”. وإن تلفظت بالخسيس صرت خسيسًا وسخيفًا.

لا تستجلب خلافًا من مكان آخر

في كثير من الأحيان نكون نتناقش حول صحة التطور فنجد أنفسنا نتقاتل حول الدين، أو حول صحة إحدى العادات وننتهي بالتهجم على بلدان بعضنا. السبب في ذلك يعود إلا أننا نستجلب خلافات من خارج موضوع النقاش، فمثلاً نستجلب خلافات تاريخية قديمة، أو غضبنا الشخصي من الآخر، أو اختلافنا الديني لنعارض الآخر بغض النظر عن أطروحته.

التقديم الغير ناجح للأفكار

قد لا تستطيع أو قد لا يستطيع الآخر إيصال فكرته بشكل ناجح وواضح. حينها، وعوضًا عن التسرع في الحكم حاول تفهم الآخر وساعده لتوضيح المسألة فربما كنتما على نفس الصفحة من الأساس.

الفكاهة

الفرق بين الاستهزاء الذي لا هدف له وخفة الدم الهادفة خط رفيع جدًا. ولكن عندما تستخدم بشكل ناجح تصبح الفكاهة بوابة لمحادثات مهمة في جو من الود والأريحية. وقد يكون من الممتع أحيانًا الضحك على خلافتنا عوضًا عن التقاتل عليها.

الآداب

الآداب العامة ليست زخرفات أرستقراطية، بل طريقة لتظهر للآخر أنك تحترمه، ومن ثم أنك محترم. إن الشخص المحترم سوف يقوم على سبيل المثال بـ:

  • شكر الآخر على وقته، جهده، أو محاولته للتفهم حتى وإن كان مختلفًا تمامًا معه في الرأي.
  • الابتسام وإن أحس ببعض الانزعاج من كلام الآخر.
  • القول بأن الفكرة مثيرة للاهتمام وإن كانت ساذجة بعض الشيء.

إن الشخص المؤدب، والمحترم، ملتزم بفكرة تقبل الآخر، حتى وإن كان على أشد الخطأ. وواثق بأنه لن يتوافق معنا الجميع حتى لو كنا على أشد الصواب.

وهو كذلك مقتنع أن لا حاجة دائمًا لحل جميع النقاشات، ولا بأس أحيانًا بشكر الآخر والافتراق بود.

والمحترم مؤمن أن السلام والتواد الاجتماعي أفضل من الصراع. وألا نُـفهم هو جزء من الحياة وليس نهايتها. وبدلا من التركيز على نقطة الخلاف يمكننا الالتفاف حولها إلى الأرضية المشتركة.

فهم دور التكنولوجيا في تأجيج حدة الاختلاف

من الجلي أن الخلافات تظهر بشكل أشد وأكثر حدة على مواقع التواصل ويعود السبب في ذلك لعدة أمور:

  • التواري وعدم وجود محاسبة أو مسؤولية

إن عدم معرفة الآخرين بنا على المستوي الشخصي، أو عدم وجود مسؤولية على صورتنا في المجتمع تدفع البعض باستدعاء الكبت من الحياة الواقعية وتفريغها على الانترنت ومواقع التواصل. فمثلا شخص يخاف إن تكلم عن زملاءه الأجانب في العمل أن يدعى بالعنصري أو يتم طرده، لكن على الانترنت يمكنه السب والشتم وتفريغ كل هذا البغض الكامن دون أن يؤثر ذلك على صورته الشخصية أو يتحمل أي عواقب.

  • الشخص على الطرف الآخر ليس بشرًا

عندما نتحدث مع شخص في الواقع فإننا نشاهد ردة فعله، نحس بانزعاجه أو تأثره، ونسمع تغير نبرة صوته. لكن على الانترنت فإننا نحس أحيانًا بأننا نتجادل مع صفحات وشخصيات وهمية أو حتى كمبيوتر ولا بأس إن عاملناهم بقسوة ولئم فليس لديهم إحساس لأنهم ليسوا بشرًا. بالرغم من أنه بالنسبة للشخص على الطرف الآخر قد يسبب تصرفنا جرحًا عميقًا أو على الأقل ننزع نهاره.

لذا في المرة التالية عندما ترى أو تسمع شيئًا تختلف معه تذكر أن هذا رأي آخر مثل رأيك ومن المفيد مناقشته بطريقة لبقة عوضًا عن المشادة حوله.

1 Comment

Comments are closed.