لعنة القراءة والنسيان

قبل عامين قرأت الحرب والسلم لتولستوي. كانت من أعظم ما قرأت أبدًا. عندما أنهيتها أحسست بالشخصيات كأفراد من العائلة وحفظت كامل صفاتهم كما لو أنهم يعيشون معي، كما أسرتني فلسفة تولستوي عن دراسة التاريخ.

ولكن منذ فترة قررت مشاهدة مسلسل الحرب والسلم الذي تبنته BBC. حالما بدأ المسلسل أصبت بالدهشة عوضًا عن الفرح للقاء رفقاء الماضي حيث وجدت نفسي لا أتذكر أيًا من الأسماء تقريبًا، أومن كان من، أو كيف جرت الأحداث!

لقد أدكت منذ زمنٍ بعيد أنني لست من أولئك الذي يملكون ذاكرة خارقة تجعلهم يستدعون الاقتباسات حرفياً من عدة كتب مع اسم الشخصية صاحبة الاقتباس وربما حتى رقم الصفحة. ولكن ألا أتذكر، تقريبًا، أي شيء من رواية هي من المفضلات عندي أمرٌ جلل.

موضوع النسيان هذا أرق الكثيرين؛ إيان كروش كتب عن لعنة القراءة والنسيان  في مجلة النيوركر وكذلك نشرت مجلة آتلانتك عنه وحتى الفلاسفة أمثال مونتاين وسقراط وربما غيرهم الكثير فالأمر يعود على ما يبدو “لمنحنى التذكر” حيث يكون في أعظم انحدار له، ليس بعد عام ولا شهر، وإنما خلال أول 24 ساعة فقط. بغض النظر عما تعلمته أو كميته، إن لم تراجعه فورًا، فإن النسبة الأكبر منه تصبح في طي النسيان خلال اليوم الأول، وهذا المقدار يتضاعف في اليوم الذي يليه.

هذا الأمر ليس بجديد رغم قصص الخلفاء والشعراء والرواة الذين حفظوا موسوعات بعد سماعها مرة واحدة فقط، فالفيلسوف الموقر مونتين مثلا يصف بأحد أجمل وأدق العبارات هذا النسيان قبل خمسمئة عام فيقول:

ما احتفظ به منهم -الكتب- أمر لا أستطيع تمييزه كما الآخرون. هي فقط المواد التي استفادت منها قدرتي على الحكم، والأفكار والآراء التي تشبعت بها؛ المؤلف، الكلمات، والمؤثرات الأخرى نسيتها فورًا.

ولكن لا شك أن التذكر في عصر الانترنت أصبح أضعف حيث أظهرت دراسة أن الأشخاص عندما يتوقعون إمكانية الوصول للمعلومة مستقبلا فإنهم يصبحون أكثر نسياناً لها، حيث يصبح الانترنت والحاسوب والهاتف المحمول امتدادًا خارجيًا لذاكرتنا. في الاقتباس السابق مثلا ورغم أني معجب به جدًا لكنني لم احمل نفسي عبء تذكره لأني اعرف أنه يمكنني ايجاده على الانترنت في أي وقت أردت.

على ما يبدو فإن سقراط قد تنبأ بهذا الأمر منذ زمن ففي محاورة أفلاطون: فيدروس يصف سقراط كيف أتى الإله المصري ثيوس مخترع الكتابة إلى ملك مصر ثاموس وعرض عليه منح اختراعه لعامة الناس. “إليك صنفًا من العلم سوف يحسن ذاكرتك” قال ثيوس “إن اكتشافي سيوفر وصفة للذاكرة والحكمة” لكن ثاموس كان مترددًا في تقبل الهدية رادًا: “إن تعلم هذا سيزرع النسيان في أرواحهم. سوف يتوقفون عن تمرين ذاكرتهم ويصبحون كثيري النسيان؛ سوف يعتمدون على ما هو مكتوب، وسوف يستدعون الأشياء للتذكر لا من ذواتهم ولكن من مراجع خارج أنفسهم. ما اكتشفته ليس وصفة للذاكر بل للتذكير. وليست هي الحكمة الحقة التي تعرضها على مريديك، وإنما فقط شكلها، حيث أنك بإخبارهم العديد من الأشياء من دون تعليمهم أي شيء تـُظهرهم بأنهم يعلمون الكثير، لكنهم في أغلب الأحيان لا يعلمون شيئًا”.

هذا الخوف من أثر الكتابة على إضعاف الذاكرة والفهم نجده أيضاً في التاريخ المبكر للإسلام، وفي الحقيقة هذه المشكلة الأخرى مع لعنة القراءة والنسيان، فهذه الأيام نقرأ الكتب بشكل نهم من دون تركيز حقيقي أو اعتبار للمجهود الذي وضعه الكاتب في تأليف كتابه. لا شك أن بعض كتب اليوم لا تحتاج لأي من التركيز، لكن على ما يبدو لا يوجد هنالك تفرقة بين ما هو قيم وما هو رائج ودائمًا نجد أنفسنا في سباق محموم للاطلاع على جميع المؤلفات الحديثة والقديمة، واللحاق بركب انفجار المعلومات هذا، فأصبحنا مهووسين بالكمية أكثر من النوعية وبالعدد أكثر من الأثر.

الفيلسوف الروماني سينكا الأصغر ينصح بهذا الخصوص بالتركيز على عدد محدود من الكتب الجيدة[1]، لتقرأ بشكل متعمق ومتكرر حيث أن الكم الكبير من المعلومات قد يؤذي قدراتك العقلية.

الأمر الآخر الذي يبدو مفيدًا بخصوص قضية النسيان هو المشاركة في عملية نقاش عميق حول الكتاب. على سبيل المثال وجدت نفسي أتذكر الكثير من رواية شيفرة دافنشي رغم أني كرهتها جدًا ولكن ذلك كان نتيجة أني خضت الكثير من النقاشات المحمومة حولها فصرت اربط كل مقطع بنقاش أو شخص أو حوار ما. في حين أن الأعمال التي اعجبت بها بشدة كنت أصفها فقط بأنها رائعة جدًا دون الخوض في التفاصيل.

[1] كيف تميز الكتب الجيدة؟ خذ بنصيحة بعض الكتاب العباقرة.