كيف تختار تخصص يناسبك- حقًا

لمن هذا المقال؟

هذا المقال المفصل موجه لأولئك الذين على وشك اختيار تخصص جامعي، أو اختيار مهنة عند تخرجهم، أو حتى أولئك الذين يرغبون في تغيير مهنتهم الحالية لأنهم لا يشعرون بالرضا أو السعادة. وسيحاول وضع خطة لاكتشاف مكامن المشكلات وطرق التفكير في حلول يصل إليها كل شخص بذاته، عوضًا عن طرح نصائح جاهزة وحكم تقليدية مكررة.


عند قدومنا إلى هذا العالم نوضع في مسار محدد دون مشيئتنا كأسماك صغيرة وضعت في نهر يجري في اتجاه واحد. كل ما هو مطلوب منا الجريان مع التيار مهما تلوى وانحنى من دون أن نشغل بالنا بالوجهة أو الحاجة إلى اتخاذ أي قرار مهم. فجأة نصل إلى نقطة حيث يتفرع هذا النهر إلى عدة مجاري ويطلب منا لأول مرة ودون خبرة سابقة أو تدريب أن نتخذ أهم قرار مصيري في حيواتنا؛ القرار الذي سيحدد -على الأغلب- مستقبلنا وشكل حياتنا القادمة. هذا القرار هو اختيار في أي فرع سنختص.

لفئة قليلة جدًا ومحظوظة للغاية يبدو هذا القرارهينًا وتتمة ففقط للجريان مع التيار. فمنذ الطفولة وزيد من الناس يحب الرياضيات أو أنه موله بالبرمجة وقام بالفعل ببرمجة عدة تطبيقات والجامعة هي فقط جزء من مشواره اتجاه إتمام هذه الغاية أو الحلم. لكن للغالبية العظمى يشكل هذا القرار وما يرافقه من ضغط اجتماعي ونفسي لاختيار ما هو ملائم وزرًا ثقيلا ومصدر للقلق.

وعند البحث عن نصيحة أو مشورة حول الأمر نواجَه بإرشادات أقل ما يقال عنها أنها سخيفة وسطحية لا تدخل في لب المشكلة من أساسه. فقد يتم اختزال المشكلة بطرق تسويقية في س من الخطوات وكأنه دليل تركيب طاولة، أو توجه لإجراء اختبار مايرز-بيرجز الغير موثوق لتحدد ماذا يناسب شخصيتك، أو يطلب منك وضع قائمة بالاختصاصات المتوفرة (علمًا أن جميع الراغبين في التسجيل بالجامعة يحصلون على قائمة بالاختصاصات المتوفرة أو يمكنهم ايجادها بسهولة على الانترنت) وغيرها من نصائح لا تساعد أي أحد على إيجاد ما يريد. في النهاية يمكن إدراج جميع النصائح سواء من الأقارب، الأصدقاء، أو المختصين في صنفين:

  1. اتبع شغفك، افعل ما تحب.
  2. اختر خيارًا عقلانياً سيعود عليك بالفائدة.

كلتا النصيحتين، للأسف، لن تفيدك في اختيار اختصاص مناسب إن لم تجعلك أكثر تشوشًا، وهذه الأسباب:

1

أول مشكلة توجهنا في هذا الخصوص هي بالطبع: كيف اختار ما أحب إن لم أكن أساساً أعرف ما أحب أو لم أجد شغفي في الحياة بعد؟!

يظن معظم الناس أنهم إن تسكعوا في الحياة لفترة كافية وشاهدوا عدة قصص ملهمة فإن صاعقة عاطفية من الإلهام ستضربهم ويكتشفون على حين غرة ما هم متحمسون له، والعمل أو الاختصاص الذي يحبونه، ومن ثم ستكون الجامعة أو الوظيفة نزهة في شغفهم.

لكن الحقيقة أن الشغف لا يكتشف بسهولة بل عن طريق تجربة عدة أمور والحصول على الكثير من الخبرات في مجالات متنوعة. حتى أولئك الذين ظنوا أنهم وجدوا شغفهم ودرسوا تبعًا لذلك الأدب الإنلكيزي أو الفنون، مثلا، اكتشفوا بعد الدراسة أن هذا الاختصاص ليس كما كانوا يتوقعونه، أو أنهم وجدوا شغفهم يكمن في اختصاص آخر. الخبر الجيد أنه لن يكون الوقت قد فات أبدًا؛ فالأشخاص الذين درسوا الرياضيات ثم وجدوا أنهم يحبون الفنون أكملوا مرحلة الماجستير أو عملوا على التمثيل الرياضي للوحة ما، أو درسوا الموسيقى في الأدب الإنكليزي المعاصر…الخ. وقد أبدعوا بشدة في ذلك وأوجدوا مجالات جديدة في المعرفة لم تخطر على بال من سبقهم. وهذا يقودنا إلى مشكلة أخرى تتعلق بالاختصاص.

أغلب الناس عندما يقومون بالتعريف عن أنفسهم يقولون أشياء مثل: أنا المهندس فلان، أو أنا المحامية فلانة. وليس أنا أعمل في المحاماة أو الهندسة معتقدين أن الاختصاص يحدد كل حيواتهم ويمنعهم من الدخول في تجارب أخرى. الشغف ليس أحاديًا، والحياة غير محددة بقوالب فردية. يمكن أن يكون شغفك في عدة أمور سويًا، وإن اخترت الاختصاص في الجامعة بأحدها فذلك لا يمنعك من ملاحقة شغفك في نواحي أخرى عبر الجهد الشخصي أو التعلم بطرق رديفة. هذا الأمر نجده بكثر في قطاع التكنولوجيا والأعمال حيث أن معظم العاملين في هذه المجالين يأتون من خلفيات متعددة لا علاقة لها بهذين المجالين ولكنهم تعلموا البرمجة أو إدارة الأعمال أو تطوير المواقع لوحدهم.

2

المشكلة الأخرى في اتباع ما تحب هي ماذا لو لم يكن ذلك ممكنًا؟ هل يعني ذلك عدم إتمام الدراسة أو عدم العمل؟

إن كنت أحب الطب مثلا ولكن لم أحصل لسبب ما على الدرجات الكافية التي تؤهلني لدخول الطب هل يجب أن أتوقف عن إكمال الدراسة؟ أو إن كان حلمي منذ الصغر أن أصبح رائد فضاء ولكن لا يوجد في هذا البلد هكذا مجال مع ندرة المهام البشرية للفضاء بكل الأحول، فهل أفقد الأمل في إكمال شيء أحبه؟

 أ) بعيدًا عن شعارات التنمية البشرية البراقة، ثمة حاجة بالفعل لنكون واقعيين وندرك ماهو في حدود إمكانياتنا وما ليس في حدوها. إن لم أدرس وأحصل على علامات كافية لدخول الطب فقد فات الأوان على التندم على ذلك ومن الأفضل التفكير فيما هو متاح لي، وإن كنت أحب الطب لهذه الدرجة فمن الممكن أن أدرس اختصاصًا قريبًا يبقيني في دائرة المعرفة التي أحبها مثل علم الأحياء أو الهندسة البيولوجية أو الصيدلة…الخ.

أما إن كان هذا الاختصاص غير متوفر فيمكنني دراسة فكرة السفر للخارج وإن كنت أمتلك المؤهلات العلمية والمادية لذلك. عند رغبة الدكتور يوسف تومي بالدراسة في أمريكا ورفض عدة منح من دول أخرى لم يكن ذلك بطرًا أو تمسكًا بشغف وهمي أو رغبة عشوائية بل لأنه كان يمتلك رؤية واضحة لمى يريد فعله ولديه التحصيل العلمي الذي يؤهله لذلك بقوة.

من المهم هنا إذاً دراسة جميع الخيارات بتأني وواقعية، مع الإبقاء بالبال أن الشخص الذي يرغب بأمر ما بشدة وقناعة فإنه يفعل كل ما يستطيع للوصول لما يريد. إن لم تكن الحال كذلك ولم تدرس ، فرضًا، لدخول الاختصاص الذي ترغب به فهذا يقودنا لمى يلي:

ب) إن رغباتنا منذ الصغر في أن نصبح رواد فضاء أو أطباء أو…أو.. قد تكون على الأغلب وهمية ونتيجة تأثير المهن البراقة التي تجذب الحالمين أو رغبات الناس وتتأثر بنظرة الآخرين وتعظيمهم لها.

من المهم هنا البحث عن منابع رغباتنا في اختصاص ما دون غيره؛ هل هو لإرضاء الأهل، هل هو بسبب قيمته ووزنه الاجتماعي، هل بسبب شريك تحبه؟

علينا إذن أن ننبذ كافة المؤثرات الخارجية عن رغبتنا في شيء ما لنكتشف إن كنا نريده لذاته فعلا أم بسبب أمر آخر ستزول الرغبة بزواله ثم سنشعر بالضيق من ذواتنا وعدم الرضا عن الاختصاص الذي اخترناه لأنفسنا.

لذا فإن أفضل وسيلة لاختيار الاختصاص هي تقاطع الخيارات الممكنة مع ما تريد. وسأحاول تاليًا حل المسألتين:

أولًا: ماذا تريد

الرغبة في شيء ما هي مجموع معقد من الحاجات التي تحتاج للإشباع في وقت واحد. فأنت تريد من الاختصاص أن يشبع أمورًا تتعلق بشخصيتك كأن يكون فيه تحقيق للذات و يضيف معنى لحياتك -وهما ربما أهم رغبتين-، كما يجب أن يحقق رغبات بدائية تتعلق بنظرة المجتمع والأقران حيث تبحث عن اختصاص يعطيك منزلة اجتماعية محترمة ومقدرة. وهنالك كذلك رغبات مادية، فكل شخص بالتأكيد بحاجة لاختصاص يستطيع تأمين لقمة العيش وليس مجرد اختصاص نظري بحت مثلا أو اختصاص عفا عنه الزمن، ونكران بعض هذه الرغبات مثل عدم الاهتمام بالمردود المادي أو عدم الاكتراث بالمنزلة الاجتماعية هو كبت لمشاعر طبيعية سيؤدي لعدم الرضا واليأس فقط.

 وكل هذه الرغبات للأسف تتقاطع وتضاد مع بعضها في كثير من الأوقات مما يخلق كتلة رغبات متشابكة ومحيرة. فقد يكون لديك رغبة في اختصاص مطلوب بكثرة في سوق العمل لكن رغبتك في تحقيق الذات تدفعك باتجاه اختصاص آخر.

عندما نفكر في أهدافنا المهنية ومخاوفنا وآمالنا وأحلامنا ، فإن ما يصل وعينا هو مجرد الناتج الصافي لمجموع الرغبات والذي يتكون عادةً من أعلى صوت. فقط من خلال البحث في العقل الباطن في أذهاننا يمكننا أن نصل لمنبع ما نريد.

الشيء الرائع هو أن لدينا جميعًا القدرة على القيام بذلك. الأشياء الموجودة في اللاوعي الخاص بك تشبه الأشياء الموجودة في قبو المنزل. إنها ليست محظورة علينا – إنها فقط في الطابق السفلي. يمكننا أن ننظر إليه في أي وقت — علينا فقط أن نتذكر:

  •  أن المنزل به قبو، و
  • ب‌)     تحتاج لاستثمار الوقت والجهد للنزول إلى هناك ولكن ذلك سيأتي بنتائج جيدة في النهاية.

إذا لم تكن تعمل حاليًا نحو الاختصاص الذي من المفترض أنك تتوق إليه، فحاول معرفة السبب وراء ذلك. إذا كنت تعتقد أن هذا بسبب خوفك من الفشل ، فحلل ذلك. يمكن أن ينشأ الخوف من الفشل من أي مصدر، هل هو خوف اجتماعي من الإحراج ، أو أن يحكم عليك الآخرون على أن لست بهذا الذكاء ، أو من الظهور بشكل سيأ امام شريك رومنسي؟ هل هي مخافة شخصية من إلحاق الضرر بصورتك الذاتية – هل هو خوف من الاضطرار إلى خفض مستوى معيشتك ، أو من جلب التوتر وعدم الاستقرار في حياة يمكن التنبؤ بها حاليا؟ أم أن هناك التزامات مالية لا يمكنك التراجع عنها في الوقت الحالي ،أم أن القليل من هؤلاء جميعًا معًا يولد خوفك من الفشل في الاختيار؟

عندما تفكر في اختيار اختصاص أو مهنة قد يكون كل ما تتخيله هو امتلاك ملايين الدولارات ولكن أثناء فك طلاسم الرغبة في كسب المال، ربما تكتشف أنه في جوهرها هي رغبة في الإحساس بالأمان أكثر منه رغبة بالثروة الهائلة. يمكن تفكيك ذلك وتحليله أبعد من ذلك أيضا. التطلع إلى الأمان في أبسط صوره هو مجرد نظرة عملانية للحياة ولكن ربما لا يمثل الأمان الأساسي الذي تريده بقدر ما هو ضمان لمستوى معين يتطلبه نمط حياتك أو الحاجة الاجتماعية..

الإجابات على كل هذه الأسئلة تكمن في مكان ما في عقلك الباطن، ومن خلال طرح أسئلة كهذه والحفر بعمق كافٍ لتحديد الجذور الحقيقية لمختلف الرغبات، تبدأ في تشغيل إضاءة الطابق السفلي والتعرف على قبوك بكل تعقيداته.

سوف تتعرف أيضًا على أي من رغباتك الداخلية يبدو أنها تتحدث بصوت عالٍ في عقلك وتحمل أكثر عمليات صنع القرار جاذبية، وبسرعة كبيرة سوف يتشكل لديك تسلسل هرمي للرغبات حسب حاجتها للإشباع. هذا التسلسل الهرمي قد يشبه أمرًا كهذا:

ترتيب الأولويات

من المهم أن نتذكر أن ترتيب الأولويات هو أيضًا ترتيب للمخاوف. تحليل الرغبات يشمل أيضاً تحليل أي شيء يمكن أن يجعلك لا تريد أو لا ترغب في ممارسة مهنة معينة، فالجانب الآخر من كل توق هو الخوف من الضد. إذا قلبت رغبتك في تحقيق الذات، فسترى خوفًا من عدم تحقيقها. النصف الآخر من شغفك باحترام الذات هو الخوف من الشعور بالعار. إذا كانت أفعالك لا تتطابق مع ما تعتقد أنه التسلسل الهرمي الداخلي لرغباتك، فعادةً ما يكون ذلك لأنك تنسى أن تفكر في الدور الذي تلعبه مخاوفك. على سبيل المثال، قد يكون ما يبدو محركًا ثابتًا للنجاح، هو في الحقيقة شخص يهرب من الصورة الذاتية السلبية أو يحاول الهروب من مشاعر مثل الحسد أو قلة التقدير.

مع أخذ كل من الرغبات والمخاوف في الاعتبار، فكر في الشكل الهرمي الداخلي لها، ثم اسأل نفسك هذا السؤال المهم: “من الذي أصدر هذا الترتيب؟ هل كانت حقا أنا؟”

على سبيل المثال، قد يقال لك أنك ولدت لتصبح مهندسًا، فمنذ الصغر تقوم بتفكيك الأشياء وتجميعها بمهارة وقد اقتنعت بهذه الفكرة حتى الآن ولكن اسأل نفسك هل تحب هذا الأمر بالفعل أم أنها فكرة وضعت في عقلك ووجهت باتجاهها.

الشخص الوحيد الذي يجب أن يقوم بالتصنيف هو أنت – مركز الوعي الصغير الذي يقرأ هذا المنشور والذي يمكنه مراقبة رغباتك والنظر إليها بموضوعية. ستحاول الاستفادة من كل الحكمة التي تراكمت لديك طوال حياتك واتخاذ قرارات نشطة بشأن ما تعتقد أنه مهم حقًا، وفي نفس الوقت ستتقبل ذاتك ورغباتها. ففي بعض الأحيان، سيكون لديك توق قوي لا يمكن إنكاره لكنك لست فخوراً به – لكن سواء أعجبك ذلك أم لا، فهذا جزء منك، وعندما تتجاهله، ستغرق نفسك بالأسى والتعاسة. يُعد إنشاء التسلسل الهرمي للرغبات بمثابة عملية أخذ وعطاء بين ما هو مهم وما هو أنت. ربما يكون من الأفضل إعطاء أولوية أعلى لصفاتك النبيلة، لكن لا بأس في إلقاء بعض من جوانبك غير النبيلة أيضًا – حسب المكان الذي تقرر رسم الخط الفاصل فيه. الحكمة هي في معرفة متى تتقبل جانبك غير النبيل ومتى ترفضه تمامًا.

ثانيًا: ما هو ممكن

عندما يتعلق الأمر بما هو ممكن، فنحن تتعامل مع مجموعتين من الممكنات: الصعوبات المتعلقة بالعالم وإمكانياتك الخاصة. للحصول على خيار وظيفي ينجح في اختبار الإمكانيات المتاحة، يتعين على إمكانياتك أن تكون قادرة على تجاوز الصعوبات الموضوعية للنجاح في اختصاص ما.

غالبًا ما يرى الناس الأمر على هذا النحو: هناك وظائف تقليدية – أشياء مثل الطب أو القانون أو التدريس أو سلم الشركات ، وما إلى ذلك – ولهذه الوظائف مسارات يمكن التنبؤ بها. إذا كنت ذكيًا جدًا وتعمل بجد ، فسينتهي بك الحال إلى وضع مستقر وناجح.

ثم هناك عدد أقل من المهن التقليدية – الفنون ، وريادة الأعمال ، والعمل غير الهادف للربح ، والسياسة ، وما إلى ذلك – وهذه هي الوظائف الغير القابلة للتنبؤ فإما أن تنجح نجاحًا منقطع النظير أو لا تحصل على أي شيء. النجاح والاستقرار غير مضمونان، وللوصول إلى ناتج جيد،  يجب أن يكون لديك الكثير من الحظ، أو موهبة فطرية ، أو مزيج من الاثنين.

هذه افتراضات معقولة تمامًا – إذا كنت تعيش في خمسينيات القرن الماضي. تحتاج معتقداتك حول عالم الوظائف وما يتطلبه الأمر للنجاح على التحليل المعمق والاستكشاف كما فعلت مع تحليل الرغبات، وستكتشف أثناء ذلك أن نظرة الأهل والأقارب والمجتمع للنجاح هي في الحقيقة مبنية على اعتقادات قديمة أو هالات وهمية لا تمثلك ولا تعكس تفكيرك.

يمر عالم اليوم بتغييرات جذرية، لكننا مقيدون بعالم قديم حيث لم يتغير أي شيء تقريبًا ، لذلك نحن جميعًا نحب نصائح الغابرين ونعامل الحكمة التقليدية على أنها مكافئة للحقيقة.

تمتد هذه الحكم التقليدية إلى كيفية رؤيتنا لقدراتنا. فمثلا، نبالغ في تقدير تأثير الموهبة الفطرية على الطريقة التي يسير بها الناس في حياتهم المهنية، وهذا لن يتركك تشعر بالراحة حيال فرصك في العديد من المسارات. يرى طالب الطب في السنة الأولى جراحًا من ذوي الخبرة في العمل ويفكر ، “يمكنني الوصول إلى هذه المرتبة في يوم من الأيام – ما أحتاجه هو حوالي 20 عامًا من العمل الشاق.” ولكن عندما ينظر فنان شاب أو رجل أعمال أو مهندس برمجيات إلى ما يعادل الجراح المتمرس في مجالهم ، هم أكثر عرضة للتفكير ، “واو انظروا إلى أي مدى هم موهوبون – أنا لست في أي مكان بالقرب من هذا النجاح” ، ثم يصيبهم اليأس. هناك أيضًا المفهوم الشائع الآخر ، وهو أن الأشخاص الذين يزدهرون في مهن غير تقليدية حصلوا على “استراحة كبيرة” في مرحلة ما، ثم فجأة أتاهم الإلهام وكأنهم فازوا باليانصيب وهذا بعيد جدًا عن الحياة الواقعية لأكثر المبدعين عبر الزمن الذين عملوا بشكل شاق للوصول لمى يريدون دون تلكع.

هذه مجرد أمثلة قليلة على عدد كبير من الأوهام والمفاهيم الخاطئة التي نميل إلى أن نحصل عليها حول كيفية الوصول لمهن ناجحة. لذلك دعونا نناقش كيف يمكن أن يعمل الأمر في الواقع:

1- المشهد الوظيفي

يستخدم معظم الأشخاص قائمة مختصرة بأهم الاختصاصات المتاحة ولكن سوق العمل والاختصاصات الجامعية اليوم تتكون من طيف واسع جدًا ومتنوع لا يمكن اختزاله في خيارات عامة مثل “الطب، الهندسة الكهربائية، الهندسة الميكانيكية”… هنالك مشهد أوسع من ذلك بكثير.

مجموعة الوظائف التي قد يشغلها شخص ما في مجتمع اليوم لا يمكن جردها في كتاب من مئة صفحة. الوصف الوظيفي الحالي الخاص بي هو: Risk Education and non-technical survey Project Officer. هل تعتقد أن التفكير التقليدي كان سيمر بطريقه أي شيء قريب من هكذا وظيفة. عندما درست في إدارة الأعمال لم يخطر ببالي هكذا اختصاص ولم أعلم أنه موجود أساسًا. يتكون المشهد اليوم من آلاف الخيارات – بعضها قديم قدم الإنسان، والبعض الآخر أصبح ممكنًا قبل ثلاثة أشهر فقط بسبب ظهور بعض التقنيات الجديدة – وحاجات المجتمع المتجددة، وإذا كان هناك خيار تريده لكنه ليس موجود بالفعل ، ربما يمكنك إنشاؤه لنفسك، فلا وقت أفضل من هذا العصر لفعل ذلك. قد يكون الأمر مرهقًا للغاية ، ولكن أيضا مثير بشكل لا يصدق.

ثم هناك المسار الوظيفي المحدد لكل اختصاص. يحتوي رف كتب التفكير التقليدي على كتيبات إرشادية لجزء صغير فقط من الاختصاصات – وتلك التي يخبرك بها عادة هي كيف تم ممارسة هذا الاختصاص في الماضي ، على الرغم من أن خريطة الاختصاصات تطورت إلى شكل جديد من الفرص والأدوار. عندما تفكر في مسار وظيفي اليوم، ولإجراء تقييم دقيق لما يبدو عليه المسار عليك أن تفهم كيف تبدو خارطة العمل وصورته اليوم. وإلا فإنك ستكون كم ينظر إلى الطب على أنه الاختصاص الذي يعالج الناس من جميع العلل دون الأخذ في الاعتبار أنه أصبح في ذاته اختصاصات متعددة ودقيقة جدا في مجالات محددة.

هذا خبر واعد. هناك على الأرجح العشرات من المسارات الوظيفية الرائعة التي تتوافق بشكل جميل مع نقاط قوتك الطبيعية ، ومن المحتمل أن يرجع معظم الأشخاص الآخرون الذين يحاولون النجاح في هذه المسارات إلى كتب قواعد واستراتيجيات عفا عليها الزمن. إذا فهمت شكل خارطة العمل وفقًا للقواعد الحديثة ، فستكون لديك ميزة كبيرة.

2- قدراتك

وهذا يقودنا إليك ونقاط القوة الخاصة بك. لا نقوم بتقييم نقاط القوة لدينا استنادًا إلى خارطة المسار الوظيفي الخاطئة (كما في مثال الطب) – فحتى عندما يكون لدينا الخارطة المناسبة، فإننا غالباً ما نكون سيئين في تحديد نقاط القوة الحقيقية التي يتطلبها هذا الاختصاص.

عند تقييم فرصك في مسار وظيفي معين ، فإن السؤال الأساسي هو:

مع الوقت الكافي، هل يمكنني أن أصبح جيدًا كفاية للوصول للنجاح الذي أريده في هذا الاختصاص؟

ويعتمد الأمر كما هو واضح على تحديدك للوقت الكافي و ما النجاح الذي تراه. فإن أردت التخصص في البرمجة وكانت نظرتك للنجاح هي الحصول على وظيفة، لنقل، في غوغل فسيكون الوقت الكافي فرضًا س ولكن إن كان النجاح برأيك هو إنشاء غوغل الخاص بك فبالتأكيد سيكون الوقت أو أكثر.

في هذه المرحلة ، ستظهر الحكمة التقليدية كصوت في رأسك وتشير إلى أن مجرد الحصول على ما يكفي من المهارات في عمل معين لا يضمن النجاح بالفعل – فقد تصل لمبتغاك ولكنك لن تحس بالانجاز.

هذا خطأ في الغالب ، لأنه يسيء فهم الإنجاز. الإنجاز ليس حول مستوى مهارة معين ، على سبيل المثال قدرة الترميز أو  البرمجة أو مهارة العمل – إنه يدور حول العملية بأكملها. في المهن التقليدية ، تميل العملية إلى أن تكون أكثر وضوحًا – إذا كنت ترغب في أن تكون جراحًا كبيرًا ، وكنت تتمتع بجودة لا تصدق في الجراحة ، فمن المحتمل أن تصل غايتك وتحقق هدفك من المهنة. لكن في مهن أقل تقليدية ينطوي الأمر في كثير من الأحيان على العديد من العوامل. إن الوصول إلى غاية “أريد أن أكون رجل أعمال عظيم” لا يعني أن تكون جيدُا في الإدارة فقط بل يحتاج الأمر للأفكار الجديدة، الابتكار، العلاقات المميزة، المثابرة بشكل لا يصدق و التفاؤل…الخ. وذلك ما يعنيه أن “تكون جيدًا كفاية”

لكن التفكير التقليدي لا يعرف كيفية عمل المهن غير التقليدية – يفكر فقط في جانب ضيق من النجاح: الموهبة والعمل الجاد. عندما يحتوي مسار وظيفي ما على الكثير من الأمور المعقدة، فإن الحكمة التقليدية تصف النجاح فيه بأنه “حظ”.

إذا لتحديد شكل مسار اختصاصك عليك وضع قائمة بـ:

1) المشهد العام. خذ أقصى جهدك في تقييم المشهد الوظيفي الحالي في العالم — المجموعة الكاملة من الخيارات المتاحة (أو القدرة على الإبداع).

2) المسار لاختصاص محدد. بالنسبة لأي مهنة تبدو مثيرة للاهتمام عن بُعد، فكر مليا في شكل هذا الاختصاص عن قرب، الأطراف المعنية، والطريقة التي يبدو أن النجاح يحدث بها للمختصين بهذا المجال، أحدث قواعد المهنة، ثغرات جديدة يتم استغلالها ، إلخ.

3) نقطة البداية. بالنسبة لهذا المسار، قم بتقييم نقطة البداية الخاصة بك، استنادًا إلى مهاراتك ومواردك وروابطك الحالية ذات الصلة بهذا المجال.

4) نقطة النجاح. فكر في نقطة النهاية وأين يجب وضع نقطة النجاح على كل مسار. اسأل نفسك عن الحد الأدنى من النجاح الذي يجب عليك تحقيقه لتشعر بالسعادة لاختيار هذا المسار الوظيفي.

5) وتيرتك التي ستعمل بها للوصول لنقطة النجاح. قم بإجراء تقدير مبدئي لما قد تكون عليه سرعة الوصول نقطة النجاح التي حددتها، استنادًا إلى نقاط القوة الحالية المرتبطة بالوتيرة والمقدار الذي تعتقد أنه يمكنك تحسينه في كل منها (بمعنى آخر ، إلى أي مدى قد تكون سرعتك قادرة للزيادة وما العوامل التي قد تؤدي لتباطئها).

6) مستوى ثباتك اتجاه نقطة النجاح. قم بتقييم مقدار الوقت الذي تعتقد أنك ستكون على استعداد لوضعه في كل مسار من هذه المسارات وتكون قادرًا على المحافظة عليه.

الباقي مجرد عملية حسابية. خذ ورقة وارسم عليها خطاً، وارسم نقطة البداية ونقطة النجاح التي تولد مسافات مختلفة أمامك حسب ثباتك ووتيرتك. إذا بدا أن نتاج سرعتك واستمرارك في مسار وظيفي معين قد يكون قادرًا على قياس الطول الإجمالي للمسار، فإن هذه المهنة تهبط ضمن الخيارات الممكنة. بالطبع، من المستحيل الحصول على قيم دقيقة لأي من العوامل المذكورة أعلاه ، ولكن من الجيد معرفة المعادلة التي تعمل بها على الأقل. لكن إذا بدى المسار مشوشًا ولا تعرف أي تبدأ أو ماهي نقطة النجاح أو كيف ستصل لها فهذا الخيار ليس ضمن الممكن.

خاتمة

لفترة من الوقت على الأقل ، وبالرغم من أنك قررت بوعي ما تريده بالضبط إلا أن ذاتك ستدخل في وضع انهيار وجودي كامل. ففي حين أنك أعطيت الأولوية لأعلى رغباتك صوتًا فإن تلك الرغبات التي هُمشت سوف تعتقد أنها تُقتل أو لن تُشبع مطلقًا ومن ثم ستحاول لفت انتباهك وستسأل نفسك إن كنت مخطأً حول ما اعتقدت أنك تريده.

 حتى لو سارت الأمور بشكل جيد، سيتم تذكيرك سريعًا بحقيقة أن الإنسان مخلوق غير سعيد عمومًا ولو حٌققت أهم رغباته سوف يحزن على تلك الأمور الصغيرة التي لم تتحقق. وكل يوم يمر، ستفكر بتكلفة الفرصة البديلة للمسارات التي كنت تفكر فيها ولكنك اخترت عدم السير بها- نسخ منك في أكوان متوازية حيث صنعت خيارات أخرى. ستفكر في تقدمهم الافتراضي في العالم وتقلق بشأن ما قد تكون عليه.

عندما تصبح أكثر حكمة وأكثر تجربة، ستتعلم ترويض رغباتك على القبول وتنجح في ضبطها، مع العلم أن الرغبات الأنانية هو تذكير لمى السعادة الخالصة ليست هدفًا معقولًا أبدًا عند التفكير في اختيار تخصص أو مهنة. الأوقات التي تشعر فيها بالسعادة الخالصة هي أوهام مؤقتة مستحثه بعوامل طارئة لا تدوم – مثل مرحلة شهر العسل لعلاقة جديدة أو وظيفة جديدة أو نجاح طال انتظاره. تلك اللحظات رائعة ويجب أن تستمتع بها لكن يجب أن تتذكر أنها ليست طبيعية ولن تستمر.

الأهداف الأفضل عند التفكير في اختصاص أو نتيجة مهنة هي أ) الرضا و ب) ايجاد المعنى: الشعور المرضي بأنك تتخذ حاليًا أفضل ما يمكنك في مسار حياة جيد ؛ أن ما تعمل عليه قد يثبت أنه قطعة من لغز محتمل سيضيف معنى لحياتك ويمكن أن تشعر بالفخر حقًا به. مطاردة السعادة هي خطوة للهواة. إن الشعور بالرضا في تلك الأوقات التي تكون فيها اختياراتك وظروفك قد انسجمت سويًا، ومعرفة أن لديك كل ما يمكنك أن تطلبه، وأن لديك هدفًا ولحياتك معنى هو رأس الحكمة.

يتحدث الناس عن التواجد في الوقت الحالي، ولكن هناك أيضًا مفهوم أوسع للوجود الكلي: الشعور بحضور واسع في حياتك الخاصة. إذا كنت تعمل في مجال وظيفي، فعندما تكون صادقا مع نفسك، تشعر أنك على حق، يجب أن تتوقف عن التفكير وتتوقف عن التخطيط لفترة من الوقت. ستعود إلى الصورة الكبيرة لاحقًا – في الوقت الحالي، يمكنك وضع الصورة الكلية جانباً، ووضع رأسك لأسفل، وتخصيص كل طاقتك إلى الوقت الحاضر. لفترة من الوقت، يمكنك العيش فقط.

بالنظر إلى ماضيي الخاص، أستطيع أن أرى الكثير من التقلبات في الدراسة والوظيفة وقد كان بعضها يبدو غير حكيم إلى حد كبير. لكن كلما رسمت صورة أوضح لقراراتي السيئة الماضية وأنماط التفكير والعادات السلوكية التي بنيتها، قل احتمال تكرارها في المستقبل. والأخطاء التي تزعجني أكثر هي تلك التي حدثت لأن شخصًا آخر أخذ عجلة قيادة حياتي بدل الاستماع لذلك الصوت في داخلي.

لهذا السبب مررت بتحليل صارم في هذا المقال، وأشعر مع ذلك أني فوت الكثير من النقاط. أعتقد أن هذا أحد الموضوعات القليلة في الحياة التي تستحق الكثير من الاهتمام- أن تعرف كيف تستمع لصوتك الداخلي الحقيقي وكيف توفر له ما هو ممكن.