كيف تنظر إلى عمل فني؟

خذ وقتك

هل تتخيل أن يذهب أحدهم إلى المكتبة العامة ويمر على جميع الأرفف دون أن يطلع فعليًا على أي كتاب ثم يخرج مدعيًا أنه اطلع على جميع الكتب؟

الأمر مماثل مع الفن. ليس من المنطقي أن تقف أمام كل عمل فني لبضع ثواني وتنتقل للذي يليه وكأنك تقلب الصور على انستغرام. تحتاج الأعمال الفنية للقراءة كما الكتب: فهم بيئة العمل، والقراءة بين الأسطر، وتأمل كل فكرة على حدا وفي سياق فلسفة العمل ككل، والأهم الإحساس بجمال العمل واستشعار المعنى الذي يريد المؤلف ايصاله.

التحدي الأكبر فيما يتعلق بالوقت هو عدم مقدرتنا على الانفصال عن أنفسنا المشتتة. نفكر في الأماكن التي يجب أن نكون بها، مشاكل العمل، الفواتير…الخ أصبح الانفصال عن الزمن والعالم الخارجي معقدًا بشكل غير عادي. إننا مدمنون على هواتفنا المحمولة وجداول المواعيد وتحديث أماكن تواجدنا ومواقع التواصل كل بضع دقائق بالرغم من أنه لا جديد تحت الشمس. في هكذا حالة لا يوجد أمل في حدوث أي شيء مهم وأنت تنظر إلى عمل فني. عليك أن تكون وحدك مع العمل في عالمٍ حيث لم يعد للوقت وجود.

حكى أنتوان كير سيماكيرس أن فان غوخ تعلق ساعات في المتحف أمام “عروس يهودية” لرمبرانت ثم قال مرة: “أقول لك جادًا، إنني أعطي عشر سنوات من عمري مقابل أن اجلس أسبوعين أمام هذه اللوحة مع القليل من الخبز اليابس”.

بالطبع لن تستطيع رؤية كل اللوحات بتأني كما لن تستطيع قراءة كل الكتب في العالم، لذا لا بأس من المرور سريعًا أمام عدد من الأعمال طالما أنك ستتوقف أمام ذلك العمل الذي يستدعيك ويتحدث إليك، وقد تستهويك أعمال جويا ولكن ليس فان غوخ، أعمال النهضة أو أعمال التكعيبية… في كل الأحوال يبقى الموضوع شخصيًا جدًا ولا صحيح أو خطأ فيه ولكن من الجميل إعطاء الفرصة والوقت لفنان أعطى عمره ليوصل لك الرسالة والإحساس الذي أمامك؛ وهذا يقودنا إلى:

الرغبة الصادقة

لا يتعلق الأمر هنا بمسألة أخلاقية أو حسن نية ولكن بأنه من النافع والجيد جدًا الوقوف أمام لوحة والافتراض أنها ستغنينا على وجه ما- سواءً أكان ذلك فكريًا أو شعوريًا، بغض النظر عن سمعة الفنان أو عظمته. يتعلق الأمر بأن الفنان قد ينجح في إيصال “شيء ما” إلينا وقد يفشل في مسعاه هذا ولكن عمله قد لا يكون قبيحًا كما قد نحكم- قد يكون من الضروري قبل أن نصدر أي حكم أن نصغي بانتباه إلى المؤلف مقدرين أن العمل الذي أمامنا قد يكون نتيجة ليالي طويلة من الأرق، التفكير، المشكلات العائلية، الألم الداخلي، السعادة الغامرة… وكل ذلك يتطلب منا بضع دقائق من الاهتمام الصادق.

هذه الرغبة الصادقة لا تلغي أبدًا حقنا في تجاوز العمل أو عدم الاعجاب به، ولكن بعد أن نكون قد اكتشفنا نقاط ضعف العمل بقناعة. هذا الأمر لن يفيد أحد في الحقيقة سوانا، فمن دون ذلك لن نكون قادرين على تطوير إحساسنا الفني وسندور في حلقة مفرغة من الذوق الجامد ناسين أن الفن يسير في عدة طرق متوازية.

ستتبدى لك أهمية هذه النقطة إذا أخذت في عين الاختبار الكم الهائل من النقد الذي أطلق عبر العصور اتجاه أعمال عظيمة فقط بسبب فقدان الرغبة الصادقة لاحترام عمل ما لأنه يخالف مفاهيمنا- لقد تم جرح فنانين أمثال فان غوخ، رامبرانت، ومانك وتجاهلت أعمالهم لأنها لم تلائم ذوقًا ما لكن النقاد خسروا وبقيت أعمال الفنانين.

المعرفة لا تضر

أحد أكثر الوعود الخادعة التي قطعها حكماؤنا هو: أنت لست بحاجة إلى معرفة أي شيء للاستمتاع بالفن. هذا صحيح بالمعنى المحدود. نعم، يمكن للفن أن يتحدث إلينا حتى في جهلنا. ولكن هناك حقيقة أقوى بكثير: ردنا على الفن يتناسب بشكل مباشر مع معرفتنا به.

أليس من الجيد أن تعرف لماذا يتقاتل طرفان في لوحة ما؟ أو لما الأشخاص حول سقراط حزينون فيما يبدو غير مكترث؟ أو حتى بشكل أكثر دقة مثل من قد تكون الفتاة في لوحة رامبرانت طواف ليلي؟

مع ذلك يجب أن نبقي في أذهاننا أن التعلم ليس عملية قمعية؛ جميع الآراء صالحة على قدم المساواة طالما أنها منطقية وليست مبنية على تهجم شخصي أو أيدلوجي. ما تفكر وتشعر به حول الفن أمر مهم ولكنه يعود لك، بدونه المتحف مجرد مكان به أشياء تاريخية على الحائط.

تقبل التناقض

يعتقد البعض أنه يجب أن يكون للفن طموح طوباوي، وأن يسعى إلى جعل العالم أفضل، ويجب أن يتعامل مع الظلم والبؤس، فيما يعتقد آخرون أنه ليس للفن مهمة أخرى سوى التعبير عن الأفكار المرئية بلغته الخاصة.

كان تولكين ضد فكرة أن يكون للفن أي مغزى غير متعته الجمالية، وعارضت سوزان سونتاج محاولة تفسير الأعمال الفنية ووقفت في صالح استجابة بحتة للفن أكثر إلحاحًا وأكثر ذاتية. ولكن يجادل آخرون في نفس الوقت أن الفن جزء من الثقافة ويجسد مجموعة واسعة من المعاني الثقافية وأن مهمتنا هي إخراج هذه المعاني.

كلا الفكرتين، رغم تناقضهما، صحيحتان وتشكلان جزأ لا يقبل التغاضي عنه في الفن.

تجربة الفن دائما تدخلنا في تناقضات. قد تنظر إلى لوحة موت وتشعر بالجمال وتنظر إلى لوحة غاية في الجمال ولكنها تجعلك حزينًا. عند النظر إلى لوحة، من المفيد في كثير من الأحيان محاولة تصديق شيئين متناقضين تمامًا.

الفن هو أمر ملهم ويبعث على الاكتئاب، يجعلنا أكثر كرمًا وأكثر أنانية. غالبًا ما تكون علاقة الحب بين الكراهية والفنان أو العمل الفني الرائع هي الأكثر كثافة ودائمًا في جميع العلاقات. من خلال إجبارنا على مواجهة التناقض، يجعلنا الفن أكثر حساسية وأكثر إدراكًا لأنفسنا والآخر وبالتالي أكثر إنسانية.

وأهم نصيحة

أهم نصيحة حول كيفية النظر إلى عمل فني تأتي من بوغوميل راينوف التي أوردها في كتابه النادر جدًا والمغمور “الفانوس السحري”. يقول: “قد يكون أفضل جواب عن سؤال: كيف تنظر إلى لوحة؟ هو: كما تشاؤون. كما تشاؤون لأن التعامل مع الفن أمر مشيئي. كل عنصر من عناصر الطبيعة قد يحطم عفوية التلقي، أما القواعد فهي دائمًا شكل الطبيعة الذهنية.. كما تشاؤون- لأنه بإسلوب “النظر” يتحقق دائمًا شيء متفرد لا ينبغي أبدًا أن يفسر. والمهم في النهاية هو ليس كيف تنظر بل ماذا ترى“.