التعقيد الغير ضروري في الكتابة الأكاديمية

هل قرأت تاريخ موجز للزمن، أو أشهر خمسين خرافة في علم النفس، أو عالم صوفي، أو السمكة داخلك… ؟

إن العامل المشترك في جميع هذه الكتب أنك حينما تقرأها ودون أن يكون لديك أي خلفية أو معرفة سابقة في الموضوع وبنهاية الكتاب سيتكون لديك فهم وافي للموضوع المطروح وإلمام لا بأس به بمفاهيم الاختصاص وقواعده وإن كانت بطبيعتها معقدة.

لو فكرت تاليًا بأي من الكتب الجامعية أو النصوص الأكاديمية التي مرت بك ستجد أنك احتجت لكتب أخرى لتساعدك على فهم نفس الكتاب، عدا أنه كان مملا ويحتاج لجهد خارق للانتقال من سطر لآخر. قد تكون الكتب الآنفة الذكر عمومية بعض الشيء ولاتدخل في تفاصيل الاختصاص كما في النصوص الأكاديمية لكن ماذا لو قارنا بكتب تعليم لغات البرمجة والكتب الجامعية في نفس المجال، أو كتاب عن التكامل من سلسلة For Dummies وكتاب مشابه من كلية العلوم؟ إن مجرد التفيكر في كتاب الجامعة سيجعل رأسك يدور بينما تدفع دور النشر باتجاه تسهيل المحتوى مهما كان معقدًا لأنه إن لم يفهمه فإنه لن يباع ويحقق أرباحاً؛ إذا إن عملية تبسيط البحث مهما كان معقدًا ليست مهمة مستحيلة طالما وجدت الإرداة لذلك، ولكن هل يعني هذا أن الوسطالأكاديمي لا يرغب أن يفهم أحد النص؟

بالفعل، الكتابة الأكاديمة السيئة تثير لغزًا. فلماذا يجب على المهنة التي تكرس نفسها لنقل المعرفة أن تتحول في كثير من الأحيان إلى نثر غيرمتجانس ، متحجر، أخرق ، غامض ، غير سارة للقراءة ، وغير قابل للفهم مما يتناقد تمامًا مع رسالة نقل المعرفة.

الإجابة الأكثر شعبية لدى الطلاب ومن هم خارج الوسط الأكاديمي أن الكتابة السيئة والمعقدة هي اختيار متعمد. يحاول الأكاديميون إخفاء حقيقة أنهم لا يعرفون شيئًا خلف ستار من الكلمات المنمقة. إنهم يلبسون المسلمات والأمور الواضحة بزخارف التطور العلمي ، على أمل خداع جمهورهم والظهور مظهر مرموق حيث يتناسب تعقيد النص طردًا مع أهميته وبالتالي نبوغ كاتبه.

على الرغم من أن وجهة النظر هذه صحيحة، للأسف، مع الكثير من الأكاديمين وكتاباتهم خصوصًا في المراكز الأكاديمية الضعيفة التي تحاول إثبات نفسها بطرق مشبوهة لكن في نفس الوقت هنلك الكثير من الأكاديمين الذين ليس لديهم أي شيء ليخوفوه ولا يبحثون عن إعجاب أحد، بل إن البعض منهم كتب بحق مراجع قمة في اليسر والبساطة غير الكتب الأكاديمية.

الأكاديميون يعللون الحاجة لكتابة معقدة بأنه لا يمكن تجنب الكتابة الصعبة بسبب التعقيد الموجود في العلوم نفسها والتراكم الهائل للمعرفة. كل هواية إنسانية -موسيقى ، طبخ ، رياضة ، فن – هي بناء تراكمي دفع المشتغلين في كل تخصص إلى التعارف على رموز واختصارات وقواعد لعدم الخوض في تفاصيل لا نهائية كل مرة أريد بحث موضوع ما. تخيل أن يقوم عالم كيمياء مثلا بكتابة العناصر باسمها في كل مرة أراد تحليل معادلة. من هنا يجد الهواة صعوبة في فهم مثل هكذا نصوص لأنهم لم يطلعوا على المسلمات التي اتفق عليها أهل الاختصاص.

بالطبع هذا التفسيرغير منطقي كذلك، فحتى الأكاديميون نفسهم والطلاب المطلعون على رموز وقواعد الكيمياء، مثلا، لديهم صعوبة في فهم الكتب الأكاديمية تتجاوز المصطلحات. كما نشاه دفي الكتب الغير أكاديمية وإن استخدمت مصطلحات الاختصاص فإنها سهلة الفهم والقراءة مثل كتب البرمجة كما أسلفت. إذا يتعدى الأمر مسألة الكلمات إلى الأسلوب المستخدم وطريقة طرح هذه المصطلحات.

إن أسلوب الكتابة الأكاديمية كما أساليب الكتابة الأخرى المتعددة يحاول أن يعكس كيف يقدم الكاتب نفسه أو كيف يرى ذاته أمام القارئ. فكما يحاول الرومنسي أو الديني أو التاريخي نقل صورة معينة كذلك يحاول أسلوب الكتابة الأكاديمية. يدعى هذا الأسلوب بالأسلوب الكلاسيكي ويمكن تقفي بدايات هكذا نمط في الكتابة إلى كتاب مثل ديكارت وكانط وهيجل الذي ربمايكون الأب الروحي لهكذا نمط معقد من الصعب فهمه.

إن كانط وخصوصًا هيجل، رغم أنهما قدما الكثير للفلسفة، لديهما أسلوب سيء جدًا ومعقد في الكتابة ويصعب بشدة فهم أفكارهم التي يريدون إيصالها، حتى أنه مع هيجل نجد الكثير من التفسيرات المتناقضة بخصوص أعماله وسبب ذلك هو غموض ما كتبه في الدرجة الأولى؛ فلا يستطيع أحد وضع يده بدقة على ما يريد أن يقوله وهو ما يحدث اليوم أيضًا في الكثير من المنشورات الأكاديمية.

كان شوبنهاور ممتعضًا بشدة من أسلوب كانط في الكتابة ولكنه كان مستاءً أكثرفي أن الكثير من الناس وخصوصًا “الأكاديميين” معجبون بهذا الأسلوب الضبابي ويحاولون تقليده وهذا الأمر في شدة الإزعاج لدى هيجل، الذي كان أكاديميًا ويكتب كتبه في المقام الأول للأكاديميين مثله.

هذا الأسلوب الكلاسيكي عكس صورة جدية وأرستقراطية عن الكاتب المميز عن بقية المجتمع. من السهل معرفة سبب سقوط الأكاديميين في أسلوب يراعي نفسه. هدفهم ليس التواصل بقدر ما هو تقديم الذات – وهو تمييز لهم كما رداء الأطباء. هذا الأمر جعل الأسلوب الكلاسيكي هو النمط الرسمي للمؤسسات الأكاديمية حتى يومنا هذا، وأي محاولة لاستخدام اسلوب مبسط أوتجريبي أو يتخلله مزاح صار ينظر إليها بعين الشك والتقليل من قيمة العمل بالرغم من أن طريقة الاتصال لا تؤثر على محتوى الرسالة.

المشكلة الأحدث في الكتابة الكلاسيكية هي ” النرجسية المهنية”؛ حيث يعيش الأكاديميون في عالمين: عالم الشيء الذي يدرسونه (الأدب الإنكليزي في القرن الثامن عشر، النظرية النسبية…الخ) وعالم مهنتهم (نشر المقالات، الذهاب إلى المؤتمرات ، مواكبة القيل والقال) وتقع المشكلة عندما يحاولون نقل عالمهم الثاني أو يتفاخروا به في الكتابة، فتجد أن الكثير من المنشورات تقول “حدث في مؤتمر كذا، وأظهرت الأبحاث والأبحاث…” بدل أن يناقشوا الموضوع مباشرة.

المساهم الرئيسي الآخر في الأسلوب الاكاديمي هو عمى إدراكي يسمى لعنة المعرفة: صعوبة تخيل أن الآخر لا يعرف ما تعرفه. عدم القدرة العامة على تخطي ماتعرفه ولا يعرفه الذي أمامك هو مثال على الفشل المتفشي للعقل البشري الذي يواصل علماء النفس اكتشاف وجوه ذات صلة به وإعطاؤه أسماء جديدة مثل: الأنانية، الاعتقاد الكاذب، الشفافية الوهمية، فشل القدرة العقلية… لتوضيح الأمر؛ نقوم بإخفاء غرض أمام شخص فيما يقف آخر خارج الغرفة، عندما يدخل الموجود في الخارج ويبدأ في البحث فإن الشخص الموجود في الداخل سيفترض مباشرة أن الآخر سيبحث حيث يعرف هو أين يخبأ الغرض. وكذلك يفترض الناس أن الآخرين يمتلكون نفس المهارات ونفس الكلمات ونفس القدرة على حل المشاكل التي نمتلكها ويشعرون بالغضب عندما يظهر الآخرون جهلا في أداء مهمة يجدنوها مسلما بها بالنسبة لهم.

لعنة المعرفة هي سبب رئيسي أن الأكاديميين الجيدين يكتبون بطريقة سيئة. ببساطة لا يخطر لهم أن قرائهم لا يعرفون ما يعرفونه – أن هؤلاء القراء لم يتقنوا التخصص أو لا يستطيعون أن يخطواالخطوات المفقودة. ولذا فهم لا يهتمون بشرح المصطلحات أو توضيح المنطق أو تقديم التفاصيل اللازمة.

من الواضح أنه لا يمكن للباحثين تجنب المصطلحات التخصصية تمامًا. لكن يمكن ببساطة اختزال قدر كبير من المفردات. فالعالم الذي يحل كلمة فئران محل “نموذج مورين” لن يستخدم مساحة إضافية على الصفحة ولن يكون أقل علميًا. لكن الاختصارات مغرية للمختصين فهي تجعلهم يحسون بأنهم أعضاء نخبة حصرية، ويستطيعون كذلك توفير بضع ضربات على لوح المفاتيح في كل مرة. وينسى الكتاب أن الثواني القليلة التي يضيفونها إلى حياتهم تأتي على حساب دقائق كثيرة سرقت من قرائهم.

الطامة الكبرى، أخيرًا،هي مدى التجريدية التي تكتب بها الأعمال الأكاديمية؛ فهي خالية تمامًا من أي معنى أو تأثير أو من تطبيق عملي يمكن استخدامه لها. فيبدأ بحث بتعريف X ثم يحاول مطولا أن يثب أن X + Y = Z  وفقط ينتهي عند ذلك دون أن يخبر القارئ بماذا يمكن أن يستفيد أو ما تأثير ذلك على حياته. أو مثلا بحث عن التركيب البنائي لرواية الفقراء دون أن يخبرنا كيف يفيد ذلك في رؤية جمالية الرواية أو العمل الفني.

إن كتابة أي موضوع بغاية اليسر والسهولة ليفهمه كل القراء أمرٌ ليس بمعجزةعندما يكون وراءه مربح مادي كما رأينا، لذا فإن أسلوب الكتابة الاكاديمية المعقد هو نتيجة عدم اكتراث لا أكثر ولا أقل ويمكن حله بدورات في الكتابة الإبداعية للطلاب الجامعيين والأكاديميين، وانفتاح على الأساليب المبتكرة عوضًا عن احتكار أسلوب صفوي لن يؤدي إلا إلى زرع الفوضى والخطأ، كما أنه خيانة لرسالة نشر العلم والمعرفة التي تعمل بها كل المؤسسات الأكاديمية.