هل أنا طبيعي؟ -سألت جوجل وهذه الإجابة

عندما نفكر في مصطلح “طبيعي” يذهب تفكيرنا في الغالب إلى كيفية رؤية المجتمع للفرد، لكن في الحقيقة إن مبدأ الطبيعية هو هيكل اجتماعي قائم على قيم كل فرد الثقافية وما يعرفه عن الحياة التي عاشها حتى الآن وما يبدو مألوفًا بالنسبة له. والتصور للطبيعي هو قبل كل شيء نظرة شخصية تعكس رؤية المرأ للآخرين.

لو طلبنا من شخص ما أن يسير في شارع وأن يلتقط صورًا لكل ما يراه غير طبيعي فإن هذه الصور ستكشف الكثير عن شخصية المصور وكيف يرى العالم والآخرين قبل أي شيء. فلو كان المصور مثلا من المعجبين بالمتال وكان يصور في حفلة فإنه سيرى كل شيء طبيعي وجميل ولكن لو كان يصور في شركة محاسبة فسيجد أن رتابة العمل والروتين قاتلة وغير طبيعية.

عندما يتم التوافق ضمن مجتمع على صورة نمطية لمى هو مقبول وطبيعي فإن هذا المفهوم يتحول إلى عضو في مجموعة الأفكار السيئة مع العنصرية والكراهية. هو وسيلة بدائية ليحمي القطيع نفسه ضد أي غريب ومختلف، لذا يشكل عائقًا أمام أي تطور في خدمة مجموعة من المقاييس التي نسينا من وضعها أساسًا.

نقيس فكرة أن نكون كاملين وصحيحين استنادًا إلى كيف يكون أغلب الأشخاص، ونتوصل إلى استنتاجات حول ما إذا كان هنالك خطأ مافي الطريقة التي نتصرف، نشعر، أو نفكر بها تبعًا للدرجة التي نتشابه أو نختلف بها عن الآخرين. من ناحية ما، من المفهوم أن نتطلع إلى الآخرين للحصول على تلميحات حول كيفية التصرف والشعور لأننا بالطبع مخلوقات اجتماعية وتظهر الدراسات أن صحة الإنسان تتلقى صدمة عندما يكون وحيدًا، لذا من المنطقي أن نسعى وراء موافقة الآخرين عبر أن نصنف فيما يعتبرونه “طبيعيًا”. في الوقت نفسه هنالك بعض الأسباب التي تجعل من المفيد إعادة التفكير في فكرة “الطبيعي” أو حتى، أحيانًا، تجاهلها كليًا.

السبب الأول: ما تظنه غير طبيعي هو طبيعي تمامًا.

في أغلب الأحيان يفكر الناس بسؤال هل أنا طبيعي بسبب ذنب أو عدم ارتياح اتجاه مشاعر أو طريقة تفكير معينة وهم يتساءلون هل يفكر الآخرون أو يشعرون مثلي؟

فإن كنت تفكر أنك تزوجت الشخص الخطأ، تكره مظهرك، تشعر بعدم الرضا عن عملك، تتلبك عند إجراء محادثة مع غريب، تخاف من التصرف بشكل مخجل أمام الناس، تفكر بالجنس كثيرًا، تمارس العادة السرية بكثرة، تخاف أن تنفجر في البكاء إذا انتقدك أحد، تخاف أن يتكلم الناس عنك في ظهرك، تشعر أن لا أحد يفهمك، تخاف أن تتعثر في الطريق ويضحك عليك الناس، تخاف أن يغلبك الضحك في مكان غير مناسب مثل عزاء، تخاف أن لا تكون جيدًا في أول علاقة…

فاطمئن، أنت طبيعي تمامًا مثل غالبية الناس التي تفكر حول نفس المواضيع في كل وقت.

إن كنت تشعر مثلا بأنه ليس لديك الحماس للعمل فنسبة 85% من الأشخاص في العالم يشعرون نفس الشعور. هل تفكر ما خطبك ولماذا لا تشعر بالسعادة؟ 33 بالمئة فقط من الأشخاص الذين أجروا استبياناً حول الموضوع في أمريكا قالو أنهم “سعداء”.

 في الحقيقة، تشير الإحصائيات أن 46 بالمئة من الناس يمكن أن يشخصوا باضطراب نفسي في مرحلة ما من حيواتهم؛ تتساوا فرص هذا الأمر تقريبًا مع الحصول على أحد وجهي عملة معدنية عند رميها !

بالطبع لا يعني هذا أن لا تسعى للحصول على مساعدة في حال كان الموضوع يؤثر على حياتك ومن حولك، ولكن من المفيد جدًا أن نعيد التفكير في نظرتنا لمى هو طبيعي.

السبب الثاني: “الطبيعي” هو ناتج إحصائي لا معنى له

إذا نظرنا على نطاق واسع في المعاني التي نعلقها على الحياة الطبيعية منطلقين من علم الأمراض السريري فإننا نجد أنه في الطب يرتبط هذا المصطلح ارتباطًا وثيقًا بعملية التشخيص. يتم تحديد مؤشرات وحدود ما هو طبيعي عبر قرون من البحث والمعرفة حول ما هي مستويات أو معدلات الأشياء اللازمة للجسد لكي يؤدي مهامه بشكل جيد، ثم يمكن للاختبارت أو الفحوصات أن تخبر الأطباء عن وجود خطأ؛ معدل ضربات القلب أعلى من المعدل الطبيعي أو مستوى السكر في الدم أو النمو الزائد أو المتأخر..الخ. في هذا السياق يتم تحديد الطبيعي وفق مقاييس كمية مرجعية. ولكن إذا نظرنا إلى علم الأمراض المرتبط بالصحة النفسية نجد أن الأمور لا يمكن تقديرها كميًا. بالرغم من ذلك هذا ما جرى فعليًا.

كان Adolphe Quetelet أول طالب يحصل على الدكتوراه في الرياضيات من جامعة غينت، وكان مولعًا بإنجازات إسحاق نيوتن وأراد السير على دربه فعمل في الفلك، إلا أن الحرب الأهلية منعت إكمال بناء مرصد بروسل ومن ثم إتمام أبحاثه في علم الفلك. هذه الحركات الجماهيرية دفعته في اتجاه مختلف تمامًا، دفعته لدراسة السلوك الاجتماعي، وصار لديه هدف جديد هو أن يكشف الأنماط المخفية للسلوك البشري ويصبح إسحاق نيوتن في الفيزياء الاجتماعية.

من حسن حظ أدولف أن أوربا حينها كانت على موعد مع أول موجة Big Data حيث كانت الاستبيانات والدراسات الاجتماعية تجرى حول عدد ضخم من المواضيع لكن لم يكن أحد يعرف ماذا يفعل بهذه البيانات أو كيف يفسرها.

بالنسبة لأدولف الرياضي والفلكي كان يعلم تمامًا أنه في الفلك عندما يقوم عشر فلكين بتسجيل سرعة جسم سماوي ما فإن كلًا منهم يحصل على قراءة مختلفة عن الآخر. ولأنك تحصل على عدة نتائج من عدة رصدات فلا يمكن الاعتماد على رأي عالم دون الآخر، ومن هنا تبنى الفلكيون حلاً مبتكرًا سُمي في حينها: “طريقة المتوسطات” حيث تجمع كل القياسات الفردية في متوسط واحد يكون أكثر قربًا للقيمة الحقيقة من كل قياس لوحده.

ما فعله كيتيليت هو أنه استلهم استخدام طريقة المتوسطات من علم الفلك وطبقها في علم الاجتماع مغيرًا بذلك وللأبد كيف ينظر المجتمع للفرد.

اعتبر الفلكيون أن أي قياس منفرد لجسم سماوي لا بد وأن يحتوي على خطأ، لكن يمكن تقليل نسبة الخطأ في مجموعة من القياسات عبر حساب متوسطها. وعلى نفس المبدأ عمل أدولف، حيث اعتبر أن أي إنسان هو نسخة عن صورة مثالية للبشر سماها “الرجل المتوسط” وأن أي انحراف عن قيم هذا الرجل تعكس التشوه والمرض.

وقد أشاد العلماء والمفكرون في كل مجال بـعمل أدولف باعتباره عبقريًا كشف القوانين الخفية التي تحكم المجتمع. تبنت فلورنس نايتنجيل أفكاره في مجال التمريض ، معلنة أن الإنسان المتوسط يجسد “إرادة الله”. اعتمد كارل ماركس على أفكار كيتيليت لتطوير نظريته الشيوعية ، وأعلن أن الإنسان العادي أثبت وجود الحتمية التاريخية. وأعلن فيلهلم وندت الأب الروحي لعلم النفس التجريبي: “يمكن القول دون مبالغة أنه يمكن تعلم علم النفس من المتوسطات الإحصائية أكثر من جميع الفلاسفة ، باستثناء أرسطو”. واليوم، تُعتبر فكرة المتوسط أمرًا مفروغا منه. تشكل جزءًا من همهمة وسائل الإعلام اليومي؛ متوسط ​​علامات الطلاب، ومتوسط ​​عدد مشاهدي التلفزيون في أوقات الذروة، ومتوسط ​​رواتب الأطباء، متوسط عمر الزواج…

كان اختراع Quetelet للرجل المتوسط ​​هو اللحظة التي أصبح فيها الجمع ​​طبيعيًا، وأصبح الفرد خطأً، وتم ترسيخ الصور النمطية باستخدام بصمة العلم. ستدفع هذه الافتراضات في نهاية المطاف أجيال من الآباء إلى القلق إذا لم يتكلم طفلهم وفقًا لمقاييس الإنجاز المتوسطة ، ويسبب للجميع تقريبًا شعورًا بالقلق عندما تنحرف صحتهم أو حياتهم الاجتماعية أو حياتهم المهنية بعيدًا عن المتوسط.

نعلم اليوم أن الاستبيانات التي تبنى عليها المتوسطات هي متحيزة جدًا وقد تختلف نتائجها من وقت لآخر أو من حالة لأخرى حيث من الصعوبة بمكان قياس المشاعر والأحاسيس والأفكار البشرية بمعزل تام عن المؤثرات، وفوق هذا كله إن النفس البشرية تنزع لتكون متفردة ومميزة وكل شخصية حالة خاصة من مزيج معقد من عدد هائل من المؤثرات والاستجابات المختلفة في كل مرة. لا يمكن اختزال البشر إلى نتائج إحصائية. الناس ليسوا غير طبيعين عندما يخرجون عن منحنى الجرس لقاعدة مجتمعية ما- إنهم يعيشون وفق تفسيرهم الخاص للحياة. إن متوسط كيتيليت ينطبق على بشر يخرجون من خط تجميع في عالم ألدوس هكسلي أكثر منه على البشر الواقعيين.

السبب الثالث: الطبيعي هدف متحيز

 إن التفكير في “الطبيعي” يدفع بشكل تلقائي بفكرة الضد- الغير طبيعي. فما هو الغير طبيعي إذاً؟

لفترة من الزمن اعتبرت النساء في الأدوار النسوية بأنهن غير طبيعيات ويدفعن بدور غير طبيعي للمرأة في المجتمع. الأعراق المختلفة في البلدان ذات الغالبية البيضاء اعتبرت لوقت طويل غير طبيعية، وحتى الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة اعتبروا لوقت قريب غير طبيعيين.

ويمتد الأمر للمجال العلمي، ففي عام 1851 وضع الدكتور صامويل كارترايت مصطلح Drapetomania للإشارة على حالة نفسية “غير طبيعية”. الذي يؤهلك لتشخص بهذه الحالة بقوة هو أن تكون عبدًا وتحاول الفرار. هذا صحيح! إذا كنت عبدًا وطلبت الحرية سيصنفك الدكتور صامويل بأنك غير طبيعي وتحتاج لعلاج.

السبب الرابع: أن تكون طبيعيًا قد يقف قي طريق ابداعك

إذا قرأت عن حيوات كبار الفلاسفة والعلماء والفنانين ستجد أنها مليئة بأمور “غير طبيعية”. هل تظن أن شوارب نيتشه كانت طبيعية؟ أو كيفية اختيار هيوم لأزيائه؟ أو إصرار هيمنجواي على الكتابة واقفًا؟ أو هوس فايمان بكسر الأقفال؟ أو عادة دافنشي في النوم بين 15 إلى 20 دقيقة؟ أو شخصية سلفادور دالي ككل؟ حتى أن “الغرابة” صارت سمة مميزة مرافقة للإبداع. إن المبدع يركز على عمله وما يناسب عمله بدل التفكير إن كان الآخرون يرونه يندرج ضمن عدد من المقاييس والمحددات.

خاتمة

يجب علينا أن نتذكر، قدر الإمكان، أن التعريفات الممكنة للطبيعي تختلف بمقدار اختلاف بصمات كل منا. ما لم نخرق القانون أو نتحمل المسؤولية عن معاناة إنسانية غير مبررة، فإن البحث فيما إذا كان ما نفكر فيه أو نشعر به أو نفعله طبيعيًا يجب أن يأتي أيضًا مع السؤال الداخلي: “من الذي أحاول الحصول على قبوله؟” الجواب يمكن أن يخبرنا عن أنفسنا أكثر مما نعتقد.