في تاريخ الثامن من كانون الأول 2024 حدث تغيير مهم في سوريا، ومهما ما كان سيأتي بعده فإن هذا التغيير في هذه اللحظة في غاية الإيجابية لأنه أنهى نظامًا ديكتاتوريًا، ومجرم حرب. مع ذلك، ورغم مشاعر السعادة، خالط مشاعر الكثيرين مساعر خوف وتردد. لا خوف سياسي أو تردد بس موقفهم، بل خوف نفسي لا يعرفون مصدره.
ما يشعر به بعضنا في ظل هذا أحداث هو خوف من التغيير، لأن الأمور المألوفة مريحة، والتغيير يشي بالمفاجئات. إن الروح البشرية، المتغيرة والمضطربة، تتوق بشكل متناقض إلى هدوء الروتين. فنحن ننتقد الرتابة في الكلام والمثل العليا، ونرفع من شأن فضائل التغيير والحرية؛ ولكن تحت السطح، يثبت الروتين سيطرته علينا. إنه ليس القفص المذهب، بل الخيط غير المرئي الذي يخيط أيامنا في أنماط من القدرة على التنبؤ، ويقدم إيقاعًا مريحًا ضد مسيرة الوقت التي لا تنتهي.
لكن هل من المنطقي أن نخشى التغيير حتى لو كنا نعيش في الحضيض؟ ما الذي قد يسوء أكثر؟
لا يتعلق الأمر بمدى سوء الأمور وحسنها، بل بالقدرة البشرية للتأقلم مع الظروف، ثم الإحساس بالراحة مع هذا الوضع. وكلما زادت متطلبات التأقلم مع الوضع، كلما زارد الخوف من تغير الوضع والحاجة لممارسة طقوس التأقلم الصعبة من الصفر. ويمكننا أن نرى ذلك بوضوح في حياة السجناء والمعتقلين. في البداية، يبدو السجن إهانة لطبيعتهم، وإخضاعًا لإرادتهم. ومع ذلك، مع تحول الأيام إلى سنوات، يصبح نفس الروتين عزاءهم. تتوقف الحرية عن إلهام الأمل وتشعل الخوف من الحاجة لإعادة التأقلم. إنهم لا يخشون الحرية نفسها، بل الاضطراب الذي تنذر به – انهيار المعروف، مهما كان صارمًا، في الفوضى المجهولة وراء الجدران.
إن ما نلاحظه هنا ليس مجرد عادة، بل حقيقة نفسية أعمق: فالعقل يشعر براحة أكبر مع المألوف، حتى وإن كان يضايقه، مقارنة بعدم اليقين الغريب الذي يحيط بالتغيير. فالسجين الذي اعتاد طويلاً على إيقاع أسره، قد لا يجد في الحرية إطلاقاً، بل فكاً عميقاً من قيوده. فبالنسبة له، أصبح قرع باب الزنزانة بمثابة رنين الساعات؛ وأصبحت حدود زنزانته إطاراً تتماسك داخله هويته. وإذا أزلنا هذه الحدود، فسوف نجده منجرفاً، غريباً عن حياته الخاصة.
أليس هذا هو حالنا جميعاً، بكل وضوح؟ إن الروتين، رغم أنه قد يبدو عدواً للتقدم، يحمينا من هاوية الاحتمالات اللامحدودة. ونحن نجد الراحة في تكراره. والتغيير، على الرغم من كل ما يحمله من وعود، هو عاصفة نخشى أن نجتازها. وهكذا فإن الخوف النفسي من التغيير ليس جبناً، بل هو شهادة على الحاجة الإنسانية العميقة إلى الأنماط المألوفة.
من المنطقي أن يكون التغيير مخيفًا، أو حزينًا على الأقل، فالنهاية المطلقة للتغير هي انتهاء حيواتنا وحلول آخرين مكاننا. تحت افتقارنا العرضي إلى القدرة على التكيف، يكمن الخوف من التغيير الذي سيمحونا ذات يوم. ولأننا معرضون جدًا للتغيير في أنفسنا، فإننا نسعى إلى صنع أو حماية الأشياء التي ستدوم بعدنا، بما في ذلك الأسماء والأعمال والعقارات. لدينا الكثير لنتعامل معه من حيث التغيير في أجسادنا، فلا عجب أن نجد أنفسنا غالبًا مهتمين بشدة بالأشياء التي تقاوم التغيير في العالم الخارجي. نحن نحدد بعض الأشياء التي نهتم بها أكثر عندما نجرؤ على سؤال أنفسنا عما نأمل ألا يتغير أبدًا.
ما الممكن عمله؟
إن التغلب على الخوف من التغيير يتطلب أولاً مواجهة طبيعته ــ التعلق ليس بالحاضر، بل بالماضي. فالحياة عبارة عن قصة تتكشف على الدوام، ومع ذلك فإننا نتشبث بفصول كتبت منذ زمن بعيد، وكأنها تشكل الكتاب بأكمله. ولكن الفصل ليس الكتاب؛ ولكي نبدأ من جديد، يتعين علينا أن نوافق على إغلاق ما كان. فكل نهاية، وإن كانت مريرة وحلوة، تولد إمكانية لقصة أكثر ثراءً في المستقبل.
وكما يشكل المؤلف حكايته، يتعين علينا أيضاً أن ندرك قدرتنا على التصرف في الحياة. إن العالم قد يفرض علينا خطوطه الأساسية، ولكننا لسنا مجرد متفرجين على الظروف. بل إننا مؤلفون مشاركون نختار كل يوم كيف نستجيب، وكيف نتصرف، وكيف نحلم. إن تبني هذه القوة يعني تبني الحياة ذاتها، ليس باعتبارها نصًا مكتوبًا مسبقًا، بل باعتبارها عملًا في طور المراجعة إلى الأبد.
ويتعلق خوفنا من التغيير أيضًا بعدم وضوح ما نريد أن نفعله، لذلك علينا تعيين أهدافنا الخاصة في الحياة. من خلال تحديد هدف، يمكننا تقليل الخوف من التغيير. إذا كنا لا نعرف ما نريده، فقد يكون أي قرار مخيفًا. ولكن إذا فهمنا “السبب” أولاً، فعندما يتعين علينا اتخاذ قرارات أو إجراء تغيير، يمكن أن نسأل أنفسنا عما إذا كان ذلك سيتوافق مع أهدافنا. يمكن أن يساعد هذا على استبعاد الخيارات التي لا تعمل على تحقيق أهدافنا.
في خوفنا من التغيير، نخاطر بخسارة ليس فقط المستقبل ولكن أيضًا الحاضر. لأن التشبث بالماضي، والعيش في أمان التكرار، يعني تفويت جمال الجديد دائمًا. فالحياة ليست نصًا ثابتًا بل عمل حي، يتم مراجعته يوميًا. احتضن عدم اليقين، وسيصبح كل يوم صفحة يمكن كتابة معنى جديد عليها.