زوجتي عند طبيبة النسائية. أنتظرُ في الخارج. يبدو الأمر طبيعيًا. بعض الأماكن، كما ندرك، ليست لنا لندخلها. هناك حدود خفية، واتفاقات غير معلنة. لكن في الداخل، انهار المنطق. زوجتي على طاولة الفحص، ثم تُدخل الممرضة المريضة التالي لاستغلال الوقت. كما لو أن الجنس المشترك أزال كل الحدود. كما لو أن الجسد والضعف لم يعودا مناطق خاصة. أرادت زوجتي أن تسأل الطبيبة شيئًا خاصًا، إلا أن السؤال علق في حلقها فلملمت نفسها وخرجت ولم تعد.
في لحظات مثل هذه، في الطابور أمام الفرن عندما يلتصق الذي خلفك بك وتشعر بفمه على أذنك، في مكتب حكومي تنتظر إتمام معاملة ويختلط رأسك بروائح واصوات لم يدعُها، تشعر بانتهاك العقد الضمني للمساحة الشخصية. لا يتعلق الأمر ببضع سنتمترات أو حرارة الجسم أو حتى لمسة جسدية، وإنما بالوعي الثقيل بأن الهواء من حولك، المحيط غير المرئي الذي تدّعي أنه ملكك، مشغول بوجود لا ينتمي إليك. وفي تلك اللحظة تُدرك أن المساحة الشخصية[1] ليست مجرد شأن مكاني، بل هي شأن وجودي.
يُطلق عليها روبرت سومر اسم “فقاعة الصابون” و”المساحة المحمولة”[2] المشحونة عاطفيًا ذات الحدود غير المرئية التي تحيط بجسد الفرد. حرمة نسبية تظن أنك تمتلكها حتى يدخلها أحدهم دون دعوة. موجودة في كل مكان وفي اللا مكان في آن واحد، خيال طوبوغرافي قائم بحتًا من خلال التفاهم المتبادل غير المعلن. تتمدد وتتقلص بناءً على السياق والثقافة والحالة العاطفية والحاجة الإنسانية الأساسية لعدم الشعور الدائم والمزعج بالغزو المادي للبشر الآخرين. هي مجال القوة الذي يفصل الذات عن الجماعة، والخاص عن العام، والسيادي عن الخاضع. هي العامل في أن الوقوف في مصعد مع شخصين غريبين قد يكون أمرًا طبيعياً، لكن الوقوف مع خمسة أشخاص يبدو أشبه بوضع رهينة. لهذا السبب، يبدو فعل الصديق بالاقتراب للبوح بسرٍّ حميمًا، بينما يبدو الغريب الذي يفعل الشيء نفسه متحرشاً.
إذا كانت المساحة الشخصية نوعًا من الفيزياء الاجتماعية، فالمواصلات العامة هي المكان الذي تنهار فيه قوانين تلك الفيزياء. وهناك شيءٌ فريدٌ من نوعه في وحشية المواصلات العامة في البلدان العربية. يتجاوز الأمر التصاق شاب بسيدة جانبه على المقعد بدعوى أن السرفيس مزدحم، إلى أفعال مُطبع معها أكثر. فعندما يفتح أحدهم هاتفه المحمول، خاصة إذا كانت امرأة، تتوجه العيون تلقائيًا إلى شاشة الهاتف وكأنها لوحة إعلانات عامة.
وهكذا فإن أكثر غزوات المساحة الخاصة ليست جسدية. عندما أخذت مكانًا في الحديقة محاولاً قراءة كتاب بهدوء، جلس بالقرب مني شاب راح يقلب فيديوهات تيك توك وصوت هاتفه المحمول عند أعلى مستوى. وفي المكتب المشترك الصغير حيث أعمل، يدخل زميلي يوميًا بعطر قوي يخلق حقل ألغام حسي لم أوافق على دخوله. تتجاوز هذه الانتهاكات المكانية مجرد القرب المادي، مستغلةً الصوت والرائحة كتجاوزات حمائية.[3] وما يزعج في هذا النوع من الانتهاكات هو العنف النفسي العميق الناتج عن معاملتك كـ”شخص لا وجود له”، لأن أحدهم يشغل مساحتك بطريقة توحي بعدم أهميتك تمامًا. مريض المستشفى الذي تٌناقش حالته وكأنه غير موجود. موظف المكتب الذي تُقاطع محادثته الشخصية بين الحين والآخر. هذه ليست مجرد انتهاكات مكانية؛ وإنما نفي وجودي، لحظات تُمحى فيها إنسانية المرء مؤقتًا بسبب تجاهل الآخر.
وما يسبب الغيط في مسألة المساحة الشخصية عدم احترم الجميع للحدود ذاتها. والأسوأ من ذلك، ظنُ البعض أن شعورهم بالحرية مبرر لغزو مساحة الآخرين. عندما أخبرت الشاب في الحديقة أن صوت هاتفه مزعج ويفقدني تركيزي على ما بين يدي، رد بأنه حرٌ فيما يفعل، وإذا لم يعجبني الأمر يمكنني أن أغادر المكان ببساطة. وفي المكتب طلبت موظفة من زميلتها ألا تلتصق بها أثناء الحديث لأن ذلك يجعلها تتوتر، فأقصيت من كل مجموعات الزمالة واشتعلت النميمة في ظهرها بأنها مغرورة وتقرف من الناس نتيجة وسواس قهري. جرب الاعتراض بطريقة مماثلة على شخص يتحدث بصوت عالٍ داخل مقهى وكأن لا أحد سواه فيه، وستحصل على رد مشابه، أو ربما أقسى. هناك نوع من الاستحقاق في هذه الأفعال، ادعاء ضمني بأن “راحتي تفوق راحتك”، ونقطة عمياء في “حريتي مقدسة حتى لو على حسابك”، كما لو أن الحرية الشخصية والمساحة الشخصية تعيشان في عزلة، غير متأثرتين بمن حولهما.
تكمن المفارقة الحقيقية للمساحة الشخصية في أنها حق فردي ومسؤولية جماعية في آنٍ واحد. فالحدود الخفية التي نحميها بشدة لأنفسنا غالبًا ما تُتجاهل عندما تكون ملكًا للآخرين. ولعل هذا هو الاختبار الحقيقي – ليس مدى يقظتنا تجاه مساحتنا الخاصة، بل مدى استعدادنا للاعتراف بمساحات من حولنا واحترامها.
ولأن هذا التفاوض على المساحة أساسيٌّ في التفاعل البشري، فهو أمرٌ يجب تعليمه مبكرًا. فلا يولد الأطفال وهم يدركون الحدود، بل يتعلمونها من خلال التجربة والملاحظة، والأهم من ذلك، التوجيه– وهو ما تفتقده مناهجنا التربوية، للأسف. وبالتالي فإن الطفل الذي لا يُعلّم أبدًا احترام انزعاج زميله أثناء اللعب العنيف قد يكبر ليصبح بالغًا لا يُدرك متى يدنو بحساسية، أو يتحدث بصوت صاخب، أو يشغلُ مساحةً أكبر من حاجته. والطالب الذي لا يُشجَّع أبدًا على السؤال قبل استعارة أغراض زميله قد يكبر ليصبح زميلًا يفترض أن الموارد المشتركة ملكٌ له تلقائيًا.
ولا يقتصر تعليم المساحة الشخصية للأطفال على آداب السلوك الاجتماعي فحسب، بل يشمل غرس التعاطف، والقدرة على إدراك وجود الآخرين على أكمل وجه، مع احتياجاتهم وحدودهم وحدودهم الخفية. وفهم أن حرياتنا لا توجد بمعزل عن حريات الآخرين، وإنما دائمًا في تناغم تام مع حرياتهم. وقد يكون هذا النوع الوعي، في عالم يزداد ازدحامًا ماديًا ورقميًا وأيديولوجيًا، من أهم الدروس على الإطلاق.

قوقعة أم فقاعة؟
قد تكون وحدك في غرفتك عند الساعة الثانية صباحًا، تُتصفح الإنترنت بقلة اكتراث، وفجأةً تشعر بثقل وجود شخص آخر يضغط على وعيك من خلال إشعار أو رسالة أو تعليق. لهذا يسهل طمس حدود المساحة الشخصية في عالمنا الرقمي ذو الفيزياء المشوهة. وليس الاختراق أقل واقعيةً لمجرد أنه غير ملموس، بل هو أسوأ، لأنه يتظاهر بأنه غير مؤذٍ.
وربما يكمن الانزعاج الحقيقي في المساحة الشخصية – ليس مجرد انتهاكها، بل التذكير بأنها، في نهاية المطاف، وهمٌ هش. وأن الجدران التي نبنيها بيننا وبين الآخرين، دائمًا ما تكون مؤقتة، إلى حدٍّ ما. وأننا مهما حرصنا على ضبط مسافاتنا، فإننا جميعًا، في النهاية، نضغط معًا على نفس المستوى، نندفع نحو وجهةٍ مجهولة.
لهذا السبب ينسحب الناس إلى الحمامات في الحفلات، ويقضون وقتًا هناك، تاركين همهمة مروحة التهوية تُهدئ أعصابهم. أصبحت سماعات الرأس أقل ارتباطًا بالموسيقى وأكثر ارتباطًا ببناء محيطات غير مرئية في الحافلات، على الأرصفة، في المكاتب – لافتات صامتة تقول “ممنوع الإزعاج”. ومن هذا المسوغ، ورغم حبنا للتجارب المشتركة، ما زلنا نتوق إلى ملاذ باب يمكن إغلاقه، غرفة تخص المرء وحده.
يدق جون نوتون ناقوس الخطر في مقاله لأنه يرى طلابه يعيشون ويتحركون في فقاعات صوتية معزولة عن المجتمع. ويرى في أفعالهم انسحابًا، أو تجنبًا، أو رفضًا للانخراط الكامل في العالم. لكنه ربما ليس هروبًا من الواقع بقدر ما هي بحث وجودي عن مساحة شخصية- لا فقط بالمعنى المادي، بل بالمعنى الأعمق والأكثر ميتافيزيقيًا للحاجة إلى مكان محدد في الكون. فالمطالبة بالمساحة، في نهاية المطاف، هي تأكيد لوجود المرء، وحفر ملجأ صغير في اتساع الحياة العصرية الهائل. في عالمٍ يتطلب باستمرار التواصل والتفاعل والتواجد، فإنّ التنحي جانبًا – ولو للحظة – ليس دائمًا رفضًا، بل يكون أحيانًا حفاظًا على الذات.

المساحة الشخصية في المناطق الحميمية
لا يكمن الاختبار الحقيقي للمساحة الشخصية في المواصلات العامة أو الأرصفة المزدحمة، بل في اللحظات الهادئة والمنزلية، حيث يُفترض أن تكون الحدود أوضح ما يكون، لكنها غالبًا ما تصبح أكثر تعقيدًا. لنأخذ، على سبيل المثال، العيش مع شخص آخر. يبدو الترتيب الأولي دائمًا عقلانيًا ودبلوماسيًا للغاية. هذا جانبك من الخزانة، وجانبي من الخزانة. رفّك ورفي في الحمام. نصف سريرك، ونصف سريري. كل شيء مُقاس، ومُخطط، ومُقسّم كنوع من اتفاقية إقليمية بعد حرب.
ومع ذلك، عمليًا، هذا النظام محكوم عليه بالفشل. لأن التعدي المكاني يتجاوز المساحة نفسها، إلى ما تُمثله. يتعلق بالخوف الوجودي من الاستيقاظ يومًا ما لتجد أن مجموعة مقتنياتك النادرة المحملة بالذكريات نُقلت إلى السقيفة، أو أن كوبك المفضل يستخدم الآن في ضيافة الغرباء. يتعلق الأمر بالإدراك البطيء والمتدرج بأن مساحاتك المحددة تتلاشى في حضور شخص آخر، كما لو أن الجفاف يأكل الأراضي الزراعية ببطء.
ومن هنا نادرًا ما تتعلق الخلافات المنزلية الأكثر بساطة – مثل من ترك الأطباق في الحوض، ومن حرك الكرسي من مكانه، ومن استعار قميصًا ولم يُعِده – بهذه الأمور. هي في جوهرها مفاوضات على المساحة الشخصية. تمردات صغيرة على الرعب الهادئ الناتج عن الانغماس في وجود شخص آخر.
ومن هذا المبعث، يُعدّ زميل السكن الذي يُشغّل الموسيقى بصوت مرتفع بما يكفي لتكون مسموعة، ولكن ليس بما يكفي لطلب لتشكيل إزعاج سمعي، نوعًا خاصًا من الأشرار. ليس الصوت نفسه ما يُزعج؛ بل تآكل الصمت، والتذكير بأن مساحتك ملكك وحدك حتى يُقرر أحدهم غير ذلك. ولهذا السبب أيضًا، تميل المكاتب المفتوحة – تلك المباني الزجاجية والفولاذية المثالية المُصممة لتعزيز “التعاون” – إلى أن تكون أشبه بحرب نفسية منها بأماكن عمل حقيقية. عندما تزيل الشركات المكاتب والأبواب، فهي لا تُشجع العمل الجماعي، وإنما تهدم آخر ما تبقى من السيادة الشخصية.
ومع ذلك، هنالك لحظات -لحظات نادرة- يُشعر فيها تآكل المساحة الشخصية بأنه أقرب إلى قربان لا إلى غزو. كما يُمكن لرحلة طويلة بالسيارة مع شخص تثق به أن تُضفي على الصمت شعورًا بالثراء بدلًا من الفراغ. وكما يُمكن لحفل موسيقي مزدحم أن يُحوّل بحرًا من الأجساد إلى شيء مُريح بشكل غريب. وكما يُمكن لصديق، وهو يُريح رأسه على كتفك دون وعي، أن يُشعرك بأنه إذن بالوجود معًا، دون الحاجة إلى حدود أو حواجز.
ربما، إذن، المساحة الشخصية ليست مجرد عزلة. ربما تتعلق أيضًا باختيار من يدخلها- وبأي شروط. ورغم كل ما فيها من ضعف، تبقى المساحة الشخصية أحد آخر ملاذات الذات الحقيقية. لا لأنها مصونة – من الواضح أنها ليست كذلك – بل لأنها الشيء الوحيد الذي نستطيع تعريفه، وإعادة رسمه، واستعادته، مرارًا وتكرارًا.

رافاييل لايساندر
كاتب من سوريا مهتم بتقاطعات الفلسفة والفنون
[1] التسمية العلمية الشائعة هنا هي proxemics والتي صاغها إدوارد هول عام 1966 في كتابه “البعد الخفي”.
[2] Sommer, R. (1969). Personal Space The Behavioral Basis of Design. New Jersey: Prentice-Hall International, Inc.
[3] بحثت دراسة أجراها باحثون في جامعة نوتنغهام عام ٢٠١٧ في كيفية تعرض ركاب الطائرات لانتهاكات المساحة الشخصية والضائقة النفسية التي تسببها. وخلصت الدراسة إلى ثلاثة أنواع رئيسية من الانتهاكات: الجسدية (الاتصال الجسدي غير المرغوب فيه بسبب ضيق المقاعد)، والحمائية (احتكار الركاب للمساحة بممتلكاتهم)، والحسية (المحادثات الصاخبة، والروائح الكريهة، أو السلوك المتطفل). Lewis, Laura & Patel, Harshada & D’Cruz, Mirabelle & Cobb, Sue. (2017). What makes a space invader? Passenger perceptions of personal space invasion in aircraft travel. Ergonomics. 60. 1-28. 10.1080/00140139.2017.1313456.
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.