هل أدت المساواة لنتائج عكسية؟

من المرجّح أنّك سمعتَ سابقاً عن مبدأ المساواة بين الجنسين، ولربّما أنك أحد المدافعين عنه، ولستُ هنا بهدف الدّفاع عنه أو الوقوف ضدّه، إنّما للإضاءة على بعض الأفكار التي من الممكن أن تغيّر آراءنا حول وضعه الحالي أو تدفعنا للبحث أكثر.

يُحدّد مفهوم المساواة بين الجنسين اليوم واستناداَ إلى التعاريف الأكثر شموليّة، بتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص –جميع الفرص والتي من الممكن ألا تناسب المرأة كبنية جسديّة أو نفسيّة- بالإضافة إلى المشاركة في صناعة القرار والوصول إلى الموارد بغض النظر عن الجنس.

ولذلك نرى اليوم آلاف الجمعيات والمنظمّات والمؤسسات القائمة على هذا المبدأ والمدافعة عنه، حتى نشأ لدينا ما يعرف أيضاً بعلم النفس النسوي القائم على مبدأ المساواة والمنادي بحقوق المرأة على جميع الأصعدة.

التاريخ لا يضعنا أمام حدثٍ مفصلي جعل المرأة فجأةً بحاجةٍ لحقوق وفرص لم تكن تفكر بها، بل يجد الباحث أن الأمر نشأ تدريجياً، بدايةً من انتقاص الدور التقليديّ للمرأة المتجسد برعاية المنزل وتربية الأطفال، وما يلحق به من صنع مختلف أشكال الطعام وتحضير المؤن وصولاً لمشاركتها في الأعمال الزراعيّة، أمّا الانتفاضة الأنثويّة على السياسة الذكوريّة فتتجسّد في الثمانينيّات حيث بدأت المطالبات بالحقوق تغدو أكثر تنظيماً ممّا مهّد الطريق أمام سياسة المساواة، وذلك كلّه بالتزامن -البعيد عن الصدفة التاريخيّة- مع التقدم التكنولوجي الذي جعل من الحياة أسهل على الجميع، وسمح للمرأة بالتقدّم مع عقباتٍ بيولوجية أقل ومن ذلك على سبيل المثال اختراع الفوط الصحيّة في أواخر الثمانينيّات واختراع حبوب منع الحمل أوائل التسعينات.

أمّا إن تناولنا الأمر بشكلٍ علمي، فيرى علماء النفس المنادين بالمساواة أنّ الاختلاف الأساسي بين الجنسين مرتبطٌ بالعاطفةٌ والتي يمكن حسب زعمهم التحكم بها ثقافياً، بينما يرى آخرون أنّ جوهر الاختلاف يتلخص بالاهتمامات فاهتمامات النساء تتحدد بالأشخاص بينما اهتمامات الرجال تتحدد بالأشياء، ومن هنا نشأت الاختلافات الكبيرة في الميول المهنيّة بين الجنسين، فالرجال مثلاً يميلون للهندسة أي للتعامل مع أشياء، بينما تميل المرأة للتعامل مع البشر فتختار مثلاً مهنة الطب أو التّمريض أو التّعليم، ولا يمكن تغيير هذا الفرق وإن تمّ ذلك عن طريق هندسة اجتماعيّة تعمل على التأثير على رغبات الميول المهني.

كما أنّنا لا نستطيع تجاهل الصور النمطيّة عن النساء التي ترسخت لدينا على مر الأجيال، فهناك الكثير من التعميمات التي حكمت على المرأة مجتمعيّاًّ، وإذا حاولنا البحث وراء أصل هذه التعميمات لوجدنا أنّ قياس الصفات الأنثوية تبعاً لصفات الرجل هو ما جعل من صفاتها ناقصة أو شاذة، فغالباً ما نقيس الصفات النفسيّة للمرأة بناء على صفات الرجل وكأنّها المعيار، فإذا تواجدت الصفة لدى الرجل كانت صواباً لدى الجنسين وإذا تواجدت لدى المرأة فقط غدت شاذة، إلا أنّ علم النفس حديثاً قد أدرك ذلك وحاول تصغير الفجوة، عن طريق تصنيف الصفات النفسيّة للرجل والمرأة بدوائر متداخلة تزداد نسبَها تبعاً لطبيعة كل جنس، ومن ذلك على سبيل المثال مهارة اتخاذ القرار حيث تعمل الشركات اليوم على تبنّي قرارات مشتركة في مجلس إدارة تتساوى فيه العناصر الأنثويّة مع الذكوريّة، فقرارات الرجل غالباً ما تأخذ اعتبارات ماديّة وعمليّة بينما تأخذ قرارات المرأة اعتبارات عاطفيّة و اجتماعيّة، وهو ما نحن بحاجته فهذا التكامل بين الجنسين يجعلنا أمام نتائج أكثر إتزاناً وموضوعية، ويرجع مردّ هذه الاعتبارات بالنسبة الأكبر للتنشئة الاجتماعيّة، فالأدوار التي يلعبها كل من الرجل والمرأة تشكلها ظروف التنشئة الاجتماعيّة وليس اختلاف البنية البيولوجيّة.

ويعدّ موضوع المساواة في العالم المتقدم اليوم موضوعاً مثيراً للاهتمام بشكلٍ كبير، ففي بريطانيا على سبيل المثال يدخل مفهوم المساواة الاجتماعيّة كجزءٍ من المناهج الدراسيّة كما يتم التطرّق له في العديد من الحصص كموضوعٍ هامٍ للنقاش تلزم دراسته وتحليل آثاره على المجتمع.

ولكن هل حققت المساواة الأهداف المرجوة منها؟

للوصول للإجابة الأفضل علينا أن نتجه للدول الأكثر تطبيقاً لقيم المساواة حسب الإحصاءات والتقارير العالميّة، كفنلندا، السويد، النرويج أي باستطاعتنا القول الدول الاسكندنافيّة، وحسب آلاف التجارب المطوّرة من قبل علماء النفس في دراسة الشخصيات من اختبارات شخصيّة دقيقة واختبارات ميول في عينات مختلفة ومن بيئات مختلفة نجد-وعلى غير المتوقع-أنّ سياسات المساواة الشديدة بين الجنسين أدّت إلى تفاوتٍ كبير في الطبائع والاهتمامات، وبتعبيرٍ رياضي كلما زادت المساواة كلما زادت الفوارق حسب تعبير جوردان بيترسون عالم النفس الشهير المثير للجدل، وحسب تفسيره للنتائج الغير متوقعة هذه يرى أن الفروق بين الجنسين أصلاً ثقافية وبيولوجيّة، وعندما نقوم بجعل الفروق الثقافية أقل فإننا نسمح للفروق البيولوجيّة بالتوسّع مما يزيد من آثارها مجتمعياً، ولعلّ جان جاك روسو كان محقاً حينما قال” البشر جيّدون في الأصل حسب طبيعتهم لكن أفسدتهم الحياة المدنيّة”.

………………………………………

كتبتها: ولاء متاعة

فايسبوك / لينكدإن