كيف تصبح فنانًا ؟

كشف الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي عن العديد من الأيدي الماهرة في الفن، لكن الغالبية من هذه المهارات الغير مصقولة لا تتطور إلى فن حقيقي، وتنفجر شعبيتها كأي فقاعة فيروسية على الشبكة. وبسبب ذلك، ما زلنا نفتقد تمثيلا عربيًا حقيقيًا في المعارض الفنية العالمية.

يرجع الأمر في الأساس لعدم وجود فلسفة فنية لدى هاته المواهب. الفن يعتمد على الفكر أيضًا وليس مجرد القدرة على الرسم أو التصوير، وهذا ما يميز الفنان عن الحرفي أو صانع الإعلانات، مثلاً.

إذًا، كيف يمكنك الوصول من هناك إلى صناعة الفن الحقيقي- الفن العظيم؟ لا توجد في الحقيقة طريقة خاصة؛ كل شخص لديه طريقته. ومع ذلك، على مر السنين ومن خلال قراءة الكثير من الكتب التي تتحدث عن الفن ومعنى الفن وأن تكون فنانًا، وفلسفة الجمال (الأستاطيقا)، مشاهدة العديد من الأعمال الفنية، والاستماع لفنانين يتحدثون عن أعمالهم ونضالاتهم وصلت لهذه القائمة التي آمل ألا تحتاج لغيرها:

ماذا تحب؟

يقول بوغوميل راينوف، وهو محق: “ثمة ثروة ستبقى المعارف حول الفن من دونها رجمة غير نافعة من الحقائق: إنها الحب. حب الفن طبعًا. وفي الوقت نفسه حب البشر الذي يقودك إلى الفن. لا معنى لإحداهما من دون الأخرى. تتحول إحداهما من دون الأخرى إلى هوس وإلى غيرية عارية”. قد تبدو هذه النصيحة رومنسية بعض الشيء، ولكن فعلاً هذا أساس الفن. إن كان حبك هو للشهرة فعليك التركيز على أدوات أخرى لا ترد في هذه القائمة مثل صناعة “الفن المسرحي” أو الواقعي أو أي أسلوب آخر يجذب تعجب المشاهد المستعجل لمدة دقائق على مواقع التواصل. إن كان هدفك صنع فن حقيقي فاجعل من فان جوخ ورامبرانت وحبهما للفن واكتراثهم بالناس قدوة لك. تقول الفنانة لويس بورجيس: “الفنان محظوظ لأنه قادر على التغلب على شياطينه دون إيذاء أي شخص. بدلاً من أن يكونوا ممتنين، فهم يريدون كسب المال. أنه أمر مثير للسخرية”.

ادرس المعلمين

في أي مهنة عليك أن تدرس خبرة الذين سبقوك لتضيف شيئًا جديدًا، والفن غير مستثنى من ذلك. عليك أن تقهم الرومنسية لتعرف كيف ظهرت الواقعية، وتعرف التكلُفية لتفهم ظهور الباروك. وذلك لا يعني في أي حال تقليدهم؛ كان فان جوخ مثلا معجبًا بشدة برامبرانت وقضى أيامًا أمام لوحاته، حتى أنه قلد إضاءته وألوانه في أعماله الأولى، لكنه توصل لصنع اسلوبه الخاص المختلف تمامًا.

استخدم الفنان والأستاذ بول كلي الاستعارة التالية عند مناقشة أعمال فنانين آخرين: “إذا كان منتج جديد مثل معجون الأسنان أو منظف الغسيل يحظى بشعبية لدى العملاء، فيجب على منافسيه البحث في العناصر الكيميائية للعنصر حتى يتمكنوا من تكرار النجاح. أو إذا كان المرض يسببه الطعام، يجب على العلماء أن يحاولوا تحديد المكونات المحددة التي كانت سامة وأيها حميدة”.

على هذا النحو، ينبغي للفنانين تقسيم الأعمال الفنية لأقرانهم وأسلافهم إلى أكثر المكونات الأولية – الخط والشكل واللون – لتحديد ما الذي يجعل الصورة ناجحة أو إشكالية. وقال بول ذات مرة: “نحن لا نحلل الأعمال الفنية لأننا نريد تقليدها أو لأننا لا نثق بها. بدلاً من ذلك، نحن نفعل ذلك لكي نبدأ المشي بأنفسنا”.

وفي هذا العصر، عدم القدرة على الوصول لأعمال المعلمين ليس حجة بتاتًا. متحف Rijks الرائع يقدم الوصول المجاني لآلاف الأعمال الفنية بدقة عالية. وكذلك متحف Metropolitan والكثير من المتاحف والمواقع المخصصة لذلك.

راقب العالم من حولك بدقة ونهم.

جميع المعلمين يشتركون بقدرتهم المتناهية على التقاط التفاصيل في العالم من حولهم. من لون الضباب المزرق، إلى النجوم البراقة، وحتى تفاصيل الدانتيل. الفنان الجيد يرى تفاصيل لا يعطيها الآخرون بالاً.

انسى نفسك في العملية

من المهم عند العمل على مشروع فني أن تنسى حياتك اليومية والآخرين وكل النظريات والآراء وتركز على القماش (أو الصلصال أو أي مادة أخرى) أمامك. ومن المهم أيضًا أن لا تشعر بالخجل؛ يمكن أن يكون صنع الفن مهينًا ومخيفًا، ويتركك تشعر بأنك غريب الأطوار في المجتمع. غالبًا ما تكتشف أشياء عن نفسك قد يجدها الآخرون مروعة أو غريبة أو مملة أو غبية. قد يظن الناس أنك غير طبيعي. هذا لا معنى له والجميع يشعر بذلك لسبب ما، لذلك ركز على عملك عوضًا عن نظرة الغير.

أخبر قصتك

لا تتقيد بتعريفات الآخرين للمهارة أو الجمال أو تحاصر نفسك بما يفترض أنه متسامي ورخيص. يقول راينوف أيضًا: “المنظرون يفكرون بنظرياتهم، في حين يُعنى الفنانون بعملهم باتزان غير آبهين بالنظريات”.  لا تبقى في مسار واحد محدد، الرسم داخل الخطوط هو للأطفال. الكفاءة والبراعة هي فقط جيدة بقدر ما تصنعها أنت. ولكن تذكر أيضًا أنه لمجرد أنها قصتك، فهذا لا يعني أنك تستحق جمهورًا. عليك أن تكسب ذلك.

ابدأ بقلم رصاص

لعلك تشاهد على مواقع التواصل أولئك الذين يصورون عدتهم المهولة من أدوات وألوان الرسم. ليس عليك أن تمتلك أدوات فاخرة لتصبح فنانًا؛ ويمكنك أن تبدأ بقلم رصاص فقط. أخبر نفسك أنك ببساطة تقوم بالتخطيط واللعب والتجريب ورؤية الجمال. إذا كنت تستطيع الكتابة، فأنت تعلم بالفعل كيفية الرسم؛ لديك بالفعل شكل خاص بك، أسلوب لصنع الحروف والأرقام ورسومات الشعار المبتكرة الخاصة؛ هذه هي أشكال الرسم.

احمل معك كراسة رسم في جميع الأوقات. قم بتغطية قطعة ورقة واحدة تلو الأخرى بالرسومات. فكر في الأشكال والبنى والتكوينات والتفاصيل والتراكم والتشتت والتراكيب التي تروق لك.

افعل ذلك الآن على سطح آخر، أي سطح، لمعرفة أي نوع من المواد يشدك. ارسم على الصخور والمعادن وأكواب القهوة والملصقات والرصيف والجدران والنباتات والنسيج والخشب وأيا كان. مجرد رسومات. تزيين هذه الأسطح. لا تقلق بشأن عمل المزيد. كل الفن هو شكل من أشكال الديكور. 

الممارسة، ثم الممارسة، ثم الممارسة

وفي كل مكان. على سبيل المثال ، في الحافلة، أثناء الانتظار أو الجلوس ، تدرب على رسم كل ما هو أمامك أو ما يخطر على بالك.

مارس حريتك في التقليد

يتعلم الطفل التحدث عن طريق تقليد البالغين، والفن كلغة تواصل يُتعلم كذلك عن طريق التقليد. جميعنا نبدأ كنسخة مقلدة ومع ذلك، عند القيام بهذا الأمر، ركز، وابدأ في الإحساس بالإمكانية في جعل كل هذه الأشياء خاصة بك – حتى عندما تأتي الأفكار والأدوات والتحركات من فنانين آخرين. كلما صنعت أي شيء، فكر في نفسك داخل مكتبة ضخمة مليئة بالأفكار والوسائل والطرق والمواد والاحتمالات. اجعل هذه الأشياء ملكك.

اعمل بجد

يطيب للأفلام والمسلسلات تصوير الفنانين كأشخاص يقضون وقتهم بتدخين السجائر، الشرب، وملاحقة النساء. لكن جميع الفنانين الناجحين قضوا وقتهم في العمل على الفن. تقول كوريتا كينت، “القاعدة الوحيدة هي العمل. إذا كنت تعمل فإنه سوف يؤدي إلى شيء. إن الأشخاص الذين يعملون طوال الوقت هم الذين يلحقون الأمور في النهاية “.

الكثير من الفنانين والكتاب يدعون أنهم يعملون حتى في نومهم. قال جاسبر جونز الشهير: “ذات ليلة حلمت برسم علم أمريكي كبير، وفي الصباح التالي استيقظت وخرجت واشتريت المواد لبدء ذلك.” كم مرة حصلت على مهنة كاملة في أحلامك ولم تستجب لها؟ لا يهم كم أنت خائف؛ الجميع خائفون. العمل هو الشيء الوحيد الذي يأخذ لعنة الخوف. وليس المهم هنا أن تصنع فنًا بكل ضربة فرشاة أو في كل عمل، تخيل أن كله تدريب فقط، وركز على العمل فقط؛ تقول الفنانة جورجيا أوكيف: “النجاح لا يأتي مع رسم صورة واحدة، بل ينتج عن اتخاذ خط عمل محدد والالتزام به”.

تمكن من المبادئ ثم صّر تعبيريًا

يسارع بعض الرسامين لصنع لوحات أو أعمال تعبيرية دون أي إدراك واضح لمبادئ الفن وهذا خطأ. إذا نظرنا مثلا إلى الفنان التعبيري العظيم هنري ماتيس والذي يمكن تلخيص شعاره الفني بعبارة “التعبير هو كل شيء”. بالرغم من ذلك اعتقد أنه قبل أن يمكن لأي فنان آخر أن يحذو حذوه، يجب عليه أولاً تعلم أساسيات الفن – التكوين والخط وما إلى ذلك – وأن يكونوا على دراية جيدة بالمعلمين.

كطالب، ذهب ماتيس إلى متحف اللوفر لنسخ أعمال لفنانين مثل رافائيل ونيكولا بوسين وأنيبالي كاراتشي ؛ تلقى تعليماته للقيام بذلك من قبل معلمه ، غوستاف مورو. وكتب في عام 1935: “سيكون من الخطأ الاعتقاد بأنه كان هناك انقطاع في استمرارية التقدم الفني من أوائل الرسامين إلى يومنا هذا. في التخلي عن التقليد، لن يكون للفنان سوى نجاح سريع، وسيتم نسيان الاسم سريعًا”.

في الواقع، في الفصل الذي بدأ ماتيس تدريسه في عام 1908، في منتصف فترة “الوحشية”، اختار ماتيس الرسم الواقعي للبدء مع طلابه، “كما ينبغي للطالب دائما القيام به في البداية”، بدلا من الطريقة التعبيرية مما أثار غضب بعض الطلاب المتعجلين.

دع المشاعر تقودك

يتم التركيز في دروس الرسم والنحت والفنون الأخرى على التركيب والبناء بشدة ويتم تناسي المشاعر كثيرًا. حتى المعلمون الذي نقلوا لوحات تصويرية أكاديمية لمشهد ما، كانت الإضاءة وتدرجات الألوان ونظرات العيون تنقل لنا مشاعر الفنان بدقة. تقول الفنانة جوان ميتشيل: “الرسم وسيلة إحساس (عيش)”.

“ازرع الأفكار في المواد” -روبيرتا سميث

يجب أن يعبر العمل عن الأفكار؛ يجب أن يحتوي الفن على العواطف. وينبغي أن تكون هذه الأفكار والمشاعر سهلة الفهم – معقدة أم لا. إن مشروع دمج الفكر في المواد لتغيير مفهومنا للعالم ليس تطورًا جديدًا. عندما نرى لوحات الكهوف، فإننا نرى واحدة من أنظمة التشغيل البصرية الأكثر تقدما وتعقيدا. أراد صناع العمل تصوير شيء في رؤوسهم في العالم الواقعي وجعل هذه المعلومات قابلة للقراءة للآخرين. وحتى اليوم في الأعمال الأكثر تجريدية مثل لون على قماشة، هنالك فكرة.

انزع الغرور من عملك

تعد كثرة تفكير الفنان بنفسه وكيف يعكس العمل أناه حاجزًا رئيسيًا أمام الاتصال الناجح بين العمل الفني والجمهور. إن الأنا، أو التلميحات إلى سيرة الفنان ودوره في المجتمع، تصرف عن قوة الفن الحقيقية لاستنباط “ردود الفعل الإنسانية البحتة”.

أبرز قدوة في هذا المجال هو الفنان مارك روثكو ومخطوطته النظرية “واقع الفنان” ، التي نشرتها عائلته في عام 2004 ، بعد فترة طويلة من انتحار الفنان عام 1970 (عانى روثكو من الاكتئاب طوال حياته البالغة). بينما يعرض النص العديد من نظريات روثكو الأكثر تطوراً حول الفن والإبداع، فإنه نادراً ما يستخدم كلمة “أنا”، ولم يذكر لوحاته أو ممارسته. في الواقع، فإن أعماله التجريدية، أيضًا، خالية من أي “أنا”. بدلاً من ذلك، فهي تعبر عن المشاعر التي يفهمها البشر ويختبرونها عالميًا. تضيف الأسطورة آغنيس مارتن أيضًا: “أسوأ شيء من الممكن أن تفكر به عندما تعمل هو ذاتك”.

قاوم الحاجة لتقارن نفسك مع فنانين آخرين

من الجيد أن تستفيد من المعلمين وأعمالهم، لكن لا تقارن طريقة انتاجك للفن بطريقة فنان آخر أو الأهم بصرعة فنية ما. الفن مدى واسع، ولا يوجد طريقة صحيحة واحدة لفعل الأمور، لذلك فإن مقارنة نفسك ستقف فقط أمام قدرتك على انتاج عمل أصيل وخاص بك.

القراءة لا تضر

ليس عليك الالتزام بنظرية فنية معينة ولا فهم أفكار هيجل حول الاستاطيقا (على العكس ستجعلك مشوشًا) لكن القراءة عن تاريخ الفن وملاحظات النقاد عن جماليات بعض الأعمال ستوسع مداركك بلا شك. هنالك كتب بسيطة سترشدك للنظر بعمق مثل كتاب بيرجر، وكتب ستكون مفيدة لفهم عالم الفن الحالي مثل سبعة أيام في عالم الفن، وهنالك كتب وتحليلات أعمق وحتى مدونات الفنانين أنفسهم. بكل الأحوال، من الجيد أن تشغل وقت فراغك بالقراءة عن الفن.

تقبل أنك، على الأغلب، ستكون فقيرًا

على الرغم من أن كل ما نراه في عالم الفن في هذه الأيام هي أسعار فلكية وسحر وتألق، تذكر أن واحد بالمائة فقط من جميع الفنانين يصبحون أغنياء من أعمالهم الفنية. قد تشعر بالإهمال وعدم الإلمام بالقدر الكافي والراتب المنخفض. توقف عن الرثاء لنفسك؛ هذا ليس سبب قيامك بذلك في الأساس (عد للنصيحة رقم 1).

إذا كنت ترغب في التعليق على هذا المقال أو أي شيء آخر رأيته في مجلتنا، فتوجه، مشكورًا، إلى صفحتنا على Facebook أو راسلنا على Twitter.