ما الذي يفعله قائد الأوركسترا؟

تتربع الفنون السامية بشكل عام على برج عاجي يعاقب فيه من يسأل أي سؤال عن المبادئ بنظرة دونية قاسية وكأن السائل أحمق. الخبر الجيد أن الغالبية من هؤلاء الأشخاص ذوي النظرة الدونية لا يعرفون الإجابة عن هذه الأسئلة ويتسترون على جهلهم بهذه الفوقية. لذلك إذا سألت: ما الذي يفعله قائد الأوركسترا؟ سيردون: ماذا تعني ماذا يفعل؟ هو يقود الأوركسترا طبعًا.

هذه ليست إجابة بالتأكيد. والموضوع محير بحق، فالعازفون يمتلكون نوتات للمقطوعة أمامهم، ولو افترضنا أن القائد يُغششهم المعزوفة فعلاً، فعلى ما يبدو أن كل قائد أوركسترا يحرك يديه وعصاه بشكل مختلف تمامًا، ولا يوجد اتفاق على حركات معينة كما النوتة أو لغة الإشارة. فما الذي يفعله المايسترو حقًا؟ ولماذا تحتاج الأوركسترا لواحد؟

أولاً:

أغلب عمل قائد الأوركسترا أو المايسترو يتم قبل الحفل الفعلي. المايسترو للأوركسترا كالمخرج للمسرحية؛ يكون المخرج حاضرًا أثناء العرض للإشراف على الأداء ولكن جل عمله يتم قبل ذلك أثناء التدريبات حيث يعمل على تفسيره للنص المسرحي. بالمثل، يقوم المايسترو بتطوير رؤية حول كيفية رغبته في سماع القطعة الموسيقى، ثم يحاول نقل هذه الرؤية إلى 80 أو 100 عازف. إن الاستماع إلى الفرق بين تفسيرات قادة الأوركسترا المختلفة ليس بالأمر الصعب، حتى بالنسبة للوافدين الجدد إلى الموسيقى الكلاسيكية. اختبرها بنفسك على موقع يوتيوب من خلال مقارنة بداية السمفونية الخامسة لبيتهوفن التي أجراها Gianandrea Noseda، و Wilhelm Furtwängler ، ستجد الكثير من التناقضات رغم أن القطعة هي نفسها.

 تعد الموسيقى الكلاسيكية فريدة من نوعها بين الأشكال الموسيقية حيث أن نفس الأعمال، والتي يبلغ عمر العديد منها مئات السنين، يتم تسجيلها مرارًا وتكرارًا، وغالبًا ما يتم ذلك عدة مرات كل عام. وهناك سبب لثبات بعض التسجيلات دون غيرها في الذاكرة… هذا يرجع دائمًا إلى هذا المخرج، مانح الإيقاع الأبدي- قائد الأوركسترا.

إذا قائد الأوركسترا هو مسؤول أساسًا عن شكل المقطوعة الذي ستصل به إلى الجمهور. يمكن للمايسترو العظيم حقًا الحصول على شيء جذاب وسحري؛ ما يصفه المايسترو اللاتيني ماريس جانسون بأنه “مستوى كوني من صنع الموسيقى”. هذا هو السبب في أنهم ما زالوا يحصلون على أموال كبيرة – أحيانًا ملايين الدولارات سنويًا. وغني عن القول، أن العكس صحيح أيضًا: إذا كان النقاد يكرهون الأداء، فعادة ما يتحمل المايسترو المسؤولية.

ثانيًا:

 وبأبسط المصطلحات، يحسب المايسترو الوقت. سواء كانت الموسيقى مكتوبة بأربعة إيقاعات (beats)، أو ثلاثة أو سبعة، وخاصة عندما تنتقل من واحدة إلى أخرى، فمن الضروري أن يكون هناك شخص في مقدمة المجموعة يتصرف كشرطي مرور. في الأيام الأولى للموسيقى الكلاسيكية، تحقق ذلك عن طريق ضرب عصا كبيرة على الأرض. ربما سمعت عن القصة الطريفة للمؤلف الموسيقي جان بابتيست لولي، الذي كان يقرع بقوة بالعصا فضرب قدمه عن طريق الخطأ. انعدت قدمه بعد ذلك بالغرغرين وتوفي متأثرا بالمرض.

الحفاظ على الإيقاع لا يزال أساسيًا بالتأكيد، لكن حجم العصا انكمش بشدة منذ أيام لولي. وبعض القادة يستغني عن العصا تمامًا، ويحافظون على ايقاع الموسيقى بأيديهم فقط. الفكرة العامة هي أن إحدى اليدين تستخدم للحفاظ على الوقت والأخرى تستخدم للإشارة إلى التعبير – مثلاً إحضار التشيلو وتشجيع الكمان على العزف بصوت أعلى، والتذكير بالارتفاع المفاجئ.

ثالثًا:

كما قلت، يرغب المايسترو في نقل رؤيته للمقطوعة للعازفين. في التدريب، يحاول بعض القادة أن يشرحوا بالكلمات ما يريدون قبل البدء في العزف، لكن بشكل عام، يفضل موسيقيو الأوركسترا كلامًا أقل وفعلاً أكثر. وبالتالي، يطور قادة الأوركسترا مجموعة من الإيماءات الخاصة بهم مثل لهجة صوتهم.

من الصعب وضع كود للإشارات. بالتأكيد هناك بعض الإيماءات التي تكاد تكون عالمية – تمارس بيد واحدة للحصول على عزف بصوت أعلى، على سبيل المثال.

أما بالنسبة لجل الإيماءات فيختلف الأمر من مايسترو لآخر. بالنسبة للبعض، فإن النهج البسيط يعمل بشكل أفضل؛ مثلاً العظيم كاريان Karajan كان بالكاد يحرك عصاه عن طريق هز معصمه فقط. وفي  “بوليرو” لموريس راف يمكنك أن تشاهد Barenboim وهو يقف مستندًا على المنصة دون فعل شيء سوى المراقبة.

ليونارد بيرنشتاين Leonard Bernstein ، على النقيض من ذلك – الذي كان أحد أكثر القادة المحبوبين لفيلموني فيينا – فكان يقفز حول المنصة، ويعطي إيماءات وتوجهات أقل ما يقال عنها حماسية. ومع ذلك، هناك أيضًا شريط فيديو لبرنشتاين يقود سيمفونية هايدن وهو واقف، طاوٍ ذراعيه، ويستخدم حواجبه وحركات عينيه للإشارة.

واحدة من الملذات المرئية لحفل أوركسترا هي مشاهدة المايسترو ورؤية أنواع الإيماءات التي يقوم بها. يقدم بعض القادة عرضًا كبيرًا على المنصة ولكن دون تأثير يذكر؛ في حين تنعكس كل حركة لآخرين في الموسيقى. هناك أيضًا اتصال غير ملموس يتدفق مثل التيار الكهربائي بين الموسيقيين وبين المايسترو، ليس من الضروري أن يكون هنالك اتفاق عن معنى كل إيماءة ولكن عند عمل العازفين مع المايسترو أثناء التدريبات يتطور تفاهم عن ماذا يريده- هذا التفاهم يمكن أن يمتد للجمهور كما نشاهد كاريان Karajan وهو يقود الجمهور أثناء Radetzky March لستراوس، هذا المشهد هو دليل أن إيماءات المايسترو كإشارات المتحابين؛ يشيرون لبعضهم فيفهمون دون اتفاق معلن.

وهو دليل أيضًا أن المايسترو يقود فعلاً. كانت هنالك بعض الشكوك إذا ما كان العازف يعزف النوتة التي أمامه ويحرك المايسترو يديه على أنغام الموسيقى بكل الأحوال، أم أن العازف يستجيب لإيماءات المايسترو ويعزف وفق ذلك. لاختبار الفرضية تم إجراء تجربة عملية لقياس أجزاء الثانية بين حركة العازف والمايسترو حيث وضعت أضواء وأجهزة استشعار على أدوات كل منهم. وكانت النتيجة حاسمة بأن المايسترو يقود الفرقة بالفعل.

 بل أبعد من ذلك، في الفيلم الوثائقي “The Art of Conducting: Great Conductors of the Past “، والذي يقدم رؤى قيّمة حول كل هذه القضايا، يحكي عازف بيانو كان يجلس في الجزء الخلفي من بروفة، بعد تسجيل المعزوفة، كيف سمع فجأة تحول مسموع في صوت الأوركسترا. نظر للأعلى ليرى ما الذي تغير فرأى أن المايسترو فرتوانجلر Furtwängler قد دخل الغرفة. ويقول: ” كانت شخصيته وحدها هي التي أوجدت صوتًا جديدًا – فقط من خلال التواجد في الغرفة”.

تأتي هذه الرهبة على الأغلب من أن المايسترو في الغالب عبقري في مجاله؛ كبار قادة الأوركسترا لا يستخدمون أي نوتة موسيقية أثناء العرض لأنهم يحفظون القطعة كاملة في عقلهم مع صوت كل آلة موسيقية حيث يجب أن يكون. البعض حتى كان آلات تقنية، مثل Pierre Boulez أو Lorin Maazel، الذين كانت أدمغتهم عبارة عن أجهزة موسيقية حقيقية، قادرة على تقسيم النغمات بدقة رياضية أو تمييز اختلافات دقيقة في العزف.

لذلك في المرة القادمة التي ترى فيها قائد أوركسترا في العمل، ألق نظرة فاحصة على ارتباطهم بعازفيهم، واستمع إلى الصورة الأكبر.

قادة أوركسترا للبحث عنهم

(نأسف لعدم وضع روابط مباشرة بسبب كثرة حذف فيديوهاتهم)

  • Herbert von Karajan
  • Leonard Bernstein
  • Bernard Haitink
  • Carlos Kleiber
  • Claudio Abbado
  • Daniel Barenboim
  • Valery Gergiev
  • Simon Rattle
  • Gustavo Dudamel

إذا كنت ترغب في التعليق على هذا المقال أو أي شيء آخر رأيته في مجلتنا، فتوجه، مشكورًا، إلى صفحتنا على Facebook أو راسلنا على Twitter.