عن تفسير إرادة الرب في زمن النوازل

عندما ظهر كوفيد19 في الصين، وجد الكثير من المشايخ والمواطنين الرضا في وصف الوباء على أنه وبال وعقاب من الرب. فيما بعد، عندما بدأ الوباء بالانتشار في عدد من الدول الإسلامية، تحولت الخطب لوصفه بامتحان الإيمان، واختبار المتقين.

إن هذا التناقض في وصف الأمور هو نتيجة محاولة تفسير إرادة الرب، أو الكون. وأيًا يكن الطرف المفسر فدائمًا سيكون على خطأ في تعليل أسباب الزلال والسيول والأوبئة. أولاً، لأن المفارقة كونية ولها طرفان، وبالتالي فإن المفسرين سيكونون على كلا طرفي المفارقة دائمًا، ويوقعهم في تناقض مستمر لا مخرج منه.

وثانيًا، والأهم، أن الإنسان يعطي لنفسه ثقلاً أكبر من حقيقته بكثير، معتقدًا أنه مركز الكون في كل شيء مع أن الكون يجري بثبات غير آبه، بل وغير مدرك للإنسان أساسًا.

في تحفته الفلسفية “عن طبيعة الأشياء”، التي كُتبت حوالي عام 50 قبل الميلاد، وضع لوكريتيوس الحجج الداعمة للمادية الراديكالية. كتب أن البشر لا يجب أن يذعنوا خوفًا من العقاب الإلهي، أو أداء القرابين الرقيق على أمل المكافآت الإلهية. الكون ليس لعبة غامضة للآلهة أو الشياطين. يتكون من الذرات والفراغ ولا شيء آخر. الذرات – أطلق عليها لوكريتيوس اسم “semina rerum”، “بذور الأشياء” – في حركة، وانحراف، واصطدام، واجتماع، وفصل، وإعادة تركيب في أنماط جديدة وغير متوقعة. في كل هذه الحركة، لا يوجد نمط ثابت، ولا نية شاملة، ولا أثر لإرادة المكافأة أو العقاب. بدلاً من ذلك، على امتداد غير محدود من الزمان والمكان، هناك طفرات عشوائية متواصلة. الأشكال القديمة تموت باستمرار؛ أشكال جديدة تتصاعد باستمرار.

بالنسبة إلى لوكريتيوس، كان في هذه الرؤية مواساة عميقة: بدلاً من القلق بشأن تفسير إرادة الآلهة أو القلق بشأن الحياة الآخرة، يجب أن تركز انتباهك على هذا العالم، العالم الوحيد الذي ستختبره على الإطلاق، وتذهب بهدوء لتعزيز المتعة لنفسك ولجميع الأشخاص من حولك أنت. لكنه كان يعلم أن أفكاره ليست مطمئنة بشكل لا لبس فيه. إن لم تصبك الآلهة الغاضبة بالأمراض، فلابد أنها أتت من مكان ما، أي من نفس الذرات التي تدور بلا توقف والتي تنتج كل شيء آخر. كتب أن “بذور الأشياء”:

ضرورية لدعم حيواتنا.

وعلى نفس المنوال، من الواضح

أن حولنا جزيئات ضارة

تطير، قذى المرض والموت.

عندما تبدأ الجسيمات المعادية لنا في التحرك، يُثار ارتباكنا، ونشعر بالعجز أمام العالم. في مثل هذه الأوقات، يحدث شيء غريب للعالم الذي اعتقدنا أننا نعرفه جيدًا. تبدو الأمور العادية الضرورية للحياة خطرًا علينا، والأشياء التي استمتعنا بها نصير نخشاها.

تنزل الكآبة على وجوه الناس، وتصبح العقول مشوشة نتيجة القـُنوت والخوف. في “طبيعة الأشياء”، ينتهي لوكريتيوس برواية مروعة عن الوباء المدمر الذي ضرب أثينا خلال الحرب الپلوپونيزية. أدى إنهاء القصيدة فجأة بمثل هذه الرواية المظلمة إلى استنتاج العديد من العلماء أن لوكريتيوس قد تركها غير مكتملة.

إن الوباء يختبرنا بطرق فريدة. يختبر بلا رحمة مقياس قيمنا، ويثير تساؤلات حول افتراضاتنا المألوفة، ويسلط ضوءًا على نظامنا الاجتماعي والسياسي والديني. ويعتقد لوكريتيوس أن هذا التحدي الوجودي هو الذي على أي مجتمع يستحق العيش به وأي فلسفة تستحق التبني أن تواجهه. عندما يسير كل شيء على ما يرام، من السهل التفكير في مكاننا في العالم المادي. ولكن ماذا لو لم يكن كل شيء يسير على ما يرام – إذا كانت الطفرات في بذور الأشياء تؤدي إلى المرض والموت؟

إنما في أوقات كهذه علينا الحفاظ على هدوؤنا، والتفكير بعقلانية، مدركين أن الشمس والقمر لا يشرقان ولا يغربان لولادة أحد أو موته، حتى الأنبياء. ومن هنا كل شيء يسير في نظام غير آبه بنا- لا يريد أن ينتقم منا أو يكافئنا. لذلك، من غير المجدي أن نتعب أنفسنا في فهم إرادة كل شيء، ومن الأنفع التركيز على عيش الوقت الذي نملكه، أيًا مقداره، وبما نملك من أمور في استطاعتنا.