لا سعادة مع الخوف من الموت

الفلسفة بعد أرسطو

عندما توفي الإسكندر الأكبر عام 323 تقسمت امبراطوريته، وكان أشهرها مملكة بطليموس وعائلته في مصر وليبيا، واستمرت المقاطعات في الانقسام إلى ممالك أصغر، حتى أصبحت واحدة تلو الأخرى تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية. هذه الفترة التي حضرت فيها الحضارة اليونانية في جميع الأراضي حول شرق البحر الأبيض المتوسط، معروفة للمؤرخين باسم العصر الهلنستي- Hellenistic.

في هذه القرون اتصل المستعمرون اليونانيون بأنظمة فكرية مختلفة على نطاق واسع. في باكتريا، في أقصى الشرق من الإمبراطورية السابقة، واجهت الفلسفة اليونانية دين بوذا، الذي نشره بقوة الملك الهندي المتدين، أسوكا. في بلاد فارس، واجه اليونانيون دين زراداشت. وفي فلسطين التقوا باليهود، الذين شكلوا مجتمعًا توحيديًا صارمًا، وتحكي كتب المكابين، عن مقاومتهم للاندماج مع الثقافة اليونانية تحت حكم أنطيوخس الرابع السوري. بنى البطالمة الأولون في مصر مدينة الإسكندرية الجديدة، التي كان مواطنوها من كل أصقاع العالم اليوناني. أسسوا مكتبة ضخمة ومفهرسة جيدًا، والتي أصبحت موضع حسد العالم، لم تنافسها إلا في وقت لاحق، مكتبة الملك أطالوس في بيرجاموم في آسيا الصغرى.

أشهر الفلاسفة في أثينا في جيل بعد وفاة الإسكندر لم يكونوا أعضاء في أكاديمية أفلاطون ولا في ليسيوم أرسطو، ولكن مؤسسين لمنشئات تعليمية جديدة: أسس أبيقور مدرسة تعرف باسم “الحديقة”، وأعطى زينو دروسه في الرواق- Stoa مما أعطى أتباعه لقب الرواقيين.

الأبيقورية

ولد أبيقور- Epicurusفي ساموس، ثم أقام منزله في أثينا حوالي 306 قبل الميلاد، وعاش هناك حتى وفاته عام 271. عاش مُريدوه في “الحديقة” على أجرة بسيطة وابتعدوا عن الحياة العامة. كتب أبيقور ثلاثمائة كتاب، ولكن باستثناء بعض الرسائل، فُقِد كل ما كتبه تقريبًا. دفنت أجزاء من أطروحته “عن الطبيعة” في الرماد البركاني لانفجار بركان فيزوف عام 79م؛ استُخرجت وفكت رموزها في العصر الحديث. مع ذلك، نعتمد على معرفتنا بتعاليم أبيقور بشكل أساسي على قصيدة لاتينية طويلة كتبها في القرن الأول قبل الميلاد تلميذه لوكريتيوس، بعنوان “في طبيعة الأشياء” (De Rerum Natura).

نشأ أبيقور في وقت وصلت فيه فلسفة اليونان القديمة بالفعل إلى قمة في أفكار أفلاطون وأرسطو. كان التركيز الرئيسي للتفكير الفلسفي هو التحول من الميتافيزيقا إلى الأخلاق، وأيضاً من الأخلاق السياسية إلى الشخصية. ومع ذلك، وجد أبيقور بذور مدرسة فكرية جديدة في أسئلة الفلاسفة السابقين، مثل فحص سقراط لحقيقة المفاهيم والقيم الإنسانية الأساسية. من الأمور المركزية في الفلسفة التي طورها أبيقور وجهة النظر القائلة بأن راحة البال، أو السلام، هو هدف الحياة. يجادل بأن المتعة والألم هما جذور الخير والشر، وأن صفات مثل الفضيلة والعدالة مستمدة من هذه الجذور، حيث “من المستحيل أن تعيش حياة ممتعة دون العيش بحكمة، وبشرف، وعدل، ومن المستحيل أن العيش بحكمة، وبشرف، وعدل من دون العيش بمتعة”. غالبًا ما يتم تفسير الأبيقورية، خطأً، على أنها تتمحور ببساطة حول السعي وراء الملذات الحسية. لكن بالنسبة لأبيقور فلا يمكن تحقيق أكبر متعة إلا من خلال المعرفة والصداقات الثمينة، والحياة المعتدلة، مع التحرر من الخوف والألم.

لا سعادة مع الخوف من الموت

الهدف من فلسفة أبيقور هو جعل السعادة وراحة البال ممكنة بإقصاء الخوف من الموت الذي هو أكبر عقبة أمامها. يزداد هذا الخوف من خلال الاعتقاد الديني أنه إذا غضبت عليك الآلهة بسبب إثمٍ قد اقترفته، فستعاقب بشدة في الحياة الآخرة. وبدلاً من مواجهة هذا الخوف عبر اقتراح نظام آخر بعد الموت، يحاول أبيقور شرح طبيعة الموت نفسه. يبدأ بالاقتراح أنه عندما نموت، فإننا لا ندرك حقيقة موتنا، لأن وعينا (روحنا) يتوقف عن الوجود عند نقطة الموت. لتفسير ذلك، يأخذ أبيكوروس وجهة النظر القائلة بأن الكون بأكمله يتكون من ذرات أو فراغ، كما أوضح الفلاسفة الذريون ديموقريطس وليوكيبوس. ثم يقول أبيقور أن الروح لا يمكن أن تكون مساحة فارغة، لأنها تعمل ديناميكيًا مع الجسم، لذلك يجب أن تتكون من الذرات. يصف ذرات الروح هذه بأنها موزعة حول الجسم، ولكنها هشة لدرجة أنها تذوب عندما نموت، وبالتالي لا نعود قادرين على الإحساس بأي شيء. إذا كنا غير قادرين على الشعور بأي شيء، عقليًا أو جسديًا، عندما نموت، فمن الحماقة ترك الخوف من الموت يسبب لنا الشعور بالألم ونحن لا نزال على قيد الحياة.

حجر الزاوية في فلسفة أبيقور الأخلاقية هو أن المتعة هي بداية ونهاية الحياة السعيدة. ومع ذلك، يميز بين الملذات التي ترضي رغبات معينة، والملذات المتأتية من إشباع جميع الرغبات. ملذات إشباع رغبة الطعام والشراب والجنس هي ملذات دنيا، لأنها مرتبطة بالألم وإرضاؤها يؤدي إلى تجدد الرغبة إلى مالانهاية. لذلك يجب أن نهدف لملذات هادئة تجعلنا نشعر بالاكتفاء والرضا الداخلي مثل الصداقة الجيدة.

الفلسفة الطبيعية

من أجل علاج الخوف من الموت، ومن أجل إظهار أن الرعب الذي يحمله الدين لم يكن سوى حكايات خرافية، توجه أبيقور في دراسته وأبحاثه لطبيعة وبنية العالم.

تبنى، مع بعض التعديلات، النظرية الذرية لديموقريطس. حيث تتحرك الوحدات الغير القابلة للتجزئة والغير متغيرة في الفراغ وفي الفضاء اللانهائي؛ في البداية تتحرك جميعًا لأسفل بسرعة ثابتة ومتساوية، ولكن من وقت لآخر تنحرف وتتصادم مع بعضهم البعض. من تصادمها، ظهر كل شيء في السماء والأرض. وتتكون الروح، مثل أي شيء آخر، من ذرات، تختلف عن الذرات الأخرى فقط في كونها أصغر حجمًا وأكثر دقة. عند الموت تتشتت ذرات الروح، وتتوقف عن القدرة على الإحساس لأنها لم تعد تحتل مكانها المناسب في الجسم. تتألف الآلهة نفسها من الذرات، تمامًا مثل البشر والحيوانات، ولكن لكونها نعيش في مناطق أقل اضطرابًا فلا تخاف خطر التحلل والفناء. لم يكن أبيقور ملحدًا، لكنه اعتقد أن الآلهة لا تهتم بشؤون هذا العالم، وتعيش حياة خاصة بها في هدوء مستمر. ومن هنا فإن الاعتقاد بالعناية الإلهية خرافة، والطقوس الدينية لا قيمة لها في أحسن الأحوال.

على عكس ديموقريطس، يعتقد أبيقور أن الحواس مصادر موثوقة للمعلومات، ويقدم تعليلاً ذريًا لعملياتها: تطلق جميع الأجسام في العالم أجزاءً رقيقة من الذرات التي صُنعت منها، والتي تحتفظ بشكل الجسم الأصلي وبالتالي تعمل كصور (eidola) لأجسادها الأصلية. يحدث الإحساس عندما تتلامس هذه الصور مع الذرات في الروح؛ وبالتالي فإن المظاهر التي تصل الروح ليست زائفة؛ فهي تتوافق تمامًا ودائمًا مع مصدرها. إذا ضُللنا حول حقيقة الواقع فهذا لأننا استخدمنا هذه المظاهر الحقيقية كأساس لأحكام خاطئة. إذا تعارضت المظاهر مع الأجسام، كما هو الحال عندما يبدو المجذاف منحنيًا في الماء ومستقيمًا عندما يكون خارجه، يجب اعتبار المظهرين شاهدين صادقين على العقل الحكم عليهما. إذا كانت المظاهر غير كافية لتسوية المشكلة بين النظريات المتنافسة (على سبيل المثال حول الحجم الحقيقي للشمس)، فيجب على العقل تعليق الحكم وتقبل جميع وجهات النظر على قدم المساواة.

على الرغم من أنه كان ذريًا، لم يؤمن أبيقور بالجبرية أو أن البشر مسيرون؛ بل اعتقد بتمتع البشر بحرية الإرادة، وسعى لتبريرها عبر التصرف العشوائي للذرات، وبما أننا أحرار فنحن أسياد مصائرنا؛ لا تفرض الآلهة قوانينًا ولا تتدخل في خياراتنا.

نظرًا لرفضه لفكرة الدين، تُجوهلت فلسفة أبيقور من قبل الأفكار السائدة لعدة قرون، لكنها عادت للظهور في القرن الثامن عشر، في أفكار جيريمي بينثام وجون ستيوارت ميل، وفي السياسة الثورية، يُسمع صدى المبادئ الأبيقورية في إعلان استقلال الولايات المتحدة: “الحياة، الحرية، والسعي وراء السعادة”.