التربية على التسامح

“الحرية والاستقلالية” في فلسفة جان جاك روسو

التربية على التسامح أو التربية على الحرية والاستقلالية في القناعة وتبني رأي ما، مع الاحترام التام لحق الآخر في تبني قناعة أو رأي مخالف. هو موضوع اشتغل عليه جان جاك روسو في كتابه “اميل”،بحيث يدقق فيه القول ضمن الباب الرابع من كتاب “اميل”، الباب المعنون بـــ: “المراهقة والتعليم الديني “[1]،” بحيث يقوم روسو بوصف تربية الطفل ما بين الخامسة عشرة والعشرون سنة. في هذه الفترة يريد روسو أن يحب اميل، وأن يكون حبه شاملا جميع الناس حتى أعداء الإنسانية ولاينتمي إلى طائفة دون أخرى، وفي هذه المرحلة يريد روسو أن يفحص اميل آراء الناس وأفكارهم، وأن يحترم الناس جميعا، وأن يتعرف عليهم من دراسة التاريخ، وهو يريد أن يتعلم اميل الدين، وأن يختار لنفسه دينا معينا لا يفرض عليه. وفي هذه المرحلة يريد اميل أن يكثر من المطالعة وقراءة كتب التاريخ والآداب، وأن يذهب إلى مشاهدة الروايات التمثيلية”[2]، لكي يربى اميل على تقبل الآخر والإيمان بالحرية يجب أن يترك اميل لتنمو فيه جميع الميول الطبيعية التي ولد بها، موقنا ( أي روسو ) أن نمو تلك الميول فيه هو سبيله السوي إلى الفضيلة[3].

إن الأخذ بعين الاعتبار معطيات الثقافة في الحسبان ضمن عملية التربية لا يفسد فقط الطفل، بل كذلك الطبيعة الخيرة فيه؛ فالطبيعة أشسع من كتب الثقافة التي تجعلنا متعصبين لرأي دون آخر، معتقدين بدين غير محترمين لآخر، يقول روسو في هذا الصدد: ” لن أتصور أبدا أن كل ما يجب على الإنسان أن يعرفه محصور في الكتب، وأن من لم يضع يده عليها، أو لم يتصل بمن يفهمها، يعاقب على هذا الجهل غير المتعمد، الكتب! الكتب!  أي هوس هذا أوروبا متخمة بالكتب، فيرى الأوروبيون أنها ضرورة من دون أن ينتبهوا إلى أن ثلاثة أرباع سكان الأرض لم يروا كتابا قط، من آلاف الكتب؟ أو ليس بنو آدم؟ فكيف أضحت الكتب شرطا لازما لهم لمعرفة واجباتهم؟ كيف عرفوها قبل أن تنتشر الكتب؟ إما أن يتعلم الإنسان واجباته من نفسه أو هو معفى من معرفتها”[4].

إن سؤال روسو هنا حول كيف عرف الأوائل واجباتهم رغم عدم توفر الكتب؟، هو سؤال نقدي مشروع، يستفز كل من يعتقد بأن الثقافة تجلب الحضارة أو بشكل أوسع تجلب السعادة.

ليس في التعدد الموجود على المستويين الثقافي والديني إلا هلاك للإنسانية وروسو بين ذلك جدا خلال حديثه عن اضطهاد المسيحين لليهود والأمر بحرق جميع كتبهم.

إن التعصب إلى رأي معين يقودنا إلى الاستعلاء والتكبر؛أي إلى الاعتقاد بأننا على صواب وسائر الناس على خطأ، إنها سخافات تقتل حتى مشاعر التعاطف والرحمة بداخلنا، بحيث تجعل الإنسان ساديا يستمتع بآلام الآخرين، ويصنف نفسه سيدا سعيدا، لكنه لا يدرك حقيقة “أن الناس من حيث طبيعتهم ليسوا ملوكا ولا عظماء ولا رجال بلاط ولا ثراه، فكل الناس يولدون عرايا فقراء معرضين للأوجاع ومطبات الحياة والهموم والأمراض والحاجات وسائر صنوف الآلام، فقصارى القول أنهم جميعا محكوم عليهم في النهاية بالإعدام، هذه هي حقيقة الإنسان أيا كان، وما من بشر يستثنى منهذهالقاعدة المطلقة، فابدأ إذا بدراسة الطبيعة البشرية التي لا تنفصل أبدا عن البشر؛ لأنها جوهرهم الباقي”[5].

فالتربية على التسامح تستلزم ضرورة إذكاء العواطف”[6] وتغذيتها وتوجيهها أو متابعتها في نموها الفطري واتجاهها الطبيعي، ما علينا إلا أن نقدم للشاب موضوعات يمكن أن يمارس فيها قوة التفتح التي في قلبه، فتتمرس حساسيته على الاتساع لتشمل أشخاصا آخرين. وبهذا تثار لديه الطيبة الإنسانية والشفقة والإحسان والرحمة وسائر العواطف الرقيقة التي تسر الناس بطبيعتهم، وتمنع بزوغ الحسد والغيرة والحقد وسائر العواطف القاسية المنفردة التي لا تلغي رهافة الحس فحسب، بل تجعلها في صورة سلبية غليظة[7].

فبعد أن تتعلم عواطفه كيف تكون على طبيعتها، لا محال أن اميل سيصطدم بالمجتمع، هذا الأخير المليء بالتناقضات والفوارق، إلا أنه لكيلا تفسد تربية اميل يجب أن نبسط أمام ناظره صورة النظام الاجتماعي، عن طريق استحضار الفرق بين حالتي الطبيعة والمجتمع[8] في ارتباطهما بالأخلاق والسياسة.

ويلعب التاريخ في هذه العملية دورا أساسيا، إلا أن روسو يقترح أن يعلم اميل عن المجتمع والناس انطلاقا من أعمالهم واحتكاكه بهم، ما دام التاريخ كمعرفة غير موضوعي[9]، ولا يشكل تعبيرا عن وقائع معينة، بقدر ما يكون مجرد صورة مطابقة لما رسمه المؤرخ عن الحدث في ذهنه.

يفضل روسو عوض قراءة تاريخ الأحداث، قراءة التجارب الخاصة بالرجال الدين صنعوا هذه الأحداث، لأنه سيكون قريبا من طبيعتهم وقلبهم، لأن مثل هذه القراءة تترك أثرا حاسما في ذهن شاب يتعلم كيف يكون الإحساس والتفكير الشخصيين عظيمين، فيتأثر تأثرا عميقا بقراءة سير بلوتاك مثلا عن جبابرة العالم.” فيعرف عظماء العالم عن طريق نفوسهم ونواياهم لا في ضوء المعارك الصاخبة والأبهة الكاذبة، فينتهي به الأمر إلى إدراك الحقيقة الكبرى وراء حياة جميع العظماء.

ما نهاية جميع هؤلاء الفاتحين؟ إنه لن يقدرهم إلا بحسب نوايا نفوسهم وصورهم الخلقية، وسيدرك مقدار شقائهم وعذابهم وهم في أوج السلطان. وسيتعلم أن متاعب الإنسان تتضخم وتنمو مع نمو ثروته ومكانته ومسؤوليته. وسيتعلم اميل، أيضا، احتقار المطامع والشهوات “[10].

هكذا يصبح اميل على قدرة في أن يحكم أخلاقيا على الناس. إلا أنه يجب حسب روسو أن ننتبه إلى مسألة أساسية وهي المتمثلة في تجسد الغرور في كل من يستشعر أنه قادر على الحكم الأخلاقي، من هنا يقترح روسو أن يستفيد اميل من الدروس والعبر التي تعلمنا إياها الأساطير، فنبذ العلو والتسامي والتعلم من الأخطاء، كلها أمور تحفل بها الأساطير، فالمعلم عندما يهذب سلوك تلميذه تحت ستار شخصية أسطورية، يكون قد رباه دون إهانته، الأمر الذي يجعل من الأساطير حقائق قابلة للتطبيق تربويا.

إن الأسطورة تعين التلميذ على استخلاص قاعدة أخلاقية من حادثتها الفردية، وتساعد تلك الحادثة على رسوخ القاعدة الأخلاقية في ذاكرته، وما من فكرة أخلاقية يستحيل اكتسابها عن طريق تجربة الآخرين أو تجربتنا الخاصة، فحينما تكون التجربة الخاصة المطلوبة لتكوين تلك الفكرة المعنية غاية في الخطورة، فلا بد من استخلاصها من تجربة الآخرين، إما عن طريق التاريخ أو عن طريق الأساطير.

ولا يفوتنا هنا أن نقول بأهمية القواعد الأخلاقية التي تختتم بها معظم الأساطير المنظومة، فالحاسة الأخلاقية تتربى عند التلميذ بأن يستخلص هو العبرة بنفسه من الحادثة التي أوردتها الأسطورة[11].

للأسطورة فائدة عميقة أكثر من تلك الأفكار الدينية التي يملئ بها رجال دين عقول الأطفال قبل بلوغهم حتى سن الرشد. يقول روسو؛ ” إنه إذا ما علم ذلك قبل الوقت المناسب كان هناك احتمال بل مجازفة بألا يعرف ذلك الأمر على وجهه الصحيح إطلاقا، وإني لا أرى أشد حماقة وغباء من معلم الدين الكاثوليكي وهو يلقن الأطفال الصغار تلك الأسرار العويصة. فإني إن رميت إلى خيال طفل، لكفاني أن أطلب منه تفسير ما يتلوه من دروس ذلك الدين وطقوسه.

فلنحذر كل الحذر من إعلان الحقيقة لأولئك الذي لم يتأهبوا بعد لإدراكها. فإن ذلك يؤدي لقيام الضلال مقام ما نرمي إليه من الحق”[12]، ولا يدعوا روسو إلى عدم تعليم شيء لإميل عن الإلهيات، بل يدعو فقط إلى احترام مداركه وقدرة حواسه على تلقي مثل هذه الأمور. حتى لا نفرض عليه ديانة دون أخرى؛ فيكون عرضة للغلو والتعصب.

 إن مهمة المعلم هي إعداده ذهنيا، حتى يصبح قادرا على اختيار العقيدة المثلى التي يهديه إليها عقله على اقتناع ووضوح.

وفي هذا الصدد يحكي لنا روسو قصته عندما تعرض للغلو والعنف من طرف الكاثوليك لتغيير تصوره البروتستانتي عن المسيحية إبان طفولته، وما ألحق به هذا التعسف من قسوة واشمئزاز حتى تزعزعت قيمه وأفكاره، إلا أن لقاءه بالكاهن غير حياته بعدما علمه كيف يكون للإنسان قيمة إذا اتبع الفضيلة، وحافظ على استقلالية إرادته، فالكاهن[13] لم يحاول إقناعه بشيء رغم كاثولكيته. لأنه يؤمن بمبدأ أخلاقي يتعدى كل المبادئ الدينية الطقوسية؛ وهو؛ مطابقة الظاهر للباطن أو القول للعمل، بشكل صادق. بالإضافة إلى هذا يطبق الكاهن في حياته قاعدة العقل أولا قبل الطقوس، لأنه على دراية بأن أغلب الطقوس في الكاثوليكية كانت تغيب العقل الذي ليس شيئا سوى نعمة إلهية محضة.

فمعرفة الله والإيمان بالخلود والعالم الآخر، لا يحتاجا للتعاليم والطقوس، بل للقلب النقي والروح الطاهرة. هذا ما يجب أن يتأسس عليه الدين.

إن عقيدة القس الجبلي تعلمنا الصبر والانصات وتقبل الآخر، والصفح له إن أخطأ عن حسن نية، ألا ندعي الحقيقة في شيء، أو نطمع في إقناع أحد، إنها عقيدة تعلمنا كيف نكون متسامحين.

خلاصة عامة:

  • إن التسامح لا يمكن تجسيده على أرض الواقع دون الأخذ بعين الاعتبار التربية على الحرية في الرأي واستقلالية الإرادة.
  • إن الدين ليس هو الطقوس والتعاليم التي تطعم كل أشكال العنف، بل الإيمان بالفضيلة الأخلاقية والإنسانية الكونية.

كتبها: محمد غنام

أستاذ الفلسفة من المغرب. فايسبوك


*” اميل “: كتاب يطرح فيه روسو نظريته في التربية، بحيث يعرض علينا صورة طفل سليم متوسط الذكاء ربى في الريف وحيدا وليس في صحبته سوى مدرسه الخاص، وفي هذا الوسط الذي يربى فيه الطفل لن تفسد طباعه طبيعته، وإنما تنمو وتتقدم.

** اعترافات قس الساقوا جاءت في الجزء الرابع من كتاب اميل المكون من خمسة أجزاء، يأتي إذن نقاش المسألة الدينية متأخرا في مسيرة اميل التربوية، لا يكلمه أستاذه عن الخالق والخلق إلا بعد أن يتجاوز سن الخامسة عشرة، يتوسع المؤلف في تبريره هذا الاختيار المخالف للمعتاد، عقيدة فطرت بسيطة سمحة خالية من كل لغز منافية لكل تعصب، لا تترسخ إلا في فؤاد من هذب لهذا الغرض بالذات، كما أن النظام الجمهوري الديمقراطي لا يستمر إلا إذا قام على تعاقد بين أفراد تربوا منذ الطفولة ليكونوا مواطنين حقا.

وأهم من يظن أن الاصطلاح قد يأتي من فوق، هذا ترميم يعالج الأعراض فقط، لا مناص من خلق مستأنف حتى يتسنى بناء مجتمع جديد ونشر عقيدة جديدة.

لا يفهم النص المعرب هنا فهما سليمًا إذا فصل أولا عن النص المتمم له، أي العقد الاجتماعي، وثانيا عن باقي كتاب اميل هذا رغم أن المؤلف قرر منذ البداية طبعه منفردا، ظنا منه أن معاصريه أكثر استعداد لقبول إصلاح ديني منهم للمصادقة على تحليلاته السياسية ( جان جاك روسو – دين الفطرة، ص 09-10).

*** العقد الاجتماعي: كان لصدور كتاب العقد الاجتماعي لجان جاك روسو في سنة 1762 أثر قوي في مشهد الفلسفة السياسية العام، إذ تغيرت بالكلية المنظورات التي كان ينظر منها إلى السيادة، والقانون، والحق ، والعدل ، والدولة والمواطن، والدستور. تغيرت كذلك دلالة كلمة ” شعب ” لا في حقل فقه القانون وعلم السياسة وحسب، بل في حقل الشعور والوجود أيضا. ومذاك لم يعد للأشياء وللكلمات الواقعة في الشأن العمومي للإنسانية الدلالة التي كانت لها قبل روسو. وإن أنت حصرت منتقيات الفلسفة السياسية ألفيت كتاب العقد الاجتماعي من بين أمهاتها، فهو كتاب عمدة بين عناوين شهيرة وهو مدخل لا محيد عنه لقراءة سياسة التنوير وتأولها.

وبالمقابل، من الجائز أن يقرأ العقد الاجتماعي، وتعلل تجريداته الحقوقية، وتفكك اعتياصاته الأنثروبولوجي السياسية على ضوء المسار التاريخي الفعلي للفكر السياسي الحديث منذ الثورة الفرنسية ( روبسبير ) وفي قبلها الثورة الأمريكية ( جيفرسون ). لقد ألف الفلاسفة وفقهاء القانون نظريات في غاية من الإحكام والصرامة، ولكن قليلة هي النظريات التي كان لها حظ القران مع التاريخ على النحو الذي كان لنظرية مكيافيل، ولنظرية روسو، أو لنظرية ماركس. وهكذا فعندما نكون قبالة العقد الاجتماعي، نكون قبالة زوج ” الحق والواقعة”، “العقل والحدث”، “الضروري و الحادث……” إلخ ( انظر جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي، تعريب عبد العزيز لبيب، فضاء الفن والثقافة، المغرب، الطبعة الأولى ، ص 11-12).   

[1]- المراهقة  والتعليم الديني: الباب الرابع  من كتاب اميل، ويقسم إلى ستة مباحث أساسية وهي: التعاطف و الرحمة – دراسة التاريخ، فائدة الأساطير، اعترافات كاهن الساقوا، التربية العاطفية، الذوق.

[2]– جان جاك روسو، اميل – تعريب نظمي لوقا، الشركة العربية للطباعة و النشر – مصر ، الطبعة الأولى : ص 09.

[3]– المصدر نفسه، ص 13.

[4]– جان جاك روسو، دين الفطرة، تعريب عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2012،ص 108-109.

[5]– جان جاك روسو، دين الفطرة، تعريب عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2012، ص 180.

[6]– قواعد العواطف ثلاثة وهي:

القاعدة الأولى: لا يميل القلب البشري إلى أن يضع نفسه في موضع من هم أسعد حالا منه، بل في موضع من هم أولى بالإشفاق.

القاعدة الثانية: نحن لا نشفق على الأخرين إطلاقا إلا بسبب الآلام التي لا نعتقد أننا محصنون ضدها معصومون منها.

القاعدة الثالثة: الرحمة والرأفة بآلام الغير لا تقاس بكمية الآلام في ذاتها، بل بمقدار ما نفترضه في المتألم من احساس نعيره إياه من ذواتنا ( انظر اميل، ص 182).

[7]– جان جاك روسو، اميل، تعريب نظمي لوقا، الشركة العربية للطباعة و النشر – مصر، الطبعة الأولى، ص 181-182.

[8]– إن حالة الطبيعة توجد في تلك المساواة الحقيقية التي لا شذوذ عنها ولا خروج عليها، لأن تلك الحالة الفطرية لا يمكن أن تسمح بفروق بين رجل ورجل وتجعله من أحدهما تابعا للأخر.

أما في الحالة المدنية فالمساواة القانونية في الحقوق خيالية وهمية فارغة، ذلك أن وسائل صيانة تلك المساواة تؤدي بذاتها للقضاء على المساواة والقوة العامة التي تسند إلى أقوى الأفراد تستخدم في سحق الضعيف مما يخل بالتوازن الذي أقامته الطبيعة بين الأقوى والأضعف.

من هذه المفارقة الأولى تنجم جميع المفارقات الأخرى التي نلحظها في النظام المدني بين الظاهر والحقيقة، وستظل الغالبية دائما ضحية للأقلية، وسيظل الصالح العالم ضحية للصالح الخاص، أما ألفاظ العدالة والتنظيم فهي أدوات للاغتصاب وأسلحة للظلم ( اميل : 183 ).

[9]– إن الوقائع التي يذكرها التاريخ ليست صورة مطابقة تماما للوقائع التي حدثت فعلا، لأنها تتخذ صورة جديدة في دماغ المؤرخ، على حسب وجهة نظره أو مصالحه، فمن ذا الذي يعرف كيف يضع القارئ في نفسه مسرح الحوادث كما وقعت ؟.

ثم ما قيمة حوادث التاريخ ذاتها ما دامت أسبابها تظل خفية علي؟ وما هو الذي يمكن أن أستخلصه من حادثة أجهل سببها الحقيقي؟ إن المؤرخ يقدم لي سبب، ولكنه سبب من وجهة نظره، وحتى النقد الذي يطنطنون به ليس إلا ضربا من التخمين لأنه محاولة لاختيار أقرب أكذوبة إلى الحقيقة من حيث الشبه ” ( انظر اميل، ص 184-185).

[10]– جان جاك روسو، اميل، تعريب نظمي لوقا، الشركة العربية للطباعة والنشر – مصر ، الطبعة الأولى، ص 187.

[11]– جان جاك روسو، اميل، تعريب نظمي لوقا، الشركة العربية للطباعة والنشر – مصر ، الطبعة الأولى ، ص 189.

[12]– المصدر نفسه، ص 190.

[13]– الكاهن الذي يقصده جان جاك روسو، هو السيد جيم GAIME ، كما ورد ذلك في اعترافات روسو، الكتابين الثاني والثالث.