الدين المدني باعتباره تجسيدًا للتسامح في فلسفة روسو

يصرح جان جاك روسو منذ البداية في الفصل الثامن ضمن الكتاب الرابع من مؤلفه الشهير “في العقد الاجتماعي”، أن التقسيمات القومية وتعدد الآلهة، كانا بمثابة العاملين الأساسين لوجود اللاتسامح الديني والمدني في التاريخ. فكل طائفة كانت تعتقد بأن توجهاها الديني هو الأصح في مقابل التوجهات الأخرى، وتزيد الأمر غلوًا باعتمادها-طائفة من الطوائف الدينية-على التحكم السياسي والقوة العسكرية.

يقول روسو: “وإذا ما سئل عن عدم وجود حروب دينية مطلقا في أدوار الوثنية حين كان لكل دولة عبادتها وآلهتها، أجبت بأنه إذا كان لكل دولة عبادتها الخاصة، وحكومتها أيضا، فإنه لم يفرق بين آلهتها وقوانينها قط، وكانت الحروب السياسية لاهوتية أيضا، لذلك كانت ولايات الآلهة معينة بحدود الأمم، ولم يكن لإله أي حق على الشعوب الأخرى، ولم يكن آلهة الوثنيين آلهة غيرا،فكانوا يقتسمون سلطان العالم فيما بينهم، حتى إن موسى والشعب العبري ذهبا إلى هذا الرأي أحيانا عند كلامهما على إله إسرائيل….[1]

فاليهود مثلا عندما خضعوا؛ سواءً لملوك بابل أو ملوك سورية، أصروا دائمًا وأبدًا على عدم الاعتراف بغير إلههم، مما أدى إلى اعتبار عدم الاعتراف تمردًا، فتم اضطهادهم.

وبما أن كل دين مرتبط بقوانين الدولة التي أمرت به، فإنه لم يكن قط وجه آخر لهداية شعب غير استعباده، ولم يكن قط المبشرون آخرون غير الفاتحين، وبما أن وجوب تغيير العبادة قانون خضع له المغلوب؛ فإنه من الضروري أن يبدأ بالانتصار قبل الحديث عن ذلك التغيير[2] ؛ فالحرب قبل أن تكون على قوم معين، فهي على آلهة ذلك القوم، فالرومان قبل أن يستعمروا أي مكان كانوا ينذرون آلهته بمغادرته، أو أن يعتبروا آلهة القوم المستعمر، خاضعين لآلهتهم  كما حصل مع أهل تارانت.

ولما أتى يسوع ليقيم على الأرض مملكة روحية، وهذا ما جعل الدولة، بفصله النظام اللاهوتي عن النظام السياسي، تكون غير واحدة فأوجد من الانقسامات الداخلية ما انفك يقلق الشعوب النصرانية، والواقع أن هذه الفكرة الجديدة لمملكة في العالم الآخر لم تستطع الدخول في رأس الوثنيين قط فعدوا النصارى عصاة حقيقيين، مع تظاهر هؤلاء بالخضوع، غير باحثين سوى عن الوقت الذي يكونون فيه سادة مستقلين فيغتصبون[3] بمهارة، السلطة التي تظاهروا باحترامها أثناء ضعفهم، فكان هذا سبب الاضطهادات[4].

هذا ما حصل بالضبط، عندما اعتلت المسيحية عرش أوروبا، أصبحت أكثر ديانة متعصبة في التاريخ، بحيث دمرت الديانات الوثنية، بل حتى الطوائف من داخل المسيحية، دخلت في صراعات استمرت قرون، بحيث عرضت شعوب أوروبا للإبادة والتشتت.

هكذا يبدو حسب روسو أن السبب في وقوع في التعصب والحروب الدينية راجع لأمرين أساسيين، وهما: تعدد التأويلات التي أعطيت للمسيحية أولاً، وثانيًا: تداخل الأدوار بين الكنيسة والحكام، ما يستنتج عنه إما وجود سلطتين متضادتين الأولى دينية والثانية سياسية، أو تطابق ممسوخ ومشتبه فيه بين السلطتين الدينية والسياسية.

إن هذا ما أدى إلى تفكك مجموعة من الأنظمة السياسية الاستبدادية التي حكمت باسم الدين، بل وحتى المسيحية ذاتها خصوصا بعد عصر التنوير.

إذن تاريخ الإنسانية السياسي حسب روسو كان دائما خاضعا لتداخل السياسي الاجتماعي بالديني، بل وأكثر من ذلك فالأقوام كانت متعصبة لمشروعية هذا التداخل إلى حدود إقامة حروب للدفاع عنه.

يرى روسو أنه إذا نظرنا فلسفيًا إلى الدين من حيث المجتمع، سواء بالعموم أو بالخصوص، أمكننا تقسيم الدين إلى نوعين؛ دين الإنسان ودين المواطن، ويضيف نوعا آخر خلال تحليله، سماه بدين الكاهن[5]، إلا أنه يرى في هذه الأنواع من الدين مجالا للصراع السياسي لا مفر منه، باعتبارها منخورة بالتناقض.

لهذا وجب أن يكون الدين مدنيًا لا يخضع إلا لحرية الفرد العقدية، بحيث يقوم بدور الآلهة المثبتة لاحترام المواطن لقوانين الدولة أو التعاقد الاجتماعي الذي هو جزء لا يتجزأ منه.

” إن الحق الذي يجعله الميثاق الاجتماعي للسيد على الرعايا لا يجاوز النفع العام مطلقا؛ ولذلك لا يلزم الرعايا بتقديم حساب إلى السيد عن آرائهم إلا بالمقدور الذي تهم به المجتمع، والواقع أن ما يهم الدولة أن يكون لكل مواطن دين يحبب إليه واجباته، غير أن عقائد هذا الدين لا تهم الدولة ولا أعضاءها إلا بالمقدار الذي تناط معه هذه العقائد بالأخلاق والواجبات التي يلزم من يعلمها باتباعها نحو الآخرين، ثم إنه يمكن كل واحد من أن يكون له من الآراء ما يروقه من غير أن يكون من شأن السيد أن يعلمها، وذلك بما أنه ليس للسيد سلطان في العالم اللآخر مهما كان نصيب رعاياه في الحياة الآتية فإن هذا لا يكون من شؤونه، وذلك على أن يكون هؤلاء الرعايا صالحين في هذه الحياة الدنيا”[6].

إن الدولة المدنية في أساسها تعترف بوجود ديانة مدنية مُنطلقها القناعات الشخصية للفرد، وحتى إذا وجب على السيد أن يعين موادها، فلا يعينها كعقائد، بل كمشاعر اجتماعية يكون بها المواطن صالحا صادقا، وكل من لا يعتقد بهذه المشاعر الاجتماعية التي تجعل منه مخلصا لدولته وجب على السيد أن يعلن عنه ككافر ومجرم.

أما فيما يخص عقائد الدين المدني فيجب أن تكون بسيطة قليلة العدد، “وأن يعبر عنها بضبط ومن غير إيضاح ولا تفسير، فوجود الألوهية القادرة العاقلة الكريمة البصيرة المدبرة، والحياة الآتية، وسعادة الصالحين، ومعاقبة الأشرار، وقدسية العقد الاجتماعي والقوانين، أمور يعبر عنها بالعقائد الايجابية، وأما العقائد السلبية فإنني أقصرها على واحدة، أقصرها على عدم التسامح”[7]، وهذه العقيدة السلبية حسب روسو هي كل ما تبنى عليه الديانات التي انتقدها خصوصًا المسيحية المتعصبة.

إن اللا-تسامح اللاهوتي هو مدني بطبعه، فعندما عندما يكون الدين حاكما سياسيا، تصير عقائد القساوسة هي الحقيقة، ولا يصبح السيد إلا خادمًا لهم. وبالتالي تنهار السيادة.

إن وجود التسامح يرتبط أساسًا، بغياب الديانات القومية، كما لا يلغي وجود الدين المدني، وجود هذه الديانات شريطة أن يتم إفراغها من كل طقوسية وشرائعية، أي أن تصبح مجرد عقيدة روحية لا تتناقض ومبادئ العقد الاجتماعي؛ وواجبات المواطن… يجب أن يطرد من الدولة من يجرؤ أن يقول “لا سلامة خارج الكنيسة”، ما لم تكن الدولة هي الكنيسة، وما لم يكن الأمير هو الحبر، وعقيدة مثل هذه لا تكون صالحة في غير حكومة إلهية، وهي تكون ضارة في كل حكومة أخرى”[8].

خلاصات عامة:

  • إن عدم التسامح، هو لاهوتي بالأساس، لهذا فالقطع مع اللاهوت وتحكمه في السلطة هو بزوغ فجر جديد متسامح.
  • إن إفراغ الدين من شحناته اللاهوتية وتأطيره مدنيا يخدم الدولة والسيادة على حد سواء.
  • لا ينفي روسو وجود الديانات الأخرى ولا الإيمان بها، لكنه ينبذ وجودها الطقوسي والشرائعي.
  • إن التسامح في حرية العقيدة إيمانيا وتقييدها سياسيا، هو أبرز نقيضة في تصور روسو للتسامح.

كتبها: محمد غنام

أستاذ الفلسفة من المغرب. فايسبوك


[1]– جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي، تعريب عادل زعيتر، مؤسسة الأبحاث العربية، لبنان، الطبعة الثانية 2005، ص 200.

[2]– المصدر نفسه، ص 201.

[3]– يؤكد روسو أن المسيحية في جبتها الكاثوليكية اغتصبت العديد من التصورات الدينية الأخرى، لأنها خرجت من المدار الروحي الذي أسسه عيسى إلى المدار السياسي الذي وضعه القساوسة من هنا فرض التعصب نفسه على الوضع السياسي، باعتباره نتيجة حتمية لثقافة الدوغما والإطلاقية.

أما فيما يخص الإسلام يقول روسو: ” وكانت لمحمد أراء صائبة جدا، فقد أحسن وصل نظامه السياسي، وذلك أن ظل شكل حكومته باقيا في عهد خلفائه، فكانت هذه الحكومة واحدة تماما، وصالحة إلى هذا الحد، غير أن العرب أصبحوا موسرين، متعلمين، مثقفين، مترفين، مرتضيين، فأخضعهم البرابرة، وهناك بدأ الانقسام بين السلطتين، وهذا الانقسام، وإن كان أقل ظهورا بين المسلمين مما بين النصارى، موجود على كل حال، و لاسيما في شيعة علي، ويوجد من الدول، كفارس، ما انفك يشعر به فيها ( انظر جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي، تعريب عادل زعيتر، ص 203).

[4]– جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي، تعريب عادل زعيتر، مؤسسة الأبحاث العربية، لبنان، الطبعة الثانية 2005، ص 202.

[5]– (انظر العقد الاجتماعي، تعريب عادل زعيتر، ص 204 – 205). إلى جانب هذا يؤكد روسو أن لكل هذه الديانات مساوئ فدين الكاهن، لا قيمة له ما دام يجعل الإنسان متناقضا يعبد شيئا ويسلك على غرار شيء أخر، أما دين المواطن فرغم صلاحه من حيث جمعه بين العبادة وحب القوانين (أي أنه لا يضرب الوحدة الاجتماعية كما هو الحال في دين الكاهن)، إلا أنه فاسد ما دام يبني شرائعه على طقوس خرافية فاقدة للمعنى، تؤسس للغلو والتعصب، أما دين الإنسان رغم سموه وصفائه إلا أنه غير صالح لأي أمة، ما دام وجود الدولة يفترض وجود الدين لكيلا تصدر القوانين من قوة ليس فيها شيء إلهي.

[6]– جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي، تعريب عادل زعيتر، مؤسسة الأبحاث العربية، لبنان، الطبعة الثانية ، 2005، ص 209-210.

[7]– جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي، تعريب عادل زعيتر، مؤسسة الأبحاث العربية، لبنان، الطبعة الثانية ، 2005، ص 211.

[8]– المصدر نفسه، ص 212.