جمهورية المتظاهرين

تتعدد الدّوافع وراء كلماتنا وأفعالنا وحتّى ردّات أفعالنا، ونعلم جيداً أنّ السبب الأوّل وراء كلّ الدّوافع الحاجات، هناك دوماً شيءٌ يحدث خلف الكواليس ليجعل من المشهد كما نراه، ثمّة رغبةٌ ما أو إحساسٌ دائم في النقص نحتاج ملأه، تماماً كما حينما نسمع كلاماً مثبطّاً عندما ننجز شيئاً ما فقط ليشبع أحدهم نقصاً ما داخله بتقليل أهمية إنجازاتنا.

وهنا من المنطقي أن نسأل، هلّ كلّ ما نقوله ونفعله نكون فعلاً في حاجةٍ لقوله أو فعله؟

وإذا كان الأمر كذلك، فلمَ هناك الكثير ممّن يكلّف نفسه أضعاف أضعاف طاقته ليبدو بمظهرٍ مختلفٍ عن حقيقته، ولماذا جميعنا في أحيانٍ كثيرة نكذب وندّعي؟

ربّما لنبدو أغنى أو أكثر وسامة أو ربّما لنبدو كذاك الذي يدّعي معرفة كلّ شيء – لابد أنّ أحدهم يتواجد في محيطك – وربما لأنّنا أصلاً نعيش ونحن ندور في أفلاك الآخرين، متناسين أنّ علينا بناء فلكنا الشخصي.

من الطبيعيّ أن نعمل دوماً على تلبية احتياجاتنا كونها السبيل الوحيد للوصول للاستقرار والعيش بطمأنينةٍ ورضا، وبهذا نعيش الحياة الحقيقيّة، نمتلئ بها إلى أن تموت داخلنا كلّ الرغبات ولا نفكر إلا في المغادرة بهدوء، إنّها دورة الحياة الطبيعيّة لمن يدرك معنى الحياة ويتقن فن العيش والاحتفاء بكل صغير بسيط عادي.

إنّما هناك ذاك الذي يعيش حياةً شكلية، بهدف إرضاء الآخرين، وتجميل صورته في أعينهم، حياة مزيفة شبه أصلية، وكونهم باتوا يتزايدون بكثرة أحببت أن أطلق عليهم تسمية “جمهورية المتظاهرين”، أولئك المتظاهرين بالمظاهر، يتظاهرون بالدّراسة، فيتظاهر أهلهم بالاهتمام، ثمّ بالنجاح للوصول إلى الشهادة و من ثمّ الوظيفة التي نتظاهر فيها أنّنا نعمل، رغم أنّنا جميعنا نعرف أنّ راتب هذه الوظيفة لا يكفي للعيش لكنّنا نتظاهر.

ليست هذه من مخلّفات التكنولوجيا أو تداعيات التطور، ولم يوجد في التاريخ تمثيلٌ لهذه الظاهرة سوى في الأدب، حيث ظهر في روسيا ما عُرف بالشكلانيّة الروسيّة، مدرسة نقدٍ أدبي تعتمد على التركيز على جمال النص وزينته وتقييّمه بناءً عليهما، فكلّ شيءٍ جيّد بقدر ما يحمل من وزنٍ خاصٍ وقيمةٍ خاصّة بذاته لا يتعلق بشيءٍ آخر، على خلاف ما كان يُعتقد أنّ الجمال في المشهد ككل، فالكلمة تكتسب قيمتها داخل التركيب، كما كانت الصين من السبّاقين إلى هذه الظاهرة، ولكن اجتماعياً ففي عهد ماوتسي تونغ – مؤسس جمهورية الصين الشعبيّة – كان المتحكّمين بأمر البلاد يدشّنون مشاريع وهميّة ويبرزونها للمجتمع الدولي على صفحات المجلات وبلغات عدة لمجرد تقديس المظهر والشكل لنجد فيما بعد أن لا وجود لهذه المشاريع.

تتعدى الشكلانيّة الروسيّة كونها ظاهرةٌ مهمّةٌ في الفكر الجمالي الروسي إلى كونها نظريةً معاصرةً ملّحة بالنسبة لعالم اليوم، حيث كلّ ما حولنا يستخفّ بالمضمون ، ويعيش بحثاً عن المظاهر الخارجيّة فمن غير المهم التأثيرات الداخلية أو ما تخفي الأشياء والكلمات خلفها من معنى، كلّ ما يهمّ أن ترضي الذوق العام والموضة الشائعة لتكون مقبولاً، ولعلّ هذا هو الدافع وراء تقليد الماركات العالمية، وقنوات اليوتيوب التي تعرض مالا يخطر لك على بال ضاربة بعرض الحائط كل قيمة أو عرف، فالمهم فقط هو المشاهدات بغض النظر عن المحتوى ، وإن أردنا الإحاطة بأمثلةٍ مجتمعيّة لربّما لن ننتهي ، من بداية ارتيادنا لمدرسةٍ ما بهدف التظاهر بكوننا من طبقة ما، إلى اختيار التخصص الجامعي المقبول اجتماعياً ، ومن ثم التعنّت لوضع حرفٍ ما قبل اسمنا لنغدو أعلى قيمة، إلى ادّعاءنا قراءة كتب لم نقرأها و وكأنّما نستمد قيمتنا مما نملك أو ما نحمل من شهادات وألقاب وليس ممّا تحمله ذواتنا من قيم وأخلاق و إيمان . وكما نصفها في دمشق باللهجة المحكية “البروظة” مرضٌ خبيثٌ أصاب الحياة ككل، حيث الجميع يرغب بالتميز ويلحّ بكونه مختلف، في بلاد غدا كل ما فيها مفرّغٌ من معناه، فبتنا نعجز عن ملاحظة الجمال في أشدّ الأشياء جمالاً، لأنّ القالب أصبح المنتصر دائماً على حساب المضمون، ولكن هل هي فعلاً كذلك أم أنّ انتصار القالب انتصارٌ للجمال برمّته؟

كتبتها: ولاء متاعة

فايسبوك لينكدإن