فيلسوف العلم

لم يكن فيلسوف العلم فرانسيس بيكون-Francis Bacon (1561-1626) نفسه باحثًا. كان في نفس عمر جاليليو تقريبًا، وتلقى تعليمه في كلية ترينيتي، كامبريدج، وغريز إن، وتابع حياته المهنية في نقابة المحامين ومجلس العموم. حصل على لقب فارس من قبل جيمس الأول عند توليه الحكم عام 1603، وأصبح النائب العام. عام 1605، كتب أول كتابات فلسفية رئيسية: “تقدم التعليم”، وهو تصنيف مفصل لجميع العلوم الممكنة. وفي عام 1620 نشر ثاني أعماله الرئيسية: Novum Organum، الذي كان من المفترض أن يكون جزءًا من مشروع ضخم يدعى Instauratio Magna، يحوي كل معرفة مقاطعته. عام 1621، بعد خضوعه لتحقيق برلماني، أقر بالذنب في تهم الرشوة، وطرد من المحكمة وسجن مؤقتًا. مات في هايغيت عام 1626، من نزلة برد، كما قيل، بينما كان يبرد دجاجة بالثلج من أجل ملاحظة تأثير البرد على حفظ اللحوم.

غالبًا ما يُنسب إلى بيكون كونه الأول في تقليد فكري يُعرف باسم التجريبية البريطانية-British empiricism، ويشتهر بالرأي القائل بأن كل المعرفة يجب أن تأتي في النهاية من التجربة الحسية. لقد ولد في وقت كان هناك تحول من انشغال عصر النهضة بالإنجازات المعاد اكتشافها للعالم القديم نحو نهج أكثر علمية للمعرفة. كان هناك بالفعل بعض الأعمال المبتكرة لعلماء عصر النهضة مثل عالم الفلك نيكولاس كوبرنيكوس وعالم التشريح أندرياس فيزاليوس، ولكن هذه الفترة الجديدة- التي تسمى أحيانًا الثورة العلمية- أنتجت عددًا مذهلاً من المفكرين العلميين، بما في ذلك جاليليو جاليلي وويليام هارفي وروبرت بويل وروبرت هوك واسحق نيوتن.

على الرغم من أن الكنيسة رحبت على نطاق واسع بالعلم في معظم فترة العصور الوسطى، إلا أن ذلك توقف بسبب صعود المعارضة لسلطة الفاتيكان خلال عصر النهضة. كان العديد من الإصلاحيين الدينيين، مثل مارتن لوثر، قد اشتكوا من أن الكنيسة كانت متساهلة للغاية في مواجهة التحديات العلمية لروايات العالم القائمة على الكتاب المقدس. رداً على ذلك، غيرت الكنيسة الكاثوليكية، التي كانت قد فقدت بالفعل أتباعها لشكل لوثر الجديد من المسيحية، موقفها وانقلبت ضد المساعي العلمية. هذه المعارضة، من كلا جانبي الانقسام الديني، أعاقت تطور العلوم.

 يدعي بيكون قبول تعاليم الكنيسة المسيحية. لكنه يجادل أيضًا بضرورة فصل العلم عن الدين، من أجل جعل اكتساب المعرفة أسرع وأسهل، بحيث يمكن استخدامها لتحسين نوعية حياة الناس. يؤكد بيكون على هذا الدور التحويلي للعلم، وتتمثل إحدى شكواه في أن قدرة العلم على تعزيز الوجود البشري قد تم تجاهلها سابقًا، لصالح التركيز على المجد الأكاديمي والشخصي.

يقدم بيكون قائمة بالحواجز النفسية التي تحول دون متابعة المعرفة العلمية من حيث يطلق عليها بشكل جماعي “أصنام العقل”. ومنها “أصنام القبيلة”: أي نزوع البشر كنوع (أو “قبيلة”) إلى التعميم، و”أصنام الكهف”، الميل البشري لفرض مفاهيم مسبقة على الطبيعة بدلاً من رؤية ما هو موجود بالفعل، و”أصنام السوق”: ميلنا إلى السماح للأعراف الاجتماعية بتشويه تجربتنا، و”أصنام المسرح”: التأثير المشوه للعقيدة الفلسفية والعلمية السائدة سواء كانت سفسطائية مثل أرسطو، أو تجريبية بشكل مفرط مثل تلك التي قام بها ويليام جيلبرت (مكتشف القطب المغناطيسي). يجب على العالم، وفقًا لبيكون، محاربة كل هذه المعوقات لاكتساب المعرفة بالعالم.

المنهج العلمي

قسم بيكون العقل إلى ثلاث كليات: الذاكرة، والخيال، والعقل. لكل منها مجال تعليمي: التاريخ، والشعر، والفلسفة. التاريخ لا يشمل فقط “التاريخ المدني”، الذي ساهم فيه بيكون بتأريخ حكم هنري السابع، ولكن أيضًا “التاريخ الطبيعي”، الذي ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، أحدها يعالج المسار المعتاد للطبيعة، والثاني الشواذ الغير عادية، والثالث التكنولوجيا. ساهم بيكون نفسه في التاريخ الطبيعي في مجموعتين من الأبحاث: تاريخ الرياح، وتاريخ الحياة والموت. فيما يصف “الشعر”، على غرار “صنعة الشعر” لأرسطو، بأنه “تاريخ مصطنع”: فهو يشمل النثر وكذلك الشعر الموزون. قد يكون الشعر سرديًا أو دراميًا أو احتماليًا، وهذا النوع الأخير يتضح في أساطير إيسوب. أخيرًا، نأتي إلى الفلسفة، التي تشكل أقسامها وتصنيفاتها الموضوع الرئيسي في “تقدم التعليم”.

تنقسم الفلسفة إلى ثلاثة أقسام. الأولى هي الفلسفة الإلهية، والتي يطلق عليها الآخرون اللاهوت الطبيعي، والتي يتعامل معها بيكون بطريقة عابرة. والاثنان الآخران هما الفلسفة الطبيعية والفلسفة الإنسانية، اللتان يناقشهما بمزيد من التفصيل. هذه الفروع الثلاثة هي فروع شجرة يكون جذعها الفلسفة الأولى، وهو النظام الذي أطلق عليه الآخرون (وليس بيكون) الميتافيزيقيا. الميتافيزيقيا، بالنسبة لبيكون نفسه، هي جزء من الفلسفة الطبيعية التأملية، الجزء الذي يتعامل مع الأسباب الشكلية والنهائية، بينما الجزء الآخر، الفيزياء، يتعامل مع الأسباب الفعالة والمادية. إلى جانب الفلسفة الطبيعية التأملية، هناك فلسفة طبيعية فعالة، تتحدث تقريبًا عن التكنولوجيا، والتي تنقسم أيضًا إلى ميكانيكا وسحر؛ الميكانيكا هو تطبيق لممارسة الفيزياء، والسحر هو تطبيق للميتافيزيقا.

كلمة “سحر” هنا مضللة جدًا. يخبرنا بيكون أنه يجب تمييز السحر الطبيعي بشكل قاطع عن “الأوهام الساذجة والخرافية” للخيمياء وعلم التنجيم. علاوة على ذلك، على الرغم من أنه التطبيق العملي للميتافيزيقا، فإن السحر الطبيعي لا يستخدم بشكل حقيقي العلة النهائية.

 وعندما يتحدث بيكون عن “النماذج” يخبرنا أنه يعني القوانين: فنموذج الحرارة أو شكل الضوء هو نفس الشيء مثل قانون الحرارة أو قانون الضوء. النماذج التي هي الأبجدية في عالم بيكون هي أحرف غامضة مقارنة بالأشكال والرموز الرياضية لأبجدية غاليليو العالمية. ومن نقاط الضعف المنهجية لفلسفة بيكون في العلوم أنه يقلل من أهمية الرياضيات؛ ففي تصنيفها يبدو أنها مجرد ملحق للفلسفة الطبيعية.

يتوافق الجزء الكبير الآخر للفلسفة، الفلسفة الإنسانية، مع علم التشريح وعلم النفس وما يمكن أن يسمى الآن العلوم الاجتماعية. يظهر المنطق والأخلاق كفروع من فروع علم النفس، في خلط طائش بين التخصصات المعيارية والعلوم التجريبية. والنظرية السياسية هي جزء من الفلسفة المدنية، ذلك الفرع من الفلسفة الذي يهتم بالفوائد التي يجنيها الإنسان من العيش في المجتمع.

في كتابه “تقدم التعليم”، لاحظ بيكون أن المنطق الحالي غير مناسب لأنه يفتقر إلى نظرية الاكتشاف العلمي. وسعى لمعالجة هذا النقص من خلال كتابه Novum Organum، المصمم، كما يشير عنوانه، ليحل محل المنطق الأرسطي، واستبداله بشيء مختلف وأكثر فائدة.

المنفعة، في الواقع، بالنسبة لبيكون الهدف الرئيسي للعلم. الغرض من التحقيق هو بسط قوة الجنس البشري على الطبيعة. لن ينتج عن القياس المنطقي مفاهيم جديدة أو توسيع المعرفة. ما نحتاجه هو الاستقراء – ليس التعميم المتسرع من عدم كفاية أخذ العينات من الطبيعة، ولكن إجراء مخطط بعناية، يتصاعد تدريجياً من حالات معينة إلى بديهيات ذات عمومية متزايدة تدريجياً. يقول بيكون أن تقدم العلم يعتمد على صياغة قوانين ذات عمومية متزايدة باستمرار، ويقترح طريقة علمية تتضمن تنوعًا في هذا النهج. بدلاً من إجراء سلسلة من الملاحظات، مثل حالات المعادن التي تتمدد عند تسخينها، ثم استنتاج أن الحرارة يجب أن تتسبب في تمدد جميع المعادن، يشدد على الحاجة إلى اختبار نظرية جديدة من خلال الاستمرار في البحث عن حالات سلبية – مثل المعادن لا تتمدد عند تسخينها.

الاستقراء هو البحث عن الأشكال الخفية للأشياء، ويجب أن يبدأ بتسجيل دقيق ومنتظم للملاحظات. إذا أردنا، على سبيل المثال، اكتشاف أشكال للحرارة، يجب أن نضع جدولاً بحالات الحرارة الظاهرة (مثل أشعة الشمس، والنار)، والحرارة الغائبة (على سبيل المثال أشعة القمر)، والحالات التي تتواجد فيها بدرجات مختلفة (على سبيل المثال في الحيوانات في أوقات مختلفة وفي ظروف مختلفة). عندما نقارن الجداول، سنكتشف ما هو موجود دائمًا عند وجود الحرارة، وما هو الغائب، وما يختلف بالنسبة لوجودها.

سخر ماكولاي، الذي كان بخلاف ذلك معجبًا كبيرًا بفلسفة بيكون، من طريقته الاستقرائية باعتبارها منطقًا فطريًا، مثل رجل تناول نوعًا جديدًا من الطعام ولم يستطع النوم من ألم معدته، فاستنتج أنه الطعام الجديد وليس أي نوع آخر تناوله على فترة طويلة ولم يسبب له أي مشكلة.

ما فشل ماكولاي في إدراكه هو أن أهم خطوة في طريقة بيكون هي استخدام الجداول لاستبعاد العديد من الفرضيات. الحالات السلبية أكثر أهمية في عملية وضع القوانين من الحالات الإيجابية. لقد قيل إن بيكون كان أول شخص يشير إلى أن قوانين الطبيعة لا يمكن التحقق منها بشكل قاطع، ولكن يمكن نقضها بشكل قاطع.

أثره

في عصر ركز بشكل مفرط على قوة العبقرية الفردية، كان بيكون من أوائل من أدركوا أن العلوم الطبيعية لا يمكن أن تحقق تقدمًا إلا من خلال الجهود التعاونية. يصور في “نيو أتلانتس”، التي تركها غير منتهية بعد وفاته، جزيرة تحتوي على معهد يعرف باسم “منزل سليمان”، والذي تبين أنه مؤسسة بحثية، تعمل -ضمن أمور عدة- على ابتكار الهواتف والغواصات والطائرات. ويصف رئيس المؤسسة الغرض منها على النحو التالي:

“هدف مؤسستنا هو معرفة الأسباب، والحركات السرية للأشياء، وتوسيع حدود الإمبراطورية البشرية، لتستحوذ على كل الأشياء الممكنة”.

يلخص هذا وجهة نظر بيكون لطبيعة وهدف العلم. وكانت رؤية قبلها مواطنوه الذين أسسوا بعد خمسة وثلاثين عامًا الجمعية الملكية العلمية.