التصنيفات
الابيستمولوجيا

تبرير معتقداتك أصعب مما تظن

عن نظرية التماسك التي تؤمن أن الاستدلال الدائري هو أفضل ما يمكن أن نستعين به لتبرير معتقداتنا

  • التبرير المعرفي-Epistemic justification هو مجال الفلسفة الذي يسأل: ما الذي يعتبر كافياً لتبرير اعتقاد ما؟
  • نظرية التماسك-Coherentism  هي النظرية التي تنص على أن الاعتقاد له ما يبرره بقدر ما يتماسك أو يتماشى مع معتقداتنا الأخرى.
  • هي نظرية رائعة لايضاح العلل في أطروحات الآخرين، ولكنها انتقدت لسماحها بالتعليل الدائري.

يمكن للأطفال أن يصبحوا مزعجين عبر الكثير من الطرق. يتركون مكعبات ليغو على السجادة، ويسكبون العصير على الكمبيوتر المحمول، ويشغلون الأغاني نفسها مرارًا وتكرارًا. ولكن واحدة من أكثر الحيل التي يمارسونها إثارة للغضب هي الاستخدام التقليدي لـ “لماذا؟”:

“حان الوقت للذهاب إلى الفراش الآن.” – لماذا؟ – “لأنه وقت نومك”. – لماذا؟ – “لأنه عليك الحصول على قسط كافٍ من النوم.” – لماذا؟ – “وإلا ستشعر بالنعاس غدًا.” – لماذا؟ – “لأن الأطفال يحتاجون إلى الكثير من النوم”. – لماذا؟ – “انظر، اذهب إلى الفراش لأنني قلت ذلك!”

وهذا ما يتكرر في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن بعض الناس، مثل الفلاسفة، لا يخرجون من هذه المرحلة أبدًا. غالبًا ما يُركزون على الأسباب التي نقدمها حول الأمور. يريدون معرفة سبب تصديقنا للأشياء التي نقوم بها، وأين نرسم الخط، ولماذا نقول أن كذا وكذا كافٍ لتبرير اعتقاد ما.

نحن جميعًا، بصدق، نحب فكرة أن معتقداتنا مبررة بالمنطق السليم والحجة. في حين أننا قد لا نعرف دائمًا أسباب معتقداتنا، فإننا على الأقل نفترض أنه يمكننا الدفاع عنها أو إيجاد تلك الأسباب إذا طُلب منا القيام بذلك. ومع ذلك، تكمن المشكلة في أن معتقداتنا قد تكون أكثر صعوبة في تبريرها مما كنا نظن.

البنية العقلية

هناك فرع من الفلسفة يهتم تحديدًا بكيفية تبرير معتقداتنا. الشغل الشاغل لـ “التبرير المعرفي-epistemic justification” هو تحديد ما يعتبر سببًا جيدًا للاعتقاد بشيء ما وكيف نتوصل إلى هذه الأسباب. في حين أن هناك مجموعة متنوعة من النظريات المختلفة، تُعرف واحدة من أكبرها باسم “نظرية التماسك”.

على الرغم من أن أشخاصًا مثل سي. أيه. لويس وأيه. سي. إيوينج مهدوا الطريق، إلا أن الفيلسوف لورانس بونجور طور ما يمكن القول أنه أكثر تفسير شامل لنظرية التماسك. التماسك هو نظرية تسويغ تؤكد أن أي اعتقاد مبرر إذا، وفقط إذا كان، هذا الاعتقاد متماسكًا (أي متسقًا منطقيًا) مع معتقدات المرء الأخرى. إنه يرى المعتقدات على أنها مؤطرة ومضمنة في شبكة أوسع من المعتقدات، والمعروفة كبنيتنا العقلية.

على سبيل المثال، الاعتقاد بأن “الأرانب ثدييات” له ما يبرره إذا اعتقدت أيضًا أن “الثدييات تلد صغارًا” و “الأرانب تلد صغارًا”. على العكس من ذلك، فإن اعتقادي بأن “قتل الحيوانات أمر خاطئ دائمًا” سيكون غير مبرر إذا اعتقدت أيضًا أن “إطلاق النار على الطيور في عطلة نهاية الأسبوع أمر جيد”.

بلوتو ليس كوكبًا

بشكل عام، يعتبر الاعتقاد مبررًا إلى حد ما على أساس مدى توافقه مع معتقداتي الأخرى. لذلك، قد نقول أن إيماني بالذرات له ما يبرره جيدًا إلى حد ما لأنه يترابط مع شبكة كاملة من المعتقدات المترابطة حول العالم. ومع ذلك، فإن اعتقادي بأن بلوتو هو كوكب من المحتمل أن يكون له صلات أقل ببنيتي العقلية. علاوة على ذلك، “لأن رجلاً من ناسا قال ذلك” هو تبرير ضعيف.

السبب وراء شعبية التماسك هو أن معظمنا يتحدى وجهات نظر بعضنا البعض أو يناقشها. نحاول ثني شخص ما عن معتقده من خلال الإشارة إلى التناقضات في موقفه.

على سبيل المثال، قد يقول شخص ما: “كيف يمكنك أن تكون نباتيًا عندما ترتدي الجلد ؟!” أو: “أنت تقول إنك من دعاة السلام، لكنك ضربت هذا الرجل للتو!” أو ربما: “هل أنت متأكد أنك تحبها إذا كنت تخونها؟” ينجح التماسك عن طريق تحدي المعتقدات غير المنطقية أو غير المدعومة (ويشار إليها باسم “التماسك السلبي”، حيث يتم تبرير المعتقدات حتى تثبت إدانتها).

الاستدلال الدائري رائع لأني قلت ذلك

التماسك هو نظرية “داخلية”. هذا فقط للقول أن الاعتقاد المبرر لا يعتمد على حالة فعلية خارجة عن المُعتقد، على سبيل المثال (من حالتنا أعلاه)، الوجود الفعلي للأرانب. يتعلق فقط بالاتساق الداخلي في وجهات نظر المرء.

المشكلة أن التماسك قد تم انتقاده على أساس هذه الأسس الداخلية. إذا كان من الممكن تبرير اعتقادنا بالأشياء على أساس عدم وجود سلطة أخرى غير معتقداتي، فهذا يسمح بإمكانية وجود أي معتقدات غريبة. لنفترض، على سبيل المثال، أنني اعتقدت أن “جاري فضائي”. سيكون هذا مبررًا في ظل التماسك إذا اعتقدت أيضًا أن “الفضائيون يعيشون بيننا” ، و”الفضائيون يرمي القمامة”، و “جاري يرمي القمامة”.

الأمر الأكثر إلحاحًا اليوم هو أن نظريات المؤامرة تحب الأرض الخصبة لنظام التبرير الداخلي. إن منكري الهولوكوست لديهم مسوغ إذا اعتقدوا أن جميع المؤرخين “السائدين” هم عملاء أو كاذبون. يكون لمناهضي اللقاح مبرر إذا كانوا يعتقدون أن “شركات الأدوية الكبرى” وحكوماتنا تعمل بشكل متبادل لإلحاق الضرر بنا. هناك ما يبرر مؤامرة أحداث 11 سبتمبر إذا أعتقد مؤيدوها أن طائرات بوينج 767 لا يمكنها إسقاط ناطحات السحاب. يمكن أن تدعم معتقدات المراوغة بعضها البعض، ومن الصعب أن نرى كيف يمكن للتماسك أن يفلترها إذا كانت البنية العقلية بأكملها مراوغة.

تعلم أن تتوقف عن القلق وتحب التفكير الدائري

باختصار، نظرية التماسك هي وجهة نظر تعتمد على التفكير الدائري. إنها تفعل ذلك عن قصد لأن البدائل سيئة، إن لم تكن أسوأ. ما هي الأسس الأخرى التي يمكن أن تكون لدينا لتبرير معتقداتنا؟ في نهاية اليوم، ماذا يمكن لأي منا أن يقول لهذا الطفل المزعج الذي يطرح “لماذا؟” مرارًا وتكرارًا سوا الرد بغضب: “اذهب إلى الفراش وخلصني”؟ أين يتوقف قطار التبرير في الواقع؟

كتبها:

Jonny Thomson

مدرس للفسفة بجامعة أوكسفورد. ينشر مواضيع مفتاحية على انستغرام.  وكتابه الأول Mini Philosophy: A Small Book of Big Ideas.

ظهرت هذه المقالة على موقع Big Think  وقد نشرت هنا بترخيص منهم.