التصنيفات
فنون ثقافة

بيع الصدمة

عن المسلسلات السورية في الموسم الأول بعد سقوط النظام

شاهدت قبل رمضان فيلم “كنت غريباً” بسبب مقطع على انستغرام يظهر فيه حاجز للنظام أمام لوحة كتب عليها أعزاز، وهي حيث سكنت مدة من الزمن أثناء الثورة. أنتج الفلم عام 2024 وأخرجته مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي من طي النسيان إلى دائرة الضوء بعد سقوط النظام. يظهر في بداية الفلم فارس الحلو وهو يدخل مشفى يتعرض لقصف الطائرات حاملاً مدنياً مصاباً، ومرتدياً زي الخوذ البيضاء الكامل. لقد دخل الحلو المشهد من طرف، وفي الطرف الآخر، وفي ذات المشفى، كنا نشاهد فرقة من جنود النظام ينتظرون علاج “معلمهم” المصاب. هذا المشهد، بكل المقاييس، مستحيل عملياً. لم يكتفِ نظام الأسد بمعارضة الخوذ البيضاء، بل صنّفها منظمة إرهابية، وأعطى الأولوية للقضاء عليها على حساب الفصائل المسلحة. إن فكرة دخول متطوع من الخوذ البيضاء إلى مستشفى عسكري تابع للنظام – يعالج جندياً جريحاً – دون أن يُعتقل أو يُقتل فوراً، لا تمثل حرية درامية، وإنما قصوراً جوهرياً في البحث، وفراغاً كان ينبغي أن يملأه التحري.

ومع ذلك، فإن المشهد موجود. إنه على الشاشة. شاهده الناس.

وما يليه في الفيلم يزيد الأمر تعقيداً. تتحدث طبيبة بلكنة أردنية في حفل عيد ميلاد في حلب المحاصرة، حيث تُزيّن المائدة بالجاتو والكبة المقلية. ولا يهتف جنود النظام “بالروح، بالدم نفديك يا بشار”، بل يهتفون بالبديل المُحيّر “عاشت سوريا موحدة”، وهي عبارة لم يمنطق بها أحد يوماً، ولا تخرج سوى مما قد يتخيله كاتب سيناريو سويدي عندما تنفد أفكاره. ينطلق ضابط مخابرات وحيداً في مركبة مُدرّعة من طراز أمريكي، نحو حاجز خلفه لوحة الطريق كُتب عليها “أعزاز” بينما المشهد يبدو أردنياً بوضوح. والشخص الذي يُهرب السوريين من مخيم لاجئين في تركيا إلى أوروبا، وبشكل عشوائي يكاد يكون ساخراً، هو مهاجر أفريقي يعمل بمفرده.

بالنسبة لمن لم يعش الحرب السورية، قد تبدو هذه مجرد أخطاء بسيطة، أضرار جانبية مقبولة في الدراما. بالنسبة للسوريين، يُحدث الفيلم أثراً أكثر تدميراً. ينتزع واقعهم ويستبدله بحبكةٍ من صنع شخصٍ شاهد الكثير من مقاطع الفيديو على تيك توك عن سوريا، واستوعب مضمونها العاطفي دون أن يُدرك حقيقتها. يتحدث الممثلون العربية وكأن الكلمات موضوعة على ألسنتهم وعالقة بين أسنانهم، غير راغبة في الخروج بانسيابية. التشويق مُصطنع، مُغلّف مسبقاً، مُصمّم خصيصاً لصنع لقطات مناسبة لوسائل التواصل. ما يشعر به من نجوا مما يدّعي هذا الفيلم تصويره، هو تجربة سرقة قصتهم ثم إعادتها إليهم، بشكلٍ خاطئ، من قِبل شخصٍ يتوقع منهم الامتنان.

هذا هو الاستفزاز الذي يُخيّم على موسم رمضان 2026. لأن الحقيقة المُزعجة أن الفلم الغربي ليس وحيداً تماماً، وبعض ما أنتجته الدراما السورية هذا الموسم مُذنبٌ بنسخةٍ من جريمة خطف السردية ذاتها، إلى جانب شهوة تصوير الدراما لفيديوهات وسائل التواصل عوضاً عن الحلقات المتماسكة.

إنتو السبب!

يبدأ مسلسل مولانا بدايةً واعدةً قبل أن يفقد بريقه تدريجياً. جابر رجلٌ هاربٌ من جريمةٍ ارتكبها، ويتقاطع مساره بطريقة صوفية مع غريبٍ يُدعى سليم العادل، مسافرٍ إلى قرية العادلية الحدودية. يموت سليم وسائق التاكسي في حادث سير. ينجو جابر، وبدافع اليأس الشديد لرجلٍ لم يعد لديه ما يخسره ولا اسمٌ آمنٌ يستخدمه، يُقرّر أن يُصبح سليم. يصل إلى القرية ليكتشف أن عودة سليم قد تنبأ بها التاريخ، وأن القرية كانت تنتظر، بصبرٍ خاصٍّ كصبر أهلٍ لم يكن لديهم ما يفعلونه سوى الانتظار، عودة أحد أحفاد الجد العارف بالله سليم ليُعيد ما سلبه الجيش: الأرض، وسبل العيش، وأشجار الزيتون التي تتعفن ثمارها على الأرض بسبب حقول الألغام المزروعة بينها والتي تجعل الحصاد مستحيلاً، والشباب الذين لا مفر لهم من التجنيد إلا بالفرار المحفوف بالمخاطر عبر حقول الألغام ذاتها نحو الحدود ليلاً.

يصبح جابر، الذي ليس سليم ولم يكن يوماً مهماً، مولانا.

أداء تيم حسن في هذا الدور مبالغ فيه حد السأم. من تلاوته المستفزة للقرآن في البداية، لسخريته من بشار الأسد قرب النهاية، وكل حركات الشيوخ المصطنعة فيما بينهما. الواضح من أداءه أن هدفه نشر مفرداته على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ليس ذنب تيم حسن فقط، فالكثير من مشاهد تبدو مرغمة في القصة ومفصولة عن سياقها، وكأن الهدف منها وسائل التواصل فقط.

مع ذلك يبدو أن الهدف الرئيسي للكُتّاب يوسف م. الشرقاوي، وباسل الفاعور، وكفاح زيني، هو، كما أشار سامر محمد إسماعيل، الاستلهام من كتاب غوستاف لوبون “سيكولوجية الجماهير” الصادر سنة 1895، والذي جادل بأن الفرد الذي ينضم إلى جمهورٍ ما يكتسب سماتٍ لم تكن لديه من قبل، وأنّ المُؤمن المُتحمّس لا يُدرك ما تنازل عنه إلا بعد فترةٍ طويلة من زوال غيبوبة الإيمان. فكرة الزعيم الروحي، المنقذ القادم من الخارج والمُفعم برغبات المجتمع المتراكمة ثرية وملحة، لا سيما بالنسبة لبلد خرج لتوه من عقود من حكم عبادة الشخصية البعثية، ويتساءل الآن، في عام ٢٠٢٦، عما تم غرسه فيه من عبادة، وهل بإمكانه التوقف عن ذلك.

لكن هنا تحديداً يخون مولانا فرضيته.

العقيد، الذي يؤدي دوره فارس الحلو، هو الخصم الممثل للنظام، وشخصيته المستوحاة من الرسوم المتحركة وهي تراقب القرية من خلال منظار. يجسد العقيد التهديد الاستبدادي بطريقة واضحة ومُعلنة تُملي على المشاهدين مشاعرهم في كل لحظة، ولا تتطلب منهم أي مشاعر أكثر تعقيداً. الرمزية، التي يستخدمها المسلسل كعلم يُلوّح به مراراً وتكراراً للتأكد من انتباهك إليه، تُصبح عدواً للدراما. ثكنات الجيش هي سلطة نظام الأسد. مولانا هو الثوار. صفقة الأسلحة، بيع الزيت لشراء الأسلحة، وإزالة الألغام، واستعادة حصاد الزيتون، هي مسار الثورة مكتوب بلغة المجاز، لكنه مجاز سطحي كشخص قضى وقته في فنادق دمشق أو بيروت بعيداً عن أخبار الثورة والمعارضة، فيصير المجاز سلسلة من النتائج المُحددة مسبقاً مُغلّفة بعباءة درامية. تتضح سطحية الاطلاع على الثورة ومسبباتها في مشهد يعترف فيه جابر لشهلة بسبب كذبه ورغبته في البقاء، بأنه تعرض للتعذيب ويود الانتقام من النظام ككل. قد يكون ذلك صحيحاً في حال بعض الأفراد، لكن تعميمه كمبرر رمزي للثورة فهم خاطئ وقاصر لقيامها ومسبباتها.

هناك لحظةٌ قرب منتصف الموسم حيث يبدو الصلح بين العقيد وجابر نهائياً، ومستحقاً، وكأن المسلسل قد وصل إلى النهاية الصادقة لمساره الرمزي. لكن السيناريو لا يثق بهذه النهاية. يُعيد إحياء الصراع، ويُشعل فتيل الأحداث، ويستمر المسلسل، لكن في هذا الاستمرار، يبدو أن شيئاً ما قد استُنفد. لقد اختفى عنصر المفاجأة، وتبيّن أن الرمز مجرد رمز.

في مقابل مولانا، ينطلق مسلسل “مطبخ المدينة” من منظور مختلف، ويكاد يُقدّم حجةً مضادةً حول ما ينبغي أن تُقدّمه الدراما السورية في عام 2026. يتناول المسلسل، من تأليف علي وجيه وسيف رضا حامد وإخراج رشا شربتجي، الجروح التي تُخلّفها الحرب في أعماق النفس البشرية.

تدير عائلة كامل مطعماً في دمشق، ورثه الأب طلحت بعد رحيل مالكه الأصلي. يتنقل المسلسل بين خطين زمنيين: الحاضر في عام 2024، في الأشهر التي سبقت انهيار النظام، وماضٍ يعود إلى اثنتي عشرة سنة مضت، حين فقدت العائلة ابنتها الوحيدة في مدينة ملاهي. فقد الأخ الأكبر أخته ولم يتعافَ بعد، إذ يُعاني من اضطراب في النطق، وهشاشة في الذات، وتراجع نفسي ومهني ولمكانته ضمن التسلسل الهرمي للعائلة.

الحرب، في هذا المسلسل، هي العامل الحاسم الذي زعزع البنية الأخلاقية للعائلة من الداخل. يشهد الابن الأكبر زوراً في قصر العدل مقابل المال، ويعمل سراً كضابط أمن مزيف يبتزّ محلات دمشق من داخل سيارة أمنية حقيقية يملكها عنصر حقيقي يتقاسم معه الغنائم. أما الابن الأوسط، شجاع، الذي يؤدي دوره مكسيم خليل، فيسرق السيارات، وهي عادة اكتسبها من مشاهدته للجيش ينهب ضواحي دمشق أثناء الخدمة العسكرية الإلزامية، ليجد في تلك المشاهدة، في مكان ما، إذناً لم يستطع سحبه قط. الابن الأصغر يتلقى العلاج النفسي، وهو، في الحلقات الأولى، العضو الوحيد في العائلة الذي لم يستسلم بعد.

الأب لا يعلم شيئاً عن كل هذا. ما يعرفه الأب هو أن ابنته ربما لا تزال على قيد الحياة، ربما تكون قد انضمت إلى إحدى شبكات التسول التي كانت تُنظم نفسها بكفاءة لافتة في دمشق زمن الحرب. يُوزّع سندويشات الحمص على أطفال الشوارع كل صباح، باحثاً عن ملامح وجه ابنته.

ويتجاوز مسلسل “مطبخ المدينة” نطاق الأسرة ليشمل شبكات التسول، حيث يدير دياب (فادي صبيح) وزوجته نورا عملية تسول منظم تشبه رواية البؤساء.

مرة أخرى، فكرة مسلسل مطبخ المدينة الرئيسية جيدة، إلا أن استخدام مدينة الملاهي، وإيحاء السيرك والغجر، كمركز للمتسولين يبدو كخلفية فيلم هوليوودي أكثر منه سوري. يمكن إرجاع نجاح مسيرة رشا شربتجي جزيئًا، ونجاح العديد من المسلسلات السورية، لاعتمادها على البيئة الشعبية بدق في مسلسلاتها السابقة؛ كانت قريبة من الناس، وتصور أبناء الريف في قراهم، والطبقة المعدمة في أحياء دمشقية عشوائية تعكس ذلك الواقع. تعاني العديد من أحياء دمشق اليوم من الدمار والإهمال، وكان بالإمكان أن تشكل موقعاً أكثر مصداقية للمشردين، عوضاً عن المخيلة الأجنبية. يستلهم المسلسل من هذه المخيلة أيضاً عيادة الطبيب النفسي، والعرض الكوميدي، والعلاقات الاجتماعية بين الأحبة. في فلم “كنت غريباً” يبدو أن الكلمات وضعت على ألسنة الممثلين. في مطبخ المدينة يبدو أنهم يرتدون عادات لا تناسبهم فيمثلون وكأن الملابس تسبب لهم حكة وعدم راحة.

ليس من الصعب تحديد هذه المشاهد في موسم 2026. إنها المشاهد التي يتغير فيها الإيقاع، حيث يضيق نطاق المونتاج، وحيث تجد الكاميرا زاويةً لا تُعنى بالسرد بقدر ما تُعنى بالاستخلاص – الزاوية التي تُجدي نفعاً عندما يُقتطع المشهد إلى مستطيلٍ رأسي ويُجرّد من سياقه. أصبح عجز تيم حسن عن نطق حرف “جيم” في اسم مولانا موضوعاً رائجاً على مواقع التواصل الاجتماعي منذ الحلقة الأولى، ويُقدّم هذا في كثير من التغطيات كدليل على الصدى الثقافي للمسلسل، وتغلغله في النقاش العام. لكن ثمة فرقٌ جديرٌ بالتوضيح بين تفصيلٍ يكتسب صدىً ثقافياً لأنه صادقٌ ومُستحقٌ ضمن سياقه الدرامي، وتفصيلٍ صُمّم منذ البداية ليكون قابلاً للاستخلاص، ليؤدي وظيفة مقطعٍ قصير، لينتشر.

هذا الفرق جوهريٌ لأن منطق المقطع القصير يُناقض منطق الدراما. فالدراما تتطلب مدةً. يتطلب الأمر تراكم السياق، وبناء عالم تدريجياً، حيث يعتمد معنى أي لحظة فيه على كل ما سبقها. أما المقطع القصير فيتطلب عكس ذلك: لحظة ذات كثافة عاطفية كافية لإحداث تأثيرها بمعزل عن السياق، منفصلة عن العالم الذي يُفترض أنها أنتجتها. عندما يُصمم عمل فني لإنتاج مقاطع قصيرة فإن الدراما تُستعمر بمتطلبات وسيط مختلف، والنتيجة شيء يشبه الدراما كما يشبه الملخص الرواية.

موسم 2026 مليء بهذه اللحظات. العقيد يراقب من خلال منظاره في مولانا، مشهد مُبالغ فيه مسرحياً لا يخدم أي غرض في الدراما. وتقليد بشار الأسد الذي اكتسب رواجاً ليس لأنه يُسلط الضوء على سيكولوجية ديكتاتور، بل لأنه كان مضحكاً وغريباً وسهل الاستخلاص. المواجهات العاطفية في مختلف الدراما العائلية، التي تبلغ ذروتها في اللحظة المناسبة تماماً -صفعة، كشف، انهيار في البكاء- والتي تُكافئها الخوارزميات، وتأتي إلى تلك اللحظة دون التمهيد الدرامي الذي كان سيجعلها مدمرة حقاً بدلاً من مجرد كونها شديدة التأثير.

يدرك والتر بنيامين هذا على أنه تدمير للتجربة في شكل جديد. رأيه، في مقالته “حول بعض الدوافع لدى بودلير”، هي أن الحداثة تُنتج نوعاً جديداً من فقر التجربة. ليس فقر انعدامها، ولكن فقر وفرة المحفزات دون القدرة على دمجها، وتحويلها إلى ما أسماه “إرفاهرونغ“، أي التجربة المتراكمة العميقة التي تُعد شرطاً أساسياً للسرد القصصي الحقيقي. في تضاد مع “إرليبنيس“، أي تجربة الصدمة المعزولة التي لا تترك أثراً. مقطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي هو “إرليبنيس” خالص: مكثف، فوري، مكتفٍ بذاته، وبلا عواقب. الدراما التي تُنتجه قد تصالحت مع شكل من أشكال الاهتمام كان بنيامين ليصفه بأنه تصفية للسرد القصصي نفسه.

يتجاوز عمل الكتّاب الذين يبنون مشاهد تيك توك على الحسابات التجارية، إلى تبني نظريةً حول غاية الدراما، نظريةً تُعرّف الدراما بأنها إنتاج لحظات عاطفية قابلة للمشاركة، لا بناء عالم تتجلى فيه حقيقة التجربة الإنسانية. هاتان النظريتان متناقضتان. لا يمكنك كتابة مشهد يكتسب قوته العاطفية بصدق من خلال تراكم الأحداث الدرامية، وفي الوقت نفسه كتابته ليكون مقطعاً مدته خمس عشرة ثانية، تماماً كما لا يمكنك قول الحقيقة وتحقيق التفاعل الأمثل في آنٍ واحد، لأن الحقيقة ليست دائماً جذابة، والتفاعل ليس دائماً صادقاً.

مع ذلك، مشكلتي الرئيسية مع مطبخ المدينة أن الأخ الأكبر يسرق ويبتز الناس عبر الادعاء بأنه عنصر أمن، ومكسيم خليل يسرق لأنه تعلم تلك العادة في الجيش، فيبدو الأمر وكأنه محاولة لتبرأة النظام السابق ولوم الأفراد على التجاوزات. محاولة لنقل الذنب من التنظيم الممنهج للدولة، إلى الجرم الفردي المعزول. وهذا ليس جديداً في الدراما السورية. في مسلسل لعنة الطين يظهر مكسيم خليل أيضاً في دور شاب من الريف يدفعه “المجتمع” عبر ابتزاز والده ثم إصابته بجلطة، واعتداء زعران على شابة جامعية أمامه، والتنمر عليه في الكراج، وأخيراً الاعتداء عليه جنسياً من قبل مجرمين، لأن يتحول من شاب طيب إلى ضابط مهووس بالسلطة والقوة، ويعذب ويرتشي ويمارس سلطته “خارج نطاق القانون”. والأمثلة في الدراما السورية عن تبرئة النظام، واتهام الأفراد، والتبرير بأن هذا ما يستحقه المجتمع، كثيرة يعرفها أي سوري.  

استخدم الليث حجو عبارةً لوصف تجربة صناعة التلفزيون في ظل حكم الأسد: كان هو وزملاؤه يسعون دائماً لتقديم محتوى يتجاوز الرقابة، مستخدمين لغةً ملتويةً، ومجموعةً من التلميحات والمعاني المزدوجة، وممارسةً تقوم على قول شيءٍ بصوتٍ عالٍ بما يكفي ليسمعه الرقيب ويتجاهل المعنى الآخر الذي يُقال في الخفاء. أطلق حجو على هذا السلوك اسم “الرجل الرمادي”، أي الشخص الذي ينجو بعدم لفت الأنظار، والذي يندمج في محيطه، والذي يكون حاضراً وغير مرئي في آنٍ واحد.

تُعدّ استراتيجية “الرجل الرمادي” شكلاً من أشكال الحفاظ الفني على الذات، وقد أنتجت، على مدى عقود من حكم الأسد، تقليداً تلفزيونياً سورياً في ترميز المعنى، وفي العمل في المساحة الفاصلة بين ما يُمكن قوله وما يُمكن عرضه، وفي صناعة دراما يكون ظاهرها مقبولاً ومضمونها الحقيقي في باطنها. ليس هذا بالأمر الهيّن. فقد أنتج أعمالاً حقيقية قريبة من المشاهد، وتظل جيدة للمتابعة حتى يومنا.

لكن الرجل الرمادي، بحكم تعريفه، يعمل في وضع البقاء. لا يعمل كشخص قادر على قول الحقيقة مباشرة، أو وضع شخصية تُدعى حافظ أمام الكاميرا وتركه يفعل ما فعله، أو تصوير سوريا من الداخل دون تصويرها كقرية يُسيطر عليها عقيد رمزي يراقبها من خلال منظار. الفرصة التي حلت في كانون الأول 2024 هي، من بين أمور أخرى، فرصة للتوقف عن الإخفاء؛ فرصة لإبعاد الرجل الرمادي واستبداله بشخص مستعد للظهور.

موسم 2026 هو الموسم الذي تحاول فيه الدراما السورية تحقيق هذا التحول، ودراما السجون هي أوضح دليل على مدى صعوبة هذا التحول. لأن الإخفاء ليس مجرد استراتيجية، وإنما عادة؛ مجموعة من ردود الفعل الجمالية التي تُصقل على مدى عقود، والعادات لا تزول بتغير الظروف الخارجية التي نشأت منها. قد يكون بعض ما يثير الإحباط في سعي الدراما السورية المحموم نحو الإثارة الدرامية قبل ترسيخ الحقائق، وتناقضاتها التحريرية، نابعاً، إلى حد ما، من ردود فعل آلية غير مباشرة تعمل في سياق خاطئ. فالآلي يعرف كيف يختبئ، لكنه لا يعرف بعد، تماماً، كيف يظهر في العلن.

الجزء الثاني: آلام الآخرين. السجن، والمذبحة، وأخلاقيات المشاهدة

ثمة سؤالٌ يعجز المسلسل السوري في رمضان 2026 عن الإجابة عنه، واستمراره في المحاولة رغم ذلك هو الأمر الأكثر إثارةً للقلق في هذا الموسم. السؤال هو: متى يصير احتياج المجتمع لرؤية صدمته مُجسّدةً على الشاشة مُتساوياً مع احتياج صناعة الترفيه لبيع تلك الصدمة للمجتمع الذي أنتجها؟

ليس لهذا السؤال إجابةٌ قاطعة في أي مكان. لا توجد إجابةٌ له في هوليوود، التي تُنتج أفلاماً عن المحرقة منذ سبعين عاماً وما زالت تُجادل حول ما هو جائز. ولا توجد إجابةٌ له في فرنسا، التي حوّلت أحداث شارلي إبدو إلى نوعٍ فني قبل نهاية العقد. لكن في سوريا عام 2026، حيث ما تزال السجون واقعاً إدارياً حياً لم يُحصَ ضحاياه بالكامل بعد، وحيث لا تزال العائلات تُقدّم أسماءها إلى هيئات العدالة الانتقالية، منتظرةً معرفة ما إذا كان أحد أفرادها من بين الذين لقوا حتفهم داخلها أو من بين الذين قد يُعثر عليهم، يكتسب السؤال إلحاحاً خاصاً. فالجرح الذي يُحاول موسم 2026 تصويره لم يندمل بعد، ولم يظهر جلياً حتى الآن.

فريد المدحان ما زال على قيد الحياة. عائلات الأشخاص الذين ظهروا في صور ملفات قيصر ما زالوا على قيد الحياة. النقاشات حول دلالات هذه الملفات على العدالة الانتقالية، على المساءلة، وعلى تحديد مواقع المقابر الجماعية، وعلى محاكمة المسؤولين، ما زالت مستمرة دون حسم.

يحول مسلسل “القيصر”، من إخراج صفوان نعمو، هذه القصة الحية إلى دراما رمضانية، ويقدم، لجمهور يجلس في غرف معيشته خلال الشهر الفضيل، تمثيلاً درامياً لما حدث في مرافق مثل صيدنايا.

من الطبيعي أن يكون رد الفعل عنيفاً وفورياً، ومن وجهة نظر العائلات المعنية، كان منطقياً تماماً. وصفت الناشطة وفاء مصطفى وجمعية عائلات قيصر المسلسل بأنه استغلال تجاري لمعاناة الضحايا، وشكل من أشكال المتاجرة الرخيصة بالمعاناة قبل الكشف عن الحقيقة كاملة. لا يكمن اعتراضهم في عدم سرد القصة، بل في أنه لا يمكن سردها بصدق بعد، لأن الحقيقة لا تزال قيد التكوين، ورواية درامية تُروى قبل اكتمال الحقائق ستملأ الفراغات حتماً بالتلفيق، الذي سيتحول لاحقاً إلى الرواية التي يتذكرها الناس، مما سيُعقّد السجل التاريخي الفعلي. الدراما، وفقاً لهذا التفسير، ليست سبيلاً للحقيقة، وإنما منافسٌ لها.

دافع المخرج نعمو عن العمل باعتباره إعادة فنية للواقع تهدف إلى فتح نافذة على قصص لم تُروَ بعد. هذا هو الدفاع الذي يقدمه الفنانون دائماً، وهو ليس دفاعاً زائفاً، بل هو في الواقع الدفاع الذي تتطلبه معظم الأعمال الدرامية الجادة. لكن المشكلة الخاصة بمسلسل “القيصر” تكمن في أنه لا يمكن اعتباره مجرد عمل فني، لأن موضوعه في آنٍ واحد ملف قانوني، وأداة سياسية، وموقع حزن مستمر، ومورد في بناء العدالة الانتقالية. لعائلات الأشخاص في صور القيصر مكانة في هذا الحوار لا يملكها المخرج، و”إعادة التمثيل الفني” ليست عبارة ذات وزن كبير عند مخاطبة أم لا تعرف بعد أي صورة مرقمة هي لابنها.

بعبارة أخرى، ما يكشفه مسلسل القيصر ليس فشلاً في الحرفية أو النية، وإنما مشكلة هيكلية، فصناعة التلفزيون السوري في عام 2026 تتحرك بشكل أسرع من عمليات المساءلة وكشف الحقيقة التي من شأنها أن تمنح موضوعاتها الأكثر إلحاحاً الأساس الذي تحتاجه.

يتناول مسلسل “الخروج إلى البئر” الموضوع نفسه من زاوية، إن لم تكن أكثر أماناً، فهي على الأقل أكثر تحديداً من الناحية التاريخية. فبدلاً من التركيز على فظاعة الاعتقالات في عهد الأسد، يركز المسلسل على حدثٍ محدد: انتفاضة سجن صيدنايا عام 2008، وهي لحظة تاريخية موثقة بتسلسل زمني محدد، ومجموعة من الأحداث القابلة للتحقق، وفارق زمني مدته ثمانية عشر عاماً لا يحل مشكلة العدالة العالقة، ولكنه على الأقل يُهيئ مساحةً للدراما لتزدهر دون أن تتنافس مباشرةً مع الإجراءات القانونية الجارية.

يؤدي جمال سليمان دور سلطان الغالب، ويتتبع المسلسل تمرد السجناء ومفاوضاتهم مع الأجهزة الأمنية. يُرسخ الطابع الرمزي للمسلسل منذ البداية: إذ يفتتح بمشهد الشخصية الرئيسية وهي تقفز في بئر عميقة، صورةٌ تُجسّد، بتكثيفها الذي يُحققه التفكير الرمزي الجيد، يأس العائلات التي أمضت سنواتٍ تبحث عن المفقودين، والظلام المُطبق الذي يُخيّم على صيدنايا ذاته.

يُعدّ مسلسل “الخروج إلى البئر” أكثر انضباطاً من بين مسلسلي السجون، تحديداً لأنّ هذا الانضباط مُتأصّلٌ في فكرته الأساسية. حدثٌ مُحدّد، رجلٌ مُحدّد، لحظةُ مُحدّدةٌ من المقاومة. هذه القيود تُجبر الدراما على التركيز على الخاص بدلاً من العام، وفي الخاص يكمن جوهر الحقيقة العاطفية.

في مقالها “حول آلام الآخرين”، طرحت سوزان سونتاغ سؤالاً يدور حوله جدل دراما السجون دون أن يجيب عليه إجابة شافية: ما معنى النظر إلى معاناة الآخرين، وما هي الالتزامات التي يفرضها فعل النظر؟

شككت سونتاغ في الادعاء بأن صور الفظائع تولد التعاطف، وبالتالي تحفز على الفعل. جادلت بأن صورة المعاناة، عندما تُستهلك دون تبعات – عندما تُشاهد من بعيد، في راحة، دون أي آلية تربط المشاهدة بفعل شيء ما – لا تُنتج تضامناً. بل تُنتج نوعاً خاصاً من العلاقة السلبية مع الرعب، قد تحل محل المشاركة بدلاً من تحفيزها. تصبح الصورة هي التجربة. وتصبح المشاهدة هي رد الفعل. وقد يشعر الشخص الذي شاهد، لفترة وجيزة وبشكل خاطئ، بأنه قد فعل شيئاً، بينما هو في الحقيقة لم يفعل سوى النظر.

تُنتج مسلسلات السجون لسنة 2026 هذه الديناميكية تحديداً لدى جمهورها، والجدل الدائر حول مسلسل القيصر هو في جزء منه ثورة ضده من قِبل أشخاص يفهمون ما وصفته سونتاغ. عندما تقول جمعية عائلات القيصر إن تحويل ملف المعتقلين إلى مادة درامية قبل ظهور الحقيقة كاملةً هو استغلال تجاري، فإنهم يقولون أيضاً أن مشاهدة هذا المسلسل ستخلق لدى المشاهدين شعوراً بالتفاعل مع ملف القيصر، في حين أن ملف القيصر ليس للإثارة، وهو أداة قانونية وتاريخية تتطلب تفاعلاً فاعلاً من نوع مختلف تماماً. المسلسل لا يفتح نافذة على الحقيقة؛ بل يستبدلها بشاشة، والشاشة أسهل في النظر إليها من الحقيقة نفسها.

هذا هو البناء الأخلاقي للترفيه القائم على الصدمة: فهو يستغل الثقل الأخلاقي للمعاناة الحقيقية لإنتاج تجارب عاطفية لدى جمهور بعيد عن عواقبها، وبذلك قد يُقلل في الواقع من الإلحاح السياسي الذي تولده المعاناة الحقيقية. لم تُمنح عائلة المعتقلة التي تشاهد مسلسل القيصر وترى تجربة معتقلتها مُصوَّرة بشكل خاطئ، مع خيارات تحريرية تحمي بعض الشخصيات دون غيرها، حق الوصول إلى الحقيقة. مُنحت بديلاً عنها، مُغلَّفاً بلغة الدراما العاطفية المُستخدمة في أوقات الذروة، وهي لغة مُصمَّمة لإثارة المشاعر وليس التفكير.

من يملك الجرح؟

لنبدأ بفرضيةٍ باتت حتميةً في موسم 2026: ثمة ما يُسمى بالتقارب السردي، وانتهاكه يُعدّ شكلاً من أشكال الضرر.

ميّز والتر بنيامين، في مقالته “الحكاء” لسنة 1936، بين نوعين من المعرفة يُنتجان نوعين من القصص. هناك معرفة الشخص الذي سافر وعاد؛ من اكتسب الخبرة من بعيد وعاد بها-، وهناك معرفة الشخص الذي لم يرحل قط، وبقي وراكم رواسب المكان والزمان والصبر. جادل بنيامين بأن أفضل رواية تتطلب كلا النوعين معاً. لكن ما تتطلبه بشكلٍ قاطع، في كلتا الحالتين، هو أن يكون للراوي علاقةٌ موثقةٌ بالتجربة التي يرويها. يجب أن تمر القصة عبر جسدٍ تغيّر بفعل ما يصفه. إنها الحالة المعرفية للشهادة الأصيلة، فالقصة التي لم تمر عبر هذه الهيئة، أي القصة المُجمّعة من البحث، ومن المقاطع، ومن النسيج العاطفي لروايات الآخرين، ليست قصة وإنما محاكاة لها.

يُعدّ فلم “كنتُ غريباً” أوضح مثال على ذلك. فقد جمع الإنتاج السويدي قصة سورية من الخارج، وملأ ثغراتها بعناصر تشويق هوليوودية، ليُنتج عملاً يشعر من عاشوا الأحداث التي يصورها وكأنه يشاهد غريباً يرتدي قناع شخص عزيز. اللهجة الخاطئة، والترنيمة الخاطئة، والجغرافيا الخاطئة، كل شيء خاطئ – ليس لأن الدقة هي المعيار الذي يُقاس به العمل الدرامي دائماً، بل لأن هذه الأخطاء ليست تشويهات إبداعية لشخصٍ فهم ما يُشوّهه، ولكنها أخطاء شخصٍ لم يكن لديه المعرفة الكافية ليدرك خطأه. والفرق بين هذين النوعين من الأخطاء هو الفرق بين الحرية الفنية والاقتباس.

لكن إليكم القضية الأصعب، تلك التي يُجبرنا موسم 2026 على مواجهتها علناً بمزيد من الإزعاج: الممثلون والمخرجون السوريون الذين انحازوا لنظام الأسد، والذين بنوا مسيرتهم المهنية داخل هياكل رعايته، والذين شاركوا في إنتاجات ترعاها الدولة، يتقدمون الآن ليروا قصة جرائم النظام.

المسافة في هذه الحالة أخلاقية وليست جغرافية. وتتلخص حجتي أن الضرر الذي تُحدثه هذه المسافة مطابقٌ بنيوياً للضرر الذي يُحدثه الدخيل الغربي، حتى وإن اختلفت الآليات وتعقيدت النوايا.

في كتابها “الحقيقة والسياسة”، ميّزت حنة آرنت بين الواقع والسياسة تمييزاً لم يفقد شيئاً من حدّته على مدى الستين عاماً الماضية. فقد فصلت بين الحقيقة الواقعية – الحقيقة المجردة، والظرفية، والقابلة للاستعادة لما حدث – وبين المجال السياسي، الذي وصفته بأنه مجال الرأي والإقناع وبناء المعنى الجماعي. وجادلت بأن الحقيقة الواقعية بطبيعتها عرضة لتأثير السلطة، لأن للسلطة مصلحة دائمة في استبدال الحقائق غير المريحة بروايات أكثر فائدة. ويكمن الخطر في أن الأقوياء يكذبون دوماً، والاستبدال المتكرر للرواية الملائمة بالحقيقة الواقعية يجعل الحقائق نفسها موضع شك، ويحوّل السجل إلى مجرد رواية منافسة أخرى.

ما حددته آرنت على أنه تهديد سياسي للحقيقة في المطلق، صار مشكلة ملموسة ومباشرة في سوريا عام 2026. فالحقيقة الواقعية لما فعله نظام الأسد لا تزال قيد التجميع. وعملية العدالة الانتقالية لم تكتمل بعد. لا يزال الشهود على قيد الحياة، ولا تزال الوثائق قيد البحث. في هذا السياق، يُعدّ دخول أصوات مُشوَّهة إلى فضاء سرد القصص أمراً مرفوضاً من الناحية الجمالية، ولكنه أيضاً، وفقاً لمفهوم آرندت، شكل من أشكال التدخل السياسي في الظروف التي يُمكن في ظلها إثبات الحقيقة الواقعية.

عندما يقف ممثلٌ أمضى سنوات النظام في الظهور بشكلٍ لافتٍ في إنتاجات التلفزيون الرسمي أمام الكاميرا عام 2026، ويُلقي خطاباتٍ عن شجاعة الثوار، فإنّ ما يحدث يتجاوز النفاق، وإن كان نفاقاً في حد ذاته. ما يحدث هو أنّ السردية الجديدة تُطمس من قِبل الأشخاص أنفسهم الذين منحتهم مشاركتهم في النظام القديم شرعيته الثقافية. لا يدّعون فقط سردية ليست سرديتهم، وإنما يُصعّبون عليها أن تكون سجلاً لما جرى بالفعل، ومن قام به، وباسم من.

هذا هو جوهر موسم 2026، وهو يتطلب استيعاب عدة أمور في آنٍ واحد. إنه تغير، بمعنى أن أعمالاً تُصنع لم يكن من الممكن صنعها سابقاً، وأن قصصاً تُروى كانت لعقودٍ من الزمن منسية، وأن الصناعة استوعبت عودة أبنائها المغتربين وإعادة فتح آفاق خيالها التاريخي.

لكن موسم 2026 هو أيضاً ساحة لتنافس سردي، حيث تستمرّ الصور الخاطئة في الظهور كبديل عن الحقيقة التي يدّعى تمثيلها، ويستمرّ منطق المقطع، واللحظة القابلة للمشاركة، في التسلّل إلى عمل أشخاص من المفترض أن يكونوا أكثر وعياً.

الشاشة ليست بديلاً عن العدالة. والقصة ليست بديلاً عن الحقيقة. والمقطع، مهما كثرت مشاركته، ومهما كثرت التعليقات التي أثارها، ومهما بلغ تأثيره في الحوار الثقافي – ليس بديلاً عن الدراما التي تحتاجها سوريا، في عام 2026، بشدة، والتي لا تنالها إلا نادراً.

رسم توضيحي لرجل ذو لحية وشعر أشقر، يرتدي بدلة وقميص مع ربطة عنق، يظهر بتعبير جاد.

رافاييل لايساندر

كاتب من سوريا مهتم بتقاطعات الفلسفة والفنون