في مديح الروتين

 

لطالما أوحت لنا الكلمات بمعانٍ سلبيّة أو إيجابيّة، فالبكاءُ غالباً دليل حزن والضحك دليل فرحٍ وسرور، أمّا أن يتلبسَ معنىً سلبياً بكلمةٍ حيادية لا حول لها ولا قوة، كمصطلح “الروتين”، فالكلمة بحاجة دّفاعنا عنها.

الروتين ببساطة هو تلك الأفعال التي نقوم بها كل يوم بشكلٍ متكرر، أي هو باختصار عاداتنا.

وبالتالي فالكلمة تقف في المنتصف تماماً، أي على الحياد، فلماذا إذاً يلتصق بها هذا المعنى السلبي؟

استخدمت الكلمة في غير معناها الحقيقي لزمنٍ طويل، حيث ارتبطت على مدار الأعوام بوظيفة الدولة ذات السمعة المقيتة في بلادنا، فالموظف -من وجهة نظر المجتمع- شخصٌ غير منتج يستيقظ يومياً في الوقت ذاته يقوم في عمله بالمهام ذاتها ثم يعاود الكرة في مهامه المنزلية إلى أن ينام في وقته المعتاد.

وبالتالي فإن الصفات التي يتسم بها الروتين هي التي تحدد تأثيره، إن اتسم روتيننا بالأمور الايجابية سنحبه، وإن اتسم بالعكس سنبغضه. إن تأثير الكلمة مرتبط بطبيعة العادات، فالمشكلة أصلاً ليست في التكرار إنما بطبيعة ما يتكرر، وخاصةً أن الروتين قائمٌ على كلّ الأحوال وإن لم ندرك ذلك.

 ونرى أن موضوع الروتين الإيجابي اليوم بات يأخذ منحىً جديداً، فنلاحظ الكمّ الكبير من الكتب التي تناولت الموضوع كأحد أعمدة النجاح وتحقيق الأهداف من تشكيل عاداتٍ صباحية إلى عاداتٍ متعلقة بزيادة الإنتاجيّة والتخطيط الجيد، فضلاً عن الكمية الهائلة من الكتاب والمخترعين ورجال الأعمال والساسة الذين يطلّون علينا يومياً ليشاركونا روتينهم الصباحي والمسائي وحتى روتين منتصف النهار! كما يخبرنا العديد ممن يصنفون اليوم بالناجحين -مع اختلاف مفهوم النجاح-أنّ الروتين الإيجابي الطريق الأسرع للوصول للأهداف، كونه الطريقة الأكثر ضماناً للنتائج على المستوى البعيد وكما يقال “قليلٌ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع”.

أمّا ما تعارف عليه من روتينٍ غير محبب جلب للكلمة كلّ هذه المعاني السلبيّة، فهو الروتين الممل كأن تستيقظ متأخراً وتصل عملك متأخراً فتقوم بمهامك على عجالة، والذي غالباً سيؤدي إلى ضعفٍ في إنتاجيتك أو اتقانك، مما يقلل نشاطك ويجعل نظرتك لعاداتك وللحياة ككل أكثر ضيقاً وسلبيّة، أو أن تطغى عادات التسلية وأوقات المرح على أوقات العمل والإنجاز فيلازمك شعور اللا جدوى، والذي قد يجعل من حياتك متاهة يصعب الخروج منها، فالحياة مع عادات سلبيّة لا تحمل قيمة تماماً كالعيش في حلقة مفرغة لا روح فيها.

ولربّما يختلف تأثير الروتين اعتماداً على أسلوب الحياة، فهناك مهن لن تستطيع الوصول بها إلى إنجازٍ يُذكر سوى عن طريق الروتين، ولعلّ الكتابة هي من أشدّ المهن التي تفتقر إلى  روتين صارم وعاداتٍ منضبطة، ونلمس ذلك بوضوح في حيوات العديد من الكتّاب فمنهم من تخبّط طويلاً في متاهات الفوضى إلى أن رسى على روتينٍ يضمن له اعتياد الكتابة. هاروكي موراكامي، مثلاً، عندما قرر ترك وظيفته الأساسية والتفرغ للكتابة غرق في فوضى لا نهاية لها حيث افتقرت حياته للنظام، إلى أن عاد لاتباع روتينٍ منظم وعاداتٍ صحيّة جعلت منه من أهم رموز الأدب عموماً والرواية بشكلٍ خاص حيث كان يكتب منذ الفجر هكذا لخمس أو ست ساعات كما صرّح في أحد لقاءته، أمّا فرانس كافكا أحد أعمدة الأدب الألماني فقد اضطرته وظيفته الروتينيّة الصباحيّة لخلق روتينٍ ليلي يمارس فيه موهبته ويفرغ فيه جلّ أفكاره ولعلّ الكتابة ليلاً والافتقار للنوم جعلا الطابع الغالب على أعماله سوداوي عبثي وكأنّه كان يكتب كوابيسه.  

ومن الملاحظ أن أشدّ ما يمكن أن يغذي هذا الروتين هو خوف الإنسان الدائم من خوض مغامراتٍ جديدة والذي قد يجعله أسير عاداته، وبالتالي يحكم عليه بحياةٍ مملة إنْ اتبعَ عاداتٍ سلبية، وربّما سيعتاد عليها حتى يفقدَ السيطرة على حياته، ومما لا شك فيه أن فطرة الإنسان الفضولية تدفعه ليشبع حب التجربة والاكتشاف داخله ويبتعد عن شبح الأيام المتشابهة والروتين القاتل فيتوقف عن كونه مشاهد ويقوم بدور البطل الذي يشعل المسرح تصفيقاً.

كتبتها: ولاء متاعة

فايسبوك / لينكدإن