لا تفعل شيئًا

ليس هناك ما هو أصعب من عدم فعل أي شيء.

ينظر إلى وقت الفراغ، حتى بعد يوم طويل من العمل، على أنه آفة يجب التخلص منه. والجلوس من دون فعل أي شيء أمر يجب تحييده… فما الذي نفعله عوضًا عن ذلك؟ نغرق أنفسنا في شاشاتنا، وفي مواقع ذات خوارزميات تدرس ما يعجبك لتعرض لك المزيد منه ولا تغادرها، و “شاهد تاليًا” التي تعمل تلقائيًا قبل أن تتفرغ لأفكارك، ومواقع إخبارية مليئة بمئات وآلاف الأحداث في السياسة والعلوم والتي لا يمكن قراءتها في عمر كامل فما بالك بيوم.

 في عالم تتحدد قيمته من خلال إنتاجيتنا المادية، يبحث الكثيرون منا عن كل دقيقة يتم التقاطها أو تحسينها أو تخصيصها كمورد مالي من خلال التقنيات التي نستخدمها يوميًا. نحن نقدم وقت فراغنا للتقييم العددي، ونتفاعل مع الإصدارات الإلكترونية لبعضنا البعض. هناك شعور عصابي معين، من المبالغة وعدم القدرة على تحمل الجلوس مع أفكارنا الخاصة؛ وقت الراحة هذا والرجوع إلى الذات الذي تسعى الحياة الآلية والرأسمالية إلى القضاء عليه، لنواجه أخيرًا برعب النظر إلى الوراء ونرى أن الحياة قد انزلقت بين أصابعنا.

يعتقد البعض أنه عندما يتعلق الأمر بعدم القيام بأي شيء، فإن الأسلوب هو كل شيء. المادة، بحكم التعريف، غائبة. ولكن ذلك ليس صحيح تمامًا؛ فشعر العظيم وايتمان وفلسفة مونتاين الحياتية هما نتاج أوقات فراغ لم يفعل فيهما المؤلفان أي شيء. وفن فان غوخ كان نتاج أمور مثل الجلوس لساعات طوال أمام لوحة رامبرانت “زوجة اليهودي” دون البحث عنها على غوغل أو قراءة مقالة عنها… في ميزان المادية اليوم ستعتبر جلسة فان غوخ أو استلقاء وايتمان في الطبيعة مضيعة للوقت، ربما.

خذ أيضًا ثورو أو المدرسة الرواقية ككل، رغم أن ثورو عاش على عمل يده والرواقية دعت لاستغلال حياة المرء لفعل شيء مؤثر قبل الموت لكن الاثنين دعيا لإيجاد السكينة والدعم اللهث وراء الإنتاجية على حساب الرضا الذاتي وإيجاد المرء لنفسه ضمن هذا الكون الكبير.

 وتأمل أعمال هنري جيمس، وأوسكار وايلد المليئة بجلسات صامتة في غرف الرسم أو القراءة حيث الفراغ من المحتوى يلبي شدة التعبير.

إن “لا شيء” الذي أقترحه ليس إلا من وجهة نظر الإنتاجية الرأسمالية. آمل أن تجد بعض الراحة في الدعوة للتوقف أو الإبطاء، لا أقصد أن يكون هذا بمثابة عطلة نهاية أسبوع أو مجرد رسالة إبداعية. إن الهدف من عدم القيام بأي شيء، كما أحدده، هو ليس العودة إلى العمل منتعشًا وجاهزًا لأن تكون أكثر إنتاجية، بل السؤال عما نعتبره حاليًا مثمرًا. من الواضح أن حجتي معادية للعمل المحموم، خاصة فيما يتعلق بالتقنيات التي تشجع على التصور الرأسمالي للوقت والمكان والنفس والمجتمع. إنه أيضًا بيئي واجتماعي أو إيكولوجي. إن الهدف النهائي من “عدم القيام بأي شيء” هو انتزاع تركيزنا من اهتمام الاقتصاد وإعادة زراعته أولاً في المجال العام للأفكار والأخلاق، وثانيُا في المجال الخاص للذات.

أنا لست ضد التكنولوجيا. بعد كل شيء، هناك أشكال من التكنولوجيا – من الأدوات التي تسمح لنا بمراقبة العالم الطبيعي إلى الشبكات الاجتماعية اللامركزية وغير التجارية – التي تعمق مداركنا. بدلاً من ذلك، أنا أعارض الطريقة التي تشتري بها منصات الشركات انتباهنا وتبيعه، فضلاً عن تصميمات واستخدامات التكنولوجيا التي تتضمن تعريفًا ضيقًا للإنتاجية وتتجاهل الأمور العاطفية والجسدية والفكرية. إنني قلق بشأن تأثيرات الوسائط الاجتماعية الحالية على التعبير – بما في ذلك الحق في عدم التعبير عن نفسه – وعن ميزاته التي تسبب الإدمان بشكل متعمد.

يجب أن نوجه انتباهنا نحو أشياء معينة من أجل إعادة شحن حواسنا، التي تخدرها وسائل التواصل الاجتماعي. والحري أن نركز على تعلم الشعور بما حولنا، والذي لن يؤدي بالتأكيد من تلقاء نفسه، إلى الاهتمام أكثر بالمجتمعات التي نعيش فيها. ومع ذلك، من خلال جعلنا نشعر للحظات بأننا صغيرون وجزءًا من شيء أكبر من أنفسنا، ومن خلال تنبيهنا إلى الثراء في مجالنا الحسي المباشر، يمكن للجمال الغريب للطبيعة والفن أن يدفعنا إلى الاستيقاظ وحماية العالم.

أخيرًا، إن حقيقة أن هذه المقالة موجودة على مواقع التواصل الاجتماعي تعكس التشابك مع وسائل التواصل التجارية، ولكن ذلك لا يبطل الرؤية في قيمة النشاط المحلي كمسار محتمل نحو إنقاذ الأنواع والنظم الإيكولوجية التي يجري تدميرها حاليا. حيث أن أحد التحديات الدائمة هو مواجهة الثقافة التي تندمج فيها أثناء استخدام المصطلحات والقيم التي يمكن فهمها لتلك الثقافة.