الابتزاز العاطفي وشياطين السيطرة

إن لم تسمع بالمصطلح من قبل، فلربّما أن أوّل ما سيتبادر لذهنك هو كيف تجتمع كلمتان متباعدتان في المعنى في مصطلحٍ واحد “الابتزاز العاطفي”.

ما العلاقة أصلاً بين العاطفة والابتزاز؟ كيف نربط بينهما؟ وكيف يؤثر في حياتنا؟

كمدخلٍ مبسّطٍ وسريع: هو تلك الضغوط التي يمارسها علينا المقرّبون من حولنا سواء كانوا أخوة أصدقاء والدين وحتى أزواج لنرضخ لرغباتهم، أي هو استخدام عواطفنا للضغط على من حولنا بهدف القيام بما نريده نحن، وهو منتشر بشكلٍ مخيف كأحد أساليب التلاعب النفسي في محاولاتٍ للسيطرة على سلوكيات الأخرين، و يعتبر من القيود التي تكبّل الانسان وتمنعه من التعلّم والتطور، و قد عرّفته “سوزان فورود” والتي ألفّت كتاباً بنفس العنوان بأنّه صورةً قوية من صور الاستغلال يقوم به أشخاص مقرّبون بتهديدنا بالعقاب في حال رفضنا التصرف على هواهم.

كيف نتعرف عليه؟

للمبتز – وجمعينا مبتزون بنسبةٍ ما وبعلاقةٍ ما -أساليبٌ عديدة يستخدمها ليغلف أفعاله بمشاعر أو اهتمام، ويعدّ من الصّعب اكتشاف ابتزازه لما فيه من آلياتٍ محكمة فهو يعرفنا بل وخبيرٌ بنا أيضا ً، يدرك نقاط ضعفنا ويعرف الحدّ الكافي للابتزاز الذي سنستجيب من خلاله، بالإضافة إلى أنّه سيحيطنا بكميةٍ لا حصر لها من الحميميّة عند الحصول على ما يريد.

إنّها دائرةٌ محكمةُ الإغلاق تدور بين الخوف إلى الشعور بالإلزام نهايةً بالشعور بالذنب، لنستطيع التعرف على هذه العملية يجدر بنا فهمها، والذي يبدأ من تشخيصها وإدراك صورها وأشكالها المختلفة، ومن ثمّ محاولة إزالة كل ذاك التشويش حولها والذي يتجسد في عقولنا بسؤال ” هل هو يفعل ذلك لأنّه يحبّني أم لأنّه يحبّ نفسه؟” حينها سنكون قادرين بحق على تشخيصها، وإدراك الأدوات التي يستخدمها المقربون منا وعالمهم الداخلي الذي يدفعهم للتصرف كذلك، بالإضافة إلى فهم كيف كانت استجابتنا الراضخة جزءاً من هذه الحلقة التي ندور بها وسبباً لجعل العملية أسهل، فتأثيرها المباشر على فعاليّة حياتنا يجعلنا في بحثٍ دائمٍ عن حل، حيث أنّ تكرار الابتزاز يجعل رصيد المشاعر لدينا في تناقصٍ دائم إلى أن ينعدم تماماً فينقلب السّحر على الساحر.

كيف أخرجُ من هذه الدائرة؟

من الضروريّ في البداية أن ندرك أنّ هناك بعض الصفات الشخصيّة التي تجعلنا ضحايا سهلة للابتزاز، ومن ذلك حاجتنا الدائمة للتقييّم الخارجي من الآخرين واستمداد مرجعيتنا منهم كمن يشتري قيمته بظلم نفسه، كذلك فإنّ الشخصيّة العاطفيّة البعيدة عن المنطق والعقلانية هي الأكثر عرضةً للابتزاز، فضعف الثقة بالنفس والشك الزائد بقرارتها يجعلنا مهيئين بشكلٍ أكبر للدخول في هذه الدائرة والانغماس فيها.

وكونَ الأمر صادرٌ بشكلٍ غير مباشر من أحد المقرّبين يجعل إدراكه أكثر تعقيداً وإهماله أو عدم الرغبة في الاعتراف بوجوده أصلاً الحل الأسهل والأسلم بالنسبة لنا، أمّا إن اخترنا سياسة الشجعان وواجهنا الأمر ضمن إطار سعينا الدائم في تزكية أنفسنا وخلق النسخة الأفضل منها لا بدّ أن نعترف به ونبدأ في البحث عن حل.

كخطوةٍ أولى اعترف -ولو بينك وبين نفسك-أنّك السبب، وأنّك في كلّ مرةٍ تستجيب للابتزاز تجعل نفسك أكثر استعداداً له وإن لم تكن تدرك ذلك.

وللخروج من دائرة علاقةٍ كهذه علينا أولاً أن نحاول إصلاح بعض المفاهيم لدينا، كتقديس الحرية، وفهمها والدفاع عنها، فليس منالمنطقيّ أن يكونوجودنا بمكانٍ مامع شخصٍ ما شيءٌ مزعجٌ لشخصٍ آخر مهما كانت الأسباب،ولكون الأمر يتعلق بالحاجات المعنويّة النفسيّة فذلك يجعله أكثر تعقيداً ويجعلنا بحاجةٍ لتصويب مفهوم الأزمات العاطفية لدينا، فالأزمة العاطفية ككلّ الأزمات التي نمرّ بها، كأزمتنا المالية أو حتى أزمة البحث عن عمل نجد أنفسنا فيه وبذلك سنستطيع الخروج منها بوقتٍ أسرع وبخسائرٍ أقل، ولعلّ أسلوب تنشئتنا و محيطنا الاجتماعيّ – كبيئةٍ عربيّة- ساهم في زيادة حساسية الأزمات العاطفيّة.

فضلاً عن أنّ مشاعرنا تخرج عن نطاق الماديات أي أنّها غير قابلة للمساومة، وتقديمنا الدائم لها بلا مقابل يجعلنا في مجال المعنويات المضمونة التي لا تستحق عناءً أو تقدير، بالإضافة إلى أنّ وضوح ما نريد في أي علاقةٍ ندخلها واتبّاع أسلوب المباشرة يجعلنا نعيش في أريحيّة اجتماعيّة، ففهم النفس وتحديد دوائر الأشخاص حولنا في الحياة مفتاح الخروج من المتاهة.

………………………………………

كتبتها: ولاء متاعة

فايسبوك / لينكدإن