موزارت وملمع البلاط

سمفونية موزارت رقم 40 عمل عظيم بكل معنى الكلمة ومألوفة لأي أذن بسهولة. بالنسبة لي، متى ما سمعت جزء Molto allegro أستطيع فورًا أن أشم رائحة الصنوبر المركبة كيميائيًا، وأكاد أقسم أن أنفي يبدأ بالتحسس. السبب وراء هذا الرابط العجيب هو إعلان تلفزيوني كان يقاطع برامجي المفضلة والغير مفضلة يوم كنت صغيرًا. يروج الإعلان لملمع أرضيات ويظهر فيه زوج وسيم يعود لمنزله ليجد البلاط يلمع وزوجته الخلابة وهي ترتدي، بشكل ملائم، ثوبًا أحمر وحذاء لرقص الصالونات، فيرقص معها على البلاط وعلى وقع موسيقا موزارت. لا تقف البرمجة العصبية عند ربط عمل العبقري برائحة المنظف بل تطورت لاشمئزاز من كلاشيه المقطوعة وإحساس بابتذالها نتيجة صورة الإعلان السخيف الحاضرة في الذاكرة، رغم إدراكي في القسم الواعي من عقلي لعظمة المعزوفة بتركيبها وذاتها.

في إعلان لمشروب كولا أثناء الأولمبياد تبعث الحياة في رسوم غرافيتية فتقوم بالقفز والتنقل على الأبنية على وقع مقطوعة إدوارد غريغ: “في قاعة ملك الجبل”. واستخدمت “1812” لتشايكوفسكي مرة في إعلان لحبوب الفطور ومرة للترويج لدواء المثانة النشطة. أما باخ فمن “القروش الضخمة” إلى بيع سيارات كاديلاك، تمت صياغة Prelude Cello Suite No.1  لدعم العديد من الترويجات إلا دعم نفسها.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تستخدم الموسيقا الكلاسيكية لإضفاء تأثير كوميدي كما في إعلان نايك الذي يستخدم ترتيلة موزارت لإعطاء تأثير طريف على التصوير البطيء للإعلان. هذا الاستخدام للموسيقا الراقية مع الحماقة والمواقف المضحكة نراه أيضًا مع “باغز بني” وأصدقاءه الذين استعانوا في البرنامج الكرتوني بموسيقا برامز، روسيني، سميتانا وشوبان. كذلك الاستخدام المخزي لكارمينا بورانا لكارل أورف مع جملة: “كـُّل ما تستطيع أكله بـ 12.99$” في إعلان آبلبييز للمشويات . أو استخدام أوريو لـ “أيضًا تكلم زرداشت” لستراوس.

سبب هذه الطامة الكبرى هو أن معظم هذه الأعمال الكلاسيكية ومثيلاتها موجودة في نطاق الأعمال الفكرية العمومية. يمكن للشركات استخدامها واجتزاءها والتعديل عليها من دون أي تكلفة تذكر. وفوق ذلك، لا يوجد أحد لملي عليهم كيف يستخدمونها أو يسؤون استخدمها في أي سياق. باخ وموزارت وبتهوفن والبقية ليسوا حاضرين ليعترضوا. مما يوحي للشركات التجارية بأن لها الحق في تشويه الأعمال الكلاسيكية لغاياتهم الجشعة.

الموسيقى الكلاسيكية في خلفية الأعمال التجارية هي الخطوة التالية في تسليع هذا الصنف. اليوم، يتفاعل معظم الشباب مع الموسيقى الكلاسيكية ليس كشكل فني قائم بذاته ولكن كخلفية لأعمال أخرى وبالتالي مرتبطة بجوهر آخر قد يكون حذاءً أو مشروبًا! وهي مجموعة في نظام أكبر من الاتصالات المشفرة التي تستغلها الشركات التجارية لإعادة تشكيل روابطنا المجتمعية بصوت الأوركسترا. لقد دربت عقود من التكييف الثقافي الجمهور على تحديد السمفونية على أنها اختصار صوتي للوضع الاجتماعي – وبالتالي، استبعاد من هذا الوضع. الشخص العادي مثلا لا يتعرف على افتتاحية الفصول الأربعة لفيفالدي كصوت الربيع ولكن كصوت البرجوازية أو النخبوية والخيلاء (كونها عادة مرتبطة بإعلانات المجوهرات والساعات).

عام 2014، كان هانيبال لكتير من شبكة إن بي سي يقطع الضحايا ويتناولهم على وقع سمفونية بتهوفن رقم 9. بالنسبة إلى هوليوود المعاصرة، فإن الموسيقى الكلاسيكية هي النداء المضطرب للعباقرة غريبي الأطوار والأولاد النابغة الذين يبلغون من العمر تسع سنوات والمرضى النفسيين. عازف الكمان هو شخصية غريبة تعمل كمحقق أو طبيب متفوق. من الرسوم الكاريكاتورية إلى أكلة لحوم البشر، اتخذ الممثلون الرسميون لثقافة الموسيقى الكلاسيكية تحولا ديموغرافيًا مزعجًا.

في عصر الإعلام الجماهيري، يختبر الجمهور بشكل عام الموسيقى الكلاسيكية من خلال مقتطفات منفصلة عن المقطع الأكبر لإضفاء سلطة رمزية على الأجندة تجارية. يقوم الفنانون والمعلنون بتقسيم الأعمال الكلاسيكية إلى ألحان قصيرة – مقاطع يمكن اقتباسها مقطوعة من سياقها الأصلي – بتجميع قائمة من المهرجانات الموسيقية لتعزيز رسالتهم بلهجة أو مزاج أو ارتباط مرغوب. مثل المنكهات الصناعية للأذن، هذه المقتطفات السمفونية تضفي المشاهد على المشاعر الاصطناعية المختارة.

النتائج الفنية لهذه الممارسات مدمرة. إن تجنيد فاجنر لبيع البسكويت يقلل بالضرورة من تأثيره في دار الأوبرا. يتم نقل بعض المقاطع في كثير من الأحيان بحيث تتخطى الأجزاء الثانوية الموسيقى الأصلية. كارمينا بورانا مثلاً موجودة ككليشيه موسيقية دائمة، ويرتبط الجزء الأول منها بالرعب والرهبة، لذلك يتفاجأ المستمعون ببقيتها الهادئة ويحدث أمر مماثل في عدم القدرة على الاستمتاع بمقطع الصوفية من “الكواكب” لغوستاف هولست بسبب ارتباط مقطع المريخ بأفلام وفيديوهات الخيال العلمي.

إن ثقافة اللقمة الصوتية هذه تنكر القيمة النهائية للتكوين الكلاسيكي: التطوير المطول للمواضيع الموسيقية المعقدة. تسمح الأشكال الموسيقية الممتدة للمستمع بتقدير التفاعل الدقيق بين الحافز والحركة – وهذا التقدير الدقيق هو الذي يبطل مقتطفات الاقتباس.

أين يترك هذا الموسيقى الكلاسيكية؟ بعد الاستهلاك الشديد لخدمة العديد من البرامج التلفزيوينة والإعلانات والأفلام تفقد المقطوعة الموسيقية هويتها كعمل فني مستقل، وتطلب أن تؤخذ بشروطها الخاصة. من الصعب على أي مقطوعة موسيقية اليوم أن تقدم للجمهور الحديث تجربة استماع “خالصة” حقًا. هذا التآكل هو مصير شائع الآن للفن. الجمعيات الثانوية تخنق تدريجيا التجارب الأولية. بغض النظر عن مدى قوة القطعة وفرديتها، بمرور الوقت، يهدد السوق باستنزاف حيوية حتى أعظم الموسيقى حتى لا يتبقى شيء… الموت بالاقتباس. لا يوجد الكثير من المرات التي يمكن فيها استخدام مقطوعة موسيقية لبيع منظف، أو زخرفة فن الطبخ لأكل لحوم البشر، أو تعزيز قيمة حذاء قبل أن ننسى قيمتها كعمل فني لا يتكرر لأشخاص لن يتكرروا.