هل أنت من تعتقد نفسك؟

لربما أول ما نفعله بعد الاستيقاظ هو النظر في المرآة، فهل نمعن النظر بحبٍ لهذا الوجه؟

 هل نتجنب النظر إليه؟؟ أم تراودنا رغبة في قتله؟

هل فكرت من قبل أن تتعرف على نفسك ؟ كما تحاول التعرف على زملاؤك الجدد في الوظيفة أو الجامعة …

هل سألت نفسك من قبل من أنا؟

سؤالٌ على الرغم من بساطته إلا أنه يبدو في غاية التعقيد، ولا شيء جديد في هذا وخاصةً في العلم فلطالما اجتمعت البساطة مع الصعوبة تماماً كما كنّا نصف كل مقرر دراسي يصعب علينا اجتيازه ب”السهل الممتنع”.

حقاً، هل نعي من نحن؟

هل أنت الأب المعطاء؟المهندس المحترف؟ أم ذاك الصديق القادر دوماً على الاحتواء؟

هل أنت صاحب تلك السيارة أم ذاك العقار؟

سيختلط عليك الأمر، أأنا ما ألعب من أدوار في الحياة؟ أم أنا ما أملك؟

وبالتأكيد إن كانت إجابتك تتشابه مع ما ذكرنا من أمثلة فأنت ما زلت في المستوى الأول من رحلة اكتشاف ذاتك، علميّاً نسمّي هذه المعرفة بالوعي الذاتي أي قدرتنا على استخراج معلومةٍ دقيقة حول أنفسنا و حول الطريقة التي يرانا بها الآخرون، يدعى المستوى الأول الوعي بالقشرة أو الوعي السطحي حيث لا تتخطى معرفتنا عن أنفسنا سوى الأدوار التي نقوم بها والماديات التي نملكها، أي أنني لا أرى نفسي سوى تلك الأم المعطاءة أو المعلمة الفاضلة، ومن ثم يليه الوعي بالمشاعر حيث نحن قادرين على تحديد حالاتنا الشعورية والانفعالات التي نمر بها، نستطيع التمييز بين الغضب والاستياء والملل والإحساس بالعجز، وبالغوص خلف تلك المشاعر نصل للمستوى الثالث الوعي بالأفكار ومع إدراكنا له نملك القدرة على تعديل سلوكياتنا نتيجة وعينا تجاه الأفكار المرتبطة بها، فأفكاري ليست أنا، إنّما إحدى الأدوات التي أستخدمها في تعبيري عن نفسي.

ولأنّ الإنسان ككل الكائنات على هذه الأرض ويخضع لسنة التغيير فإن جهله بنفسه مترافق مع مسيرة حياته، فكما هو قابل دوماً للتغيير عليه في كل مرة يشعر أنه تاه عن ذاته ووجوده أن يحاول اكتشاف نفسه من جديد، وألا يستسلم لوهم “أنا أعرف نفسي جيداً”، إن كانت الشركات والمؤسسات تعمل دوماً على اكتشاف نقاط ضعفها وقوتها وتحديد الفرص المتاحة أمامها والمخاطر التي تواجهها، فمن الأولى أن نقوم بهذا كأفراد لنحافظ على إنتاجيتنا بشكل مستمر.

في بحث أجرته الأخصائية النفسية “تاشا أيريش” على عينة متنوعة من الأشخاص، وجدت أنه حوالي 95% منهم يعتقدون أنهم يمتلكون الوعي الكافي تجاه أنفسهم، في حين وبعد إجراء العديد من الاختبارات والأبحاث عليهم وجد أن 10-15% منهم فقط من يمتلكون الوعي الذاتي تجاه أنفسهم حقاً، أي أن هناك ما يقارب 80% يكذبون على أنفسهم، وبناءً على ذلك قامت بتصنيف الأشخاص لمن يملكون الوعي الذاتي، ومن يعتقدون أنهم يمتلكونه، ولعلّ الأرقام هذه تفسر لنا حجم المشكلة.

عندما نحاول التأمل في أنفسنا نغوص في أسئلة حول الأسباب وراء تصرفاتنا أو أحاسيسنا، نحاول معرفة المسببات لعلاجها، لكننا لا ندرك أن هذا يجعلنا ندور في دوامةٍ لا نهائية، فكل سبب وراءه آخر وراءه آخر، وبذلك نظل عالقين في المكان نفسه، بدلاً من محاولة معرفة ما علينا فعله تجاه أحد سلوكياتنا اللامرغوبة أو أحاسيسنا المشوشة، فمن المضحك، أن نرجع أي رد فعل لدافعٍ لا واعٍ كامنٍ في أعماقنا البشرية.

التأمل بالنفس وتحليلها لا يعني بالضرورة معرفتها، بل الأمر أسوأ، إنه يوقعنا في فخ معرفتها بيد أن الحقيقة أن كل ما يفعله هو أن يضعنا في دوامة فكرية من التنقيب والبحث بغية الوصول لحقيقة مشاعرنا أو سلوكياتنا.

إن الأمر يشبه تعاملنا مع المشكلات، كلما زاد تركيزنا على المشكلة زادت تعقيداً، وكذلك هناك تناسب طردي بين التركيز على تأمل النفس وقلة الوعي بشأنها.

وهذا لا يعني أن السعي وراء تحليل النفس ودوافعها مضيعة للوقت، إنما ليس هو الطريقة المجدية لزيادة الوعي بأنفسنا، هذه الحقيقة -وإن عاكست توقعاتنا- تبدو جداً منطقية، فمحاولاتنا المستمرة واللاهثة لقراءة أنفسنا وتأمل المشاعر والأفكار والدوافع اللا واعية مرتبطة بحاجتنا لإجاباتٍ ما، أية إجابات تقنعنا ونشعر بعدها بالرضا، كوننا وصلنا لشيء مما كنا نبحث عنه، تركيزنا الكبير في البحث عن أسباب، يدفع دماغنا لاختلاق أسبابٍ منطقية لتفسير تلك الدوافع أو الرغبات، متناسين أن البحث الدقيق والتحليل المنطقي ليس كل ما يعتمد عليه الدماغ، فنحن لسنا حواسيب.

المشكلة إذاً ليست في النتيجة، ليست في الحقائق التي نحصل عليها والتي غالباً تجعلنا ننهال على أنفسنا بأحكامٍ متسرعة، فعندما نسأل سؤالاً غير مناسب، من المنطقي أن نحصل على إجابات مزيفة، وبحثنا اللامتناهي هو من أوصلنا إليها، ومع تكرار الطريقة هذه سنبتعد عن ذواتنا الحقيقية أكثر فأكثر، وهذا ربما يفسر النسبة القليلة جداً من الناس الواعيين بأنفسهم حقاً فنحن لا نقوم بالأمر بالطريقة الصحيحة.

يقول ديفيد لينش: “التأمل هو في الأساس وسيلة لمعرفة الذات”. وكما الطب قادر على إصلاح عيوبنا الجسدية يستطيع التأمل تصويب عيوبنا النفسية والرقي بإدراكنا، التأمل بحق، عن طريق ترك البحث حول الأسباب وراءنا، والمضي نحو العلاج بالنظر للمستقبل والبحث عن أساليب أخرى لتحسين الأخطاء والهفوات إلى أن ترجع الأمور لطريقها السليم.

………………………………………..

كتبتها: ولاء متاعة

فايسبوك لينكدإن