الكثير من القطط

عشرون، هو عدد القطط التي كانت لدينا على مدى عشر سنوات- على الأغلب أكثر من عشرين. لم أعد أذكر من ذهب ومن بقي. القطط مستقلة بذاتها ومزاجية لحد كبير؛ البعض يحب أن يبقى، والبعض لا يجد الحياة المنزلية الوادعة جذابة، البعض يكره القادمين الجدد، والكثير لديهم مغامرات خطرة، ثم في بعض الأحيان كنا نحن من لم يبقى.

بلا استثناء كانت قطط شاردة وقفت على باب دارنا يومًا من الأيام وبقيت، ثم تلد الإناث الكثير من القطط ويبقون أغلبهم أيضًا، ولا يرغب أحد في تبنيهم إلا في حال كانت القطة بيضاء بالكامل، طويلة الشعر، وبعيون زرقاء- ما حدث مرة واحدة فقط.

أول قط كان ضخمًا ولا يشبه قطط المنزل المدللة لا من قريب ولا بعيد. كان يطارده الأطفال في الشارع ويختبأ منهم بلا فائدة حيث أنه كان خائر القوى من شدة الجوع، فأخذناه في حديقة المنزل الضيقة. الأخ والأخت اللذان تلاه كان عمرهما بضعة أشهر عندما كان أطفال يحاولون اقتلاع أظفارهم بكلابة- وجب أن نأخذهم أيضًا. كان الأخ متعلقًا جدًا بأخته، يلحقها أينما ذهبت، فيما تنتظره هي خلف الأبواب ليعبر (لأنه كان أسمن منها)، وتدافع عنه ضد كلاب الشارع، وكان هو موجودًا ليعتني بالصغار ويحضنهم في برد الشتاء عندما ولدت أخته.

الثالث، كان على ما يبدو قط منزل مدلل وطُرد من دفأ منزله. ظهر يومًا امام باب الدار وأصر على عدم التحرك وكأنه يعرفنا منذ القدم، فبقي. كان ذكيًا جدًا- يعرف مداخل المنزل الثلاث من بين كل أبواب العمارة، ويعرف كيف يفتح الباب بإنزال المقبض، ولا يخاف من أحد… أو بالأخرى يعتقد أن كل البشر أصحابه، وهذا ما أدى لاختفائه على الغالب. أخبرنا جارنا فيما بعد أنه رمى قطًا كان في مدخل العمارة بعيدًا لأنه كان يزعج زوجته بالاقتراب منها.

ثم أنجب القطة أولادًا غريب أمرهم حقًا. ظننت قبل ذلك أن الشخصية هي من سمات العقل الواعي فقط، ولكن إحدى الأولاد كانت عطوفة جدًا ولم أرى أحدًا بحنيتها بحق- عندما ولدت القطة مرة أخرى كانت تفضل العناية بإخوتها على تناول الطعام، فيما كانت الأخرى تكرههم وتسري الكهرباء في جسدها إذا لمسوها. كانت تكره أن نلمسها أيضًا. لا أتذكر أنها دعتنا نلمسها مرة واحدة، رغم أنها كانت تأكل منا وتنام في الحديقة.

من بين الدفعة الثانية من الهررة الصغار اثنتان بيض بعيون زرقاء وواحدة سوداء مغبرة، لم يحب أحد السوداء بطبيعة الحال، وفوق ذلك عُميت. لو ولدت في الشارع لماتت فورًا، لكن في الحديقة لم تكن تدرك عماها، ربما، فكانت تصعد الدرج برشاقة، وتقفز على أحضاننا وعلى الكراسي، وتلاحق أصوات العصافير. ولكن، أحيانًا، عندما تسمع صوتًا غريبًا، أو تحس بأخوتها يأكلون ولا تجد طعامها، ترفع رأسها وكأنها تحاول أن تنظر من خلف ما تظنه غشاوة فقط أمام عيناها، وتموء بيأس. كنت أعرف حينها أنها منزعجة من وضعها دون أن تعرف ماذا ينقصها.

بقيت القطط معنا خلال الحصار، غريب كيف يقال أن القطط ليست وفية كالكلاب، وبقيت عندما علا صوت الرصاص ونزلت القذائف وماتت إحداهن بأحدها. عندما اشتد القصف، غادرنا نحن وبقيت القطط. أٌأمل نفسي أنهم استطاعوا العيش في الشوارع وخاصة أن الحي صار خاليًا تقريبًا من البشر ليتعرضوا لهم، ولكن بالنسبة للقطة العمياء، أعلم أنها لم تعش طويلاً.

في المكان الجديد، بعد ثلاث سنوات، نزل في صحن الدار قط بدا أنه في شدة الجوعة لدرجةً جعلته يخاطر بحياته في سبيل أن يُطعم، فبقي. عندما رأته قطة أخرى تجرأت على مشاركته الطعام، ولكنها كانت خائفة جدًا من البشر لدرجة أنها لم تأمن لنا أبدًا، ثم أتى هر أسود صغير يعتقد الجميع أنه شيطان، فيما كان، في الواقع، أكثر قط خائف و”مسكين” رأيته.

لم يلبثوا عندنا طويلاً. يومًا من الأيام، اشتممنا رائحة جثة. سمم السنورين “كشاش حمام” خوفًا على حمامه، فوجدناهم منتفخين وميتين في القبو حيث رجعا لمنزلهم للنجدة. بعد بضعة أيام ولدت القطة الخائفة ثلاث قطط صغيرة، لكن صاحب الحمام توصل للأم يومها كذلك. ليلتها، علا صوت الصغار بشكل يبعث البؤس دون أن ترد عليهم أمهم.

في اليوم التالي أحضرناهم للمنزل، وكان يجب أن يُرضعوا بقطارة الأذن لصغر أفواههم. لم أظن أنهم سينجون، ولكن اثنين فعلوا. يقال أن علاقة الأمومة هي علاقة بيولوجية بحتة، ولكن هؤلاء الصغار بعد يومين من العناية صاروا يركضان إلينا ويتعلقون بنا أكثر من أي علاقة بيولوجية، ونتيجة لذلك بقيا في المنزل حتى لم أعد أحتمل الحساسية، فخرجوا للحديقة مرة أخرى، حيث أنجبت القطة العديد من الصغار ويومًا من الأيام، اختفى القط الذي أرضعناه بأيدينا. لم يكن من عادته الاختفاء، والمنزل هو كل ما يعرفه- ربما هجم على حمام الجيران فقتلوه.

بدأت هذه المقالة وفي نيتي التحدث عن كل الأمور التي تعلمك إياها القطط، أو دغدغة المشاعر التي تحس بها عندما تجلس قط في حضنك وتمسح على رأسها فتبدأ بالقرقرة بسعادة وكأن ذلك كل ما يهم في العالم، أو الشخصيات المتعددة للقطط العشرين، كما في قصائد إليوت، الذي يحب النوم، والمهووس بالتربيت عليه، والمجنونة بإنجاب الأطفال والعناية بهم، والشره للبليلة… ولكن كل ما شغل بالي الآن هو الأطفال الذين كانوا يلاحقون القطط في الشارع ويعذبونهم، ومُسمم القطط. هل يولد البشر بهذه السادية، هذا الشر، وهذا الاستهتار ببقية الحيوات؟ إن كان أطفال لم يبلغوا شيئًا يستمتعون بتعذيب مخلوقات لم تؤذهم بشيء، فليس غريبًا ما يفعله البالغون ببعضهم، وأي أمل لنا حينها؟ ربما هذا ما جعل نيتشه يفقد عقله بعد مشهد ضرب الحصان- أن البشرية في أصلها قاسية.