عندما نعجز عن التوقف عن العمل

“الإنسان الذي يعمل من قلبه يشعر بشيءٍ من الإحساس بالذنب وهو في إجازة، يقلقه أنّه لا ينجز، شعورٌ لا يفهمه من يعمل من أجل المال فقط، فغالب الناس يتركون وظائفهم بسبب مدراءهم أو زملاءهموليس بسبب ضغوط العمل الحقيقيّة”.

قرأتُ هذا مؤخراً، وللأمانة فكرتُ فيه مليّاً، وبالأخص كوني أنتمي لهذه الفئة التي يقلقها ألا تعمل، فأنا ممن يمرّ عليه يوم العطلة مملاً طويلاً ولا أستطيع الانتظار حتى أعود للعمل.

فما الذي يدفعنا للإحساس بالذنب ونحن في إجازة؟

في الغالب ترجع تصرفات الإنسان و أحاسيسه لدوافعٍ تمتلكه وحاجاتٍ تسيطر عليه، وقد لخّص ماسلو هذه الدوافع بما يعرف بهرم ماسلو أو هرم تدرّج الحاجات والذي يبدأ بالحاجات الأساسية كالحاجة إلى الطعام والشراب والجنس وينتهي بالحاجة إلى تحقيق الذات، وتقوم كل الدوافع على مكونين أساسييّن “الأمل في النجاح والخوف من الفشل”، وبالنظر خلف شعورنا الداخلي بالذنب أثناء العطلة، فنجد أنه نابعٌ من حاجتنا الدائمة للإحساس بالإنجاز والذي يرفع من تقديرنا لذاتنا و يلبّي ما نسميه اليوم الحاجة لتحقيق الذات، وكون الهرم قائمٌ على التدريج كما طرح ماسلو في ورقته البحثية، فإنّ تصدر الحاجة إلى الإنجاز رأس الهرم يجعلها أسمى الحاجات الإنسانية، فإذا ما تمت تلبية الحاجات الفيزيولوجية والحاجة إلى الأمان و الحاجات الاجتماعية التي دونها، فإنّ الدافع الذي يحركنّا لتلبيتها يشتد، ومن هذا نجد أنّ إحساسنا الدائم بالرغبة بالإنجاز نابعٌ عن قدرتنا على معاملة أنفسنا كما ينبغي وتلبية حاجاتها الأساسية، فلو لم تكن حاجتنا للتقدير ملبّاة لما شعرنا بالحاجة إلى الإنجاز وتقدير الذات لأنّ الأمر يسير بشكلٍ تراكميٍ تراتبي.

أمّا تاريخيّاً فيرجع استخدام مصطلح الحاجة إلى الإنجاز إلى “ألفرد أدلر” الذي أشار إلى أنّ الحاجة للإنجاز هي دافعٌ تعويضي مستمد من خبرات الطفولة وقد تعرّض لهذا المصطلح أثناء دراسته لمفهوم الطموح، كما أشار إليه “كورت ليفن” في دراساته، أمّا “هنري موراي” فقد كان أوّل من قدّم مفهوم الحاجة للإنجاز بشكلٍ دقيق مفصّل بكونه أحد سمات الشخصيّة، وهو الذي قامت عليه دراسات “ماكليلاند” وقياساته، حيث استند على تجارب “موراي” في تطوير اختبار سماه “اختبار تفهم الموضوع” والقائم على دراسة استجابات الناس لعددٍ كبير من الصّور التي تحمل أكثر من تفسير، وتحليل إجاباتهم لتحديد مستوى الإنجاز لديهم، ويستطيع الأخصائي النفسي الخبير أن يستنتج من استجاباتهم مشاعرهم وانفعالاتهم وأحاسيسهم، كما أنّه يفيد في تفسير ما يدور في نفسية الفرد من انفعالات ودوافع ونزعات مكبوتة.

ونتيجة ارتباط الإنجاز غالباً بالنجاح، فإن التمسك بالإصرار والمثابرة والشغف لتحقيق أهداف طويلة الأمد ليس كافٍ وخاصة في المجال الأكاديمي، ففي بحث أجرته “أنجيلا دوكوورث” الأخصائية النفسية (مؤسسة شركة مختبر الشخصيات المعنية بتطوير العلوم وممارسة التنمية الشخصية) فإنّ مؤشر النجاح لم يكن غالباً الذكاء الاجتماعي أو المظهر الجيد أو الصحة البدنية ولا حتى مستوى الذكاء العقلي، إنّما كان الصبر والجلَد هما الخط الفاصل في توليد العزم نحو إنجازٍ أكبر.

وقد تقاطع بحث “دوكوورث” حول العزم والمثابرة مع أستاذة علم النفس “كارول دويك” التي عملت على تطوير عقلية النمو نتيجة اعتقادها أنّ القدرة على التّعلم ليست ثابتة إنّما قابلة للتطوير من خلال بذل الجهد والصبر، وذلك بعد تجربةٍ شخصيًة عانتها في مدرستها الابتدائيّة التي كانت تكافئ الطلاب وتقدّر جهودهم بناءً على معدل ذكاءهم، حيث بإمكان الطلاب ذوي معدل الذكاء العالي محو السبورة أو حمل العلم، وبالتّالي كانت نتائج الاختبار فقط هي ما تحدد مستوى نجاح الطالب، ولذلك تنصح اليوم المربين بالتركيز على تنمية طفل أكثر انجازاً من طفل أكثر ذكاءً، عن طريق مدح الحكمة وليس الذكاء أو الموهبة، والمكافأة على أساس المجهود والسعي نحو التقدم وليس فقط النتيجة.

ويعدّ الطموح العالي والمثابرة على بذل الجهد والتحمّل من أجل الوصول للهدف من أهم عوامل الدافع نحو الإنجاز، لكنّه لا يعد من الدوافع الفطرية الأوليّة بل هو دافعٌ مكتسَبٌ من قبل البيئة الاجتماعية بالمرتبة الأولى إلا أنّه وحسب “ديفيد ماكليلاند” الباحث في علم النفس لا بدّ من وجود استعداد ثابت ونسبي في صلب سمات الشخصيّة يجعلها أكثر رغبة في النجاح والإنجاز، فالأشخاص المتمتعين بهذا الدافع يمتازون بقدرتهم على تحقيق نتائج أفضل، ونظرة واقعية أكثر شمولية تجاه انتهاز الفرص، كما لديهم رغبة شديدة في الحصول على الإطراء والإعجاب من قبل الآخرين، ولذلك نجد أنّهم يميلون للأعمال التي تعتمد على الإنجاز الفردي، ويبتعدون عن الأعمال التي لا تميّز بين الفروقات الشخصية للأفراد، ولا تقتصر أهمية هذه الحاجة على المجال المهني بل تمتد للمجال النفسي والتربوي والأكاديمي، فهناك جوانبٌ عاطفية مرتبطة بالحاجة إلى الإنجاز كالشهرة والاستقلالية.

………………………………………..

كتبتها: ولاء متاعة

فايسبوك لينكدإن