أن تشعر بالوحدة

تشير منظمة الصحة العالميّة إلى أنّ ما يشكل 15% من إجمالي الأمراض حول العالم هي علل نفسية. وفي العقد الفائت زاد معدل الإصابة بالاكتئاب، على سبيل المثال، بالنصف، حتّى أنّ منظمة الصحة العالميّة جعلت من 15 تشرين الأول/أكتوبر يوماً عالميّاً للصحة النفسيّة.

لربّما أصبحنا مدركين أنّ صحتنا النفسية في تدهور، لكن ما الذي يحدث إذا أخبرتَ أحدهم أنّك تشعر بالاكتئاب أو أنّ صحتك النفسية ليست على ما يرام؟

“حسناً، انسَ الأمر، تجاوز اكتئابك فهو مجرد أوهام، على الأغلب” هذه الإجابة التي ستسمعها.

لكن، إذا أخبرت أحدهم أنّ يدك قد كسرت أو أنّك تشعر بالتهاب أحد أضراسك، هل سيقول لك انسَ الأمر؟

جميعنا نتعلم الحفاظ على صحة أجسامنا، ونُحسن التصرف فيما يتعلق بألمنا الجسدي، لكنّنا نقوم بتناسي وتجاهل إصاباتنا النفسيّة –بسذاجة-وكأنها ستشفى لوحدها، حتّى طريقة التربيّة التي تلقيناها تقوم على هذا الخطأ الشائع بالاهتمام بالجسد أكثر من النفس، يسألونك ماذا أكلت؟ ولا يسألونك بمَ شعرت؟

ومن بين المشكلات الغير جسدية تعتبر الوحدة نقطة البداية لكثيرٍ من العلل النفسيّة على اختلاف جنس أو عمر الفرد، وتؤدي لارتفاع التوتر، وضعف المناعة، مما يجعلها تهديدًا للصحة العامة أكثر من السكري، وقد تناولها الكثير من علماء النفس في دراساتهم من فرويد وإيريك فروم إلى جون كاسيبو ووليم باتريك، وخصصت بريطانيا أخيرًا وزيرًا للوحدة.

يرجع السبب وراء الشعور بالوحدة إلى خبراتٍ مبكرة منذ الطفولة تجعل الفرد في تناقضٍ بين حقيقة ذاته الداخليّة وذاته الواضحة للآخرين، لذلك تلعب التنشئة الاجتماعية دوراً مهماً في توليدها، وفي إحصائيات على البيئات العربيّة وجد أنّ نسبة الوحدة النفسية لدى الإناث أكبر من لدى أقرانهم من الذكور، ويردّ هذا لنمط التربية الشائع لدى أغلب المجتمعات العربيّة.

الإحساس بالوحدة النفسيّة لا يندرج تحت نوعٍ واحد، فمن الممكن أن ينشأ عن ظروفٍ محددة يمرّ بها الفرد، فتكون وحدة مؤقتة، ومن الممكن أن يمرّ بهذه الحالة الشعورية لفترةٍ عابرة، أمّا عدم قدرته على تطوير علاقاته الاجتماعيّة وعدم رضاه عنها يجعله يعيش وحدةً نفسيةً مزمنة تحتاج إلى الوعي بها.

ويختلف مفهوم الوحدة عن العزلة والتي من الممكن أن تكون اختيارية، فغياب أو انخفاض التفاعل الاجتماعي مع الآخرين، لا يعني الاحساس الذاتي بالوحدة الذي من الممكن أن تشعر به وإن كنت ضمن محيطٍ اجتماعي.

وبذلك نستطيع التمييز بين الوحدة النفسيّة والعزلة الاجتماعيّة بمجموعة أبعادٍ حددها “روبرت وايس” في كتابه “الوحدة تجربة عاطفية واجتماعية” 1973، فحاجة الفرد للصداقة الحميمة والتأييد الاجتماعي، وشعوره بالقلق المرتفع والضغط النفسي عند التوقع لأمورٍ لا تتحقق، بالإضافة إلى إحساسه بوجود حاجز أمام تكوينه للعلاقات الاجتماعيّة، كلها دلائلٌ تشير للوحدة النفسيّة.

ويرتبط الشعور بالوحدة ببعض سمات الشخصيّة، كتدني احترام الذات، الخجل، الشعور بالاغتراب، كما يتعلق بشكلٍ طرديٍ بالشخصية الانعزاليّة أو كما يسميها علماء النفس “العصابية”، ويتمثل بالشعور بالعجز في المحافظة على استمرارية التفاعلات الاجتماعيّة كواحدة من رغبات الفرد وحاجاته، وحرمانه من التواصل مع الآخرين، على الرغم من رغبته الشديدة في التقرّب منهم ومصاحبتهم.

ماذا عن نتائج الإحساس الداخلي الوحدة؟

وقوعنا تحت تأثير الإحساس الداخلي بالوحدة يجعلنا ننتظر من الآخرين أن يبادروا بالاهتمام والتواصل، وعند عدم فعلهم لذلك -بقصدٍ أو من غير قصد-يتولد داخلنا جرح نفسي عميق قادر على تشويه إدراكنا وفهمنا، ويجعلنا نعيش في دوامةٍ من الخوف من أخذ زمام المبادرة، فنشعر أنّ من حولنا يهتمون بنا بقدرٍ أقل من الواقع، فضلاً عن الآثار الجسدية من انخفاض فعالية جهازنا المناعي وجعلنا معرّضين لكثيرٍ من العلل الجسدية الأخرى، وحساسيتنا المفرطة تجاه أي من أمور الحياة العادية.

ومن الممكن أن يكون الخلل في العلاقات الاجتماعيّة الناتج عن الوحدة كمّي يتلخص في عدم وجود عددٍ كاف من الأصدقاء، أو كيفيٍ يتمثل في غياب المحبة أو الألفة مع الآخرين، كما من الممكن أن يكون عاطفيٌ ناتج عن نقص العلاقة الوثيقة الودودة مع شخصٍ محدد، أو اجتماعي متعلق بنقص في مجموعة العلاقات الاجتماعية ككل، والتي يشترك فيها الشخص مع مجموعات أخرى تبادله نفس الاهتمامات أو الأنشطة.

أوجد العلماء العديد من الاختبارات التي تجعلنا قادرين على معرفة مدى صحتنا النفسيّة أو عزلتنا الاجتماعيّة ومدى المساندة الاجتماعيّة في حياتنا، أمّا الوحدة النفسية فقد تعددت الاختبارات عنها كاختبار كاتل ومقياس آيزنك، أمّا أشهرها فهو النسخة المرجعيّة لمقياس الوحدة النفسيّة UCLA الذي يعتمد على 20 مفردة موزعة بين 9 مفردات إيجابية و11 سلبية، الذي الكثير من الأبحاث صدق وثبات المقياس ضمن البيئة العربيّة. كل هذه الاختبارات تعتمد في النهاية عن تقييم الشخص نفسه لمدى وحدته، فلا تقييس كم عدد الأشخاص من حولك أو كم حفلة تحضر-مثلاً- ولكن تقييس ما هو شعورك عندما تتواصل مع الآخرين وكم ذلك مهم في حياتك.

بالنظر إلى واقعنا اليوم فهناك الكثير من ممارساتنا اليومية قادرة على زيادة شعورنا بالوحدة النفسيّة، وخاصةً في هذا التقدم التكنولوجي المتسارع الذي يعتبر مصدر الشعور بالوحدة والافتقار إلى الأمان مما ساهم في زيادة نسب الوحدة النفسيّة عالمياً، وأضعف الروابط الأسريّة والاجتماعيّة، وخاصةً في ظل الإدمان اللامحدود للهواتف المحمولة الذي جعلنا نعيش وحدة واغتراب وإن كنّا بين حشدٍ من الأصدقاء.

ماذا يمكن أن تفعل؟

أجرى كل من جون كاسيبو ووليم باتريك العديد من الأبحاث عن الوحدة وكان نتاجها كتاب جميل ومفيد يدعى “الوحدة“. يمكن أن نستنتج منه هذه الخطوات البسيطة للبدء بمقاومة الوحدة:

  1. أنت بحاجة إلى تجارب بسيطة ومنتظمة توفر “جرعات صغيرة من الأحاسيس الإيجابية التي تأتي من التفاعلات الاجتماعية الإيجابية” – وهو شيء لا يمكنك الحصول عليه عندما وحيدًا. ينصح بالبدء في أنشطة بسيطة مثل حضور المناسبات الاجتماعية وإجراء محادثات صغيرة أو التطوع في بيئة تتضمن بعض التواصل الاجتماعي.
  2.  إعلم أن لديك القدرة على اتخاذ إجراءات من شأنها أن تساعدك. من المهم أن تدرك أنك لست “شخص يمشي في محددات وراثية وبيئية لا يمكنك التحكم في مسارها”. إن مجرد معرفة أنه من الممكن اتخاذ خطوات ملموسة نحو التخلص من مشاعر العزلة الاجتماعية التي طال أمدها، يجعل من السهل إعادة تدريب نهجك في التفاعل مع العالم. إن اختيار الأشياء التي تريد أن تكون جزءًا منها والمشاركة المقصودة في بيئات اجتماعية قد يحدث فرقًا كبيرًا.
  3. إن اختيار الأنشطة الاجتماعية – والأشخاص الذين يمارسونها – التي تهمك يمكن أن تجعل التواصل مع الآخرين أسهل كثيرًا، لأن أي زميل من الحضور يشاركونك بالفعل في مصلحة. إذا كان الجري أو القراءة شيء تستمتع به، فقم بالانضمام إلى مجموعة جري أو نادي كتاب.
  4.  إذا دخلت نشاطًا اجتماعيًا وأنت تتخيل أنه سيتم تجاهلك أو أن الناس لن يكونوا ودودين، فمن السهل تحويل ذلك إلى نبوءة تحقق ذاتها. من ناحية أخرى، فإن توقع الدفء والاتصال يجعل من الأسهل عكس نفس المشاعر. على نفس المنوال، كتب كاسيبو، أنه من المهم فهم ما إذا كان شخص ما يبدو أنه يدفعك بعيدًا؛ قد يمر هذا الشخص بيوم سيء أو قد يواجه صعوبة في شيء آخر، فلا تأخذ الأمر على محمل جدي.

بالطبع، مثل أي أمر آخر، لا يمكن حل مسألة الوحدة بخطوة أو خطوتين ولكن، البدايات المتواضعة، والخطوات الصغيرة هي السبيل لحل أكبر المشاكل وإنجاز أفضل الأمور.

كتبتها: ولاء متاعة

فايسبوك لينكدإن