منظر طبيعي لمدينة بالبيج

لا يمكن، بأي شكل، تقدير حب الحلبيين للبيج. من الأثاث للأبواب والستائر وحتى الحلويات الشعبية تطغى عليها تدرجات البيج. إذا نظرت إلى حلب من الأعلى ستجد كتلة اسمنتية واحدة بتدرجات هذا اللون الباهت، مع قلعتها فقط بارزة بشكل واضح المعالم من ذلك الأفق، ومبنى المحافظة يرتفع كرقابة الأخ الأكبر. من أرقى الأبنية والفلل في الأحياء الغربية إلى الأحياء الشعبية وحتى القلعة، كلها مغطاة بحجارة صفراء تمتزج مع بعضها لتشكل مسطح واحد بضربات البيج الباستيلي. جميع الأبنية من أربع طوابق مع طابق إضافي يبنى بشكل غير قانوني وتشغل أسطح المنازل أطباق الساتلايت التي أصفر لونها نتيجة الطبيعة. الشوارع في الأسفل ضيقة جدًا ولا يوجد طريق واحد يستمر بشكل كافٍ لرسم ملامح المدينة. وبدأ من الساعة الثامنة صباحًا ترتفع غيمة من الأتربة ودخان السيارات للسماء فيتحول أفق حلب أيضًا للون البيج.

يغلب على بناء حلب العشوائيات. الأبنية ملاصقة للشوارع، والشرفات فوق الأرصفة، لذلك تحس بأنك تمشي بغرفة ضيقة مع جدران عالية تحاول أن تخنقك، وسقف بيج أو رمادي وليس أزرق. من فوق، تبدو ككتلة واحدة تتنفس بصمت حيث يتعذر رؤية الحركة داخلها. من الداخل تكتظ بالحركة والضجيج وكأن الخارج غير موجود.

هنالك حديقة رئيسة واحدة، يمر بها نهر تغنى به الشعراء يومًا من الأيام، لكنه تحول لمصرف صحي يخنق الحديقة، ورغم جهود تأهيله، مازال بعيدًا جدًا عن…ساقية. تحوي الحديقة على أشجار معمرة زرعها الفرنسيون، ممنوع الجلوس على العشب، مناطق مظلمة مريبة، رائحة الشلالات تفوح برائحة السمك الميت مع أنها لا تحوي سمكًا، وفي فترة من الفترات احتوت الحديقة على بعض الطيور والقردة لم يقصد منها تجميل الحديقة أكثر من زرع البؤس على منظر الحيوانات وهي تدور حول نفسها بكآبة وقلة حيلة داخل الأقفاص الحديدية الضيقة.

يقال أن حلب تحوي على أكبر عدد من المعابد في مدينة واحدة. إن كان التفوق الكمي هو المقصود فذلك مثير للإعجاب، ولكن كل هذا العدد المتفوق من المساجد هو مجرد تكرار؛ جميعها لها نفس التصميم العثماني- نفس القبب ونفس المآذن ونفس الحجر البيج الذي يغطيها، لم يكلف أحد نفسه ابتكار تصميم من هذا القرن ولم يستلهم أحد اسلوبًا جديدًا في تكوين كتلة المسجد أو قبته. يقال أيضًا أنها حيث تعانق المآذن الكنائس، ولكن في أحد الأحياء ذي الغالبية المسيحية بُني مسجد ضخم بين أربع كنائس وبنية له أربع مآذن تواجه كل مئذنة كنيسة ولكن بارتفاع أكبر بشكل مقصود، فيبدو كمواجهة وتحدي أكثر منه تعانق.

المدارس كما وصفها زائر أجنبي تبدو كسجون، حيث أن النوافذ جميعها مغلقة بقضبان وشبك حديدي أسود، كل الكتل المعمارية للمدارس على شكل مستطيلين أو ثلاثة بزوايا قائمة، تتوسط باحة المدرسة ذات السور العالي بشكل لا يمكن رؤية ما خلفه، وأرضية الباحة من حجر الرصيف أو الأسفلت الخشن الذي لا يترك طفلاً دون خدش ركبه أثناء اللعب.

الجامعة هي الكتلة الوحيدة الممتدة بشكل واضح المعالم وتحتوي على الكثير من الأشجار، ليس مقارنة بغير أماكن ولكن مقارنة بحلب نفسها. ومباني الكليات والسكن الجامعي مثل جميع مباني حلب، عبارة عن مكعب مستطيل تختلف نسبه فقط، وكلها ملبسة بالحجر الأصفر، حتى مبنى كلية العمارة. توحي مباني الجامعة بكتلتها الضخمة المصمتة ونوافذها المترسة أيضًا بالحديد، بأنها مباني التجهيزات العسكرية من العهد السوفيتي.

في حلب متحف واحد، يوحي شكله من الداخل والخارج بأنه صندوق كرتوني وليس متحفًا مليئًا بالجمال. يوجد مقهيين ثقافيين صغيرين جدًا، أُغلقا بعد الثورة. المقاهي الأخرى إما حديثة بشكل متصنع أو قديمة ويملأها ضباب التدخين. المكتبات قليلة ويغطيها الغبار. الأرصفة ملك لباعة البسطات والمحلات التجارية وليس للمارة. الشوارع شتاءً مليئة بالوحل الذي لا يعلم أحد من أين يأتي. أعمدة الكهرباء مغطاة بشكل كامل بلوحات المحلات والمكاتب بشكل يحرق العينين ويصيب الرأس بالدوار. الزحام خانق. مداخل الأبنية ضيقة وتزداد ضيقًا كلما صعدت لأعلى وكأنها تحاول أن تبتلعك. وبالرغم من كل ذلك، عندما يتذكر أبناء حلب الذين أُخرجوا طوعًا أو كرهًا من مدينتهم يتذكرونها كما في الكتب الرسمية بأنها درة الشرق المليئة بالجمال- أعلم أني أحس بذلك، ولكن هذا الجمال حقيقة غير موجود. رهبة المدينة التي شهدت ولادة التاريخ عوض أن يشهد ولادتها لم تعد موجودة سوا في السوق القديم، والذي تدمر جزأ كبير منه. الأحياء المسماة بستان القصر وبستان كل آب لم تعد تمتلك من أسماءها ولا شجرة. سحر الشرق الذي أتت أجاثا كريستي لتبحث عنه لم يبقى منه سوى تعويذة الخراب، وقصائد الشعراء الأيوبيين والحمدانيين صارت ذكرى باهتة نواسي بها فخرنا.

عندما نفكر بذكرى عزيزة على قلبنا نقوم برسم كل الجو المحيط بها بحميمية. ليست البيئة هي المهمة بل تجربتنا معها أو مع الأشخاص داخلها، عندما نتذكر حلب، أو غيرها، نرسم هذه الصورة الرومنسية للمكان بسبب ارتباطه بحميمة الموقف وليس لجماله بذاته- بالنسبة لشخص غريب، لن يفهم ما نراه.

قد أبدو هنا متحاملاً على حلب، ولكن فقط لأني أعرفها، إلا أن الأمر ينطبق على كل المدن؛ العربية منها خصوصًا، سواءً المبنية بطرق عشوائية تامة أو حتى مدن الملح المليئة بالأبراج. لا يدرك الأخيرون، بالاستفادة من لوحات البورتريه للملوك والأرستقراطيين، أنه يمكن استئجار مهارة فنان ولكن ليس رأيه- سينقل نظرته الخاصة بالموضوع بطريقة أو بأخرى، ومن هنا نرى صليبًا أو رمز الملكية الهولندية أو غيره مخبأ في الأبراج كانتقام وهجاء واضح للثروة التي لا تستطيع شراء الفن.

وينطبق الأمر حتى على مكة التي أفرغت كليًا من أي أرث ثقافي. يُفترض بالحج كمنسك أن يجعلنا نتأمل، في بضعة أيام، موقعنا في الكون، ونستشعر التواضع. هذا التواضع والتقشف موحى به في رداء الإحرام والطقوس ككل ولكن ليس المباني، التي توحي بالبذخ الغير مدروس، والتقليد، والتصنع وكأن الحج يتم في ديستوبيا تحت أعين حواسيب الماتركس.

هنالك استهتار منقطع النظير في تصميم المدن العربية. في تجربة الرعي العضوي المشهورة وجد المختبرون أن البقر الذي يرعى في السهوب المفتوحة ينتج حليبًا ولحمًا أفضل بكثير من البقر المربى في الزرائب والمصانع. أليس غريبًا في حين يهتم “البعض” برفاه معيشة البقر لتحسين انتاجها، يواجه تصميم بيئة البشر بتجاهل تام أو قلة دراية. ما الذي يمكن أن نتوقع من إنسان يعيش في سجن مسطح بلونٍ واحد؟ أي جمال هذا الذي سينمو فيه وكل ما حوله قبيح؟ أو ماذا نتوقع من إنسان يعيش حيث كل ما حوله مُتصنع وتبعي لرؤية أمم أخرى؟

تتحدث أعمال الهندسة المعمارية إلينا بهدوء، لا يُأخذ بالاعتبار في كثير من الأحيان. بعض المباني والشوارع وحتى مدن بأكملها تتحدث عن الفوضى والعدوان أو الفخر العسكري؛ في حين أن أخرى تهمس لنا بالهدوء والطمأنينة أو اللطف. نفضل أن نرى أنفسنا قادرين على السيطرة على حالاتنا النفسية بشكل مستقل عن لون وشكل وملمس الجدران، ولكننا في الحقيقة نتأثر بأخفض الأصوات العامة في بيئتنا. داخلنا مفتوح واسعًا للتأثير الخارجي، وقد نتضرر من القبح المعماري تمامًا مثلما تحذرنا الأديان من التأثر الأخلاقي برفقة السوء.

أرواحنا تختنق في شبكة شوارع المدينة المصممة دون أي موهبة أو رعاية. في المجتمع التجاري والمؤقت الحديث، ينظر إلى المباني إلى حد كبير من حيث التمويل والتكلفة والعائد على رأس المال، وفيما يفرض الساسة بعض القيود بخصوص معايير البناء، إلا أنه غالبًا ما يكون هناك تجاهل تام للأثر العام والأداء البيئي- مجموعة كاملة من أنواع الأضرار التي تسببها المباني القبيحة لنا لم يتم الاعتراف بها أو منحها تعبير سياسي. إلا أن هذا ليس جديدًا؛ يُعترف بأشكال عديدة من الأذى العام على أنها حقيقية فقط بعد تجاهلها حتى أصبحت مزمنة. مثلا، استغرق الأمر عدة عقود حتى يتم تفسير التلوث الصناعي للأنهار على أنه أي تهديد حقيقي للصالح العام.

والأمر لا يتوقف على صناع القرار فقط. شرفات حلب، مثلاً، لا تشبه الواحدة الأخرى- وليس بشكل جميل؛ هذا الذي يستخدم ساتر قماشي لمنع كشف “عورة منزله” أو الذي يغطيه بزجاج، أو من يلبسه بسرميك فيما بقية شرفات البناء حجرية، وغيره مما يكشف تفكك المجتمع حقيقة وعدم اكتراث أي شخص سوا بمصلحته الشخصية. فوق ذلك، يثمن الباعة والمشترون المباني على مقدار مساحتها، كلما زاد المتر مقابل الدولار كان أفضل، ولا تأخذ اعتبارات الجمال أو التناسق أو الأصالة أو الاستدامة في الاعتبار أو تكون مكملة فقط. لا يوجد متعهد بناء يهتم بزرع بضعة أشجار أمام عمارته كما يهتم بعدد الغرف، أو يتخلى عن طابق ليجعله موقف للسيارات عوض أن تتكوم في الشارع. وعندما يقوم تاجر بوضع لوحة إعلانية مضاءة بالأحمر، يقوم جاره بوضع لوحة أكبر وأكثر إضاءة بالأزرق لجذب الانتباه، في تجاهل تام لحق الناس بعدم التشويش على مدى رؤيتهم.

إذا فهمنا بشكل أفضل التأثير الذي أحدثته الهندسة المعمارية القبيحة على حياتنا، وقوتها في استنزاف طاقتنا فإننا سنصدر بالتأكيد تشريعات ضده. ولكن حتى الآن، لم يزدهر أي تقدير حتى لضرورة بيئة أكثر جمالا. في المدينة الفاضلة، سيتم تفسير العمارة بشكل أكثر عدالة على أنها فرع من فروع الصحة العقلية، مع دور حاسم تلعبه في الرضا العام. ويمكن أن يفسر التصميم السيئ على أنه جريمة ضد صحة الروح الجماعية.