فن الشذرات الفلسفية

يخيل للبعض أن كل كتب الفلسفة عبارة عن كتب طويلة محشوة بالمقاطع النصية الصعبة والمعقدة، لكن أحد أقدم الآثار الفلسفية هو “الحكم” أو الشذرات الفلسفي؛ حتى أن الفلسفة، على الأغلب، بدأت على هذا الشكل حتى جاء العصر السقراطي المتبني لنسق أكثر منهجية في طرح المواضيع الفلسفية. لكن شعبية الشذرات لم تأفل واشتهر بهذا الاسلوب الامبراطور الروماني ماركوس أوريليوس، والعبد الروماني سايروس، ثم باسكال الذي تكون كتابه المهم Pensées من الشذرات فقط. وفرانسيس بايكون الذي فضل الشذرات لأنها أعطت الملاحظات الفلسفية نوعية من التفرد في حين تميل النصوص المنهجية للتشابه في التصميم والطرح. ونيتشه الذي كانت الشذرات الفلسفية بالنسبة له طريقة للسخرية من الفلاسفة الأكاديميين الكبار وأعمالهم المنهجية التامة، وكتب عن فن الحكم قائلاً: “أقصر طريق في الجبال هي من قمة لقمة، ولكن على المرء أن يكون طويل الساقين. يجب أن تكون الشذرات هي القمم- والمخاطبون طوالاً وعظام”. ومن بعده الفيلسوف الروماني سيوران الذي كتب مجلدات من الشذرات واقفًا ضد النصوص الطويلة الكاملة والبنية المنهجية، ومفضلاً الحكم والشذرات القصيرة الشبيهة بالأمثال التي تُوجه “كما توجه الصفعة”. وبالإضافة لهؤلاء، لدى كافكا، أوسكار وايلد، لاروشفوكو، أبقراط، وشوبنهاور أعمال مخصصة للشذرات.

وإذا أخذنا الشذرات خارج المعنى الفلسفي حصرًا لوجدنا أن جميع الأديان السماوية والديانات الشرقية تعتمد تماماً على “أقوال” الأنبياء والحكماء، وهي في النهاية شذرات لا تختلف بشيء عن الشذرات الفلسفية، وتدوم هذه الأقوال أو الشذرات حتى عندما يفنى محيطها المنهجي؛ أقوال حكماء الزين منتشرة بكثرة لا تقاربها معرفة طرق العبادة أو النسك البوذية، أقوال جلال الدين الرومي المختزلة منتشرة أكثر من دروس الأمة الأربعة، وأقوال يسوع متداولة بشكل يسبق المعرفة بمذهب الثالوث رغم أن الأخير أهم للمسيحية.

يفسر جون ستيوارت ميل علاقة الأديان مع الأقوال في مقالته الجميلة والمهمة عن “الشذرات” بأن الشذرات، من خلال فوريتها، تتحول مباشرة لتجربة يمكن التماهي معها، في حين أن العقيدة المنهجية تحتاج لدراسة مطولة ومن ثم محاولة استيعابها وادراكها، لذلك فإن أقوال جلال الدين الرومي عن الإله أقرب للإدراك من شروحات الغزالي أو ابن سينا التي تحتاج لكثير من المعرفة لمجرد فهمها.

من ناحية الأنثروبولوجيا، فعلى على الرغم من أننا عادة ما نفكر في الأديان كمجموعات من القواعد القاطعة، إلا أن الأقوال المتناقضة هي في الواقع أداة عملية أكثر لنشر الدين، حيث يمكن أن تعني أشياء كثيرة لكثير من الناس في وقت واحد. ماذا يعني كونفوشيوس عندما علق على التدفق المستمر للنهر؟ شيء متشائم (بما أن تدفق الوقت لا يمكن إيقافه)، أو شيء متفائل (لا يمكن إعاقة تقدم الأشياء)؟ قد يعني هذا ما تريده أو ما أدركته حسب تجربتك الخاصة. وكلما كانت الحكمة أو القول أكثر صوفية وغموضًا كلما التقط ما نأمل أو نتصور عن الإله أو الدين.

إذاً ما هي الشذرة الفلسفية وكيف تختلف عن الهايكو، أو المثل، أو الحكم الشعبية، أو القول المأثور، أو الألغاز، أو البديهية أو البروكارد؟ الأمر معقد، فعلاً، ولا يوجد تعريفان متشابهان حول الموضوع، وكما يقول الكاتب والفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو بهذا الصدد: “لا يوجد شيء أصعب من تعريف الشذرة”. إلا أن WH Auden على كل، يعرفها كالآتي: “الشذرة … يجب أن تقنع كل قارئ بأنها صحيحة عالميًا أو صحيحة اتجاه كل عضو في الفئة التي تشير إليها، بصرف النظر عن قناعات القارئ”.

لكن ما يبدو أن أغلب التعاريف تتفق عليه هو أن الإيجاز جزء أساسي فيها. الخاصية الرسمية المميزة للشذرات التي تجعلها تختلف عن الأنماط الأدبية الأخرى. ومع ذلك، بطبيعة الحال، فإن إيجازها يعني أن حقيقتها هي غير مُدلل عليها، لذلك تبدو متعجرفة، مما دفع سوزان سونتاج لوصفها بأنها سمة مميزة “للتفكير الأرستقراطي”. وقصرها يعني، أيضًا، أن كل كلمة ذات معنى ووزن ولا يوجد حشو؛ حجمها الصغير مشحون بأقصى الدلالات. 

ولتعقيد الأمور أكثر، يجب أن تعبر الشذرات عن حقيقة ما، ولكن ليس حقيقة لا تقبل الجدل. على الشذرة أن تثير التفكير والأهم التأمل. يجب أن تحتوي على مفارقة، غموض، عنصر من الذكاء. وبعبارة أخرى، فإن إخبار الشذرة لحقيقة عامة عادة ما يكون غير متوقع أو مشفر أو متناقض أو فكاهي. لذلك فهي شكل أدبي -على وجه التحديد شكل شعري-، وشكل فلسفي، و(تاريخيًا) شكل لاهوتي أيضًا. تلك النوعية التي يصعب تحديدها في الشذرة، ربما هي ما يجعلها جذابة للغاية.

وهنالك نوعان من الشذرات؛ تلك التي تهاجم الموضوع وتغلقه، كما نجدها في أغلب الأديان: “لا تكذب وإلا ستحترق في جهنم” وتلك التي تميل إلى فتح الموضوع على مزيد من التأمل أو رؤية جوانب للموضوع لم ترها من قبل. ولكن في كلتا الحالتين، لا يمكنك الجدال مع الشذرة حيث لا يوجد تبرير أو منهجية لتقنعك.

من هنا، وكما قال ميل، تكمن أهمية الشذرات في كونها “غير منهجية وهو جوهر كل الحقائق التي تستند إلى تجربة محددة”. يحدث ذلك لأننا لا نتلقى الشذرات كحكمة كونية، ولكننا نختبرها بالتماهي مع تجاربنا الخاصة. ويكمن خطرها، أيضًا، عندما يٌغر المتلقي بأسلوبها القطعي والمباشر فيأخذها كحقيقة مفروغ منها؛ لذا، علينا دوماً الانتباه إلى أن الشذرات هي أفكار ومقترحات، مثل أي أطروحة منهجية.