هل من الصائب حضور السياسة أو الدين في محاضرة جامعية؟

عندما كنت في الجامعة، لم يمر علي دكتور جامعي لم يتحدث في محاضرته أو يعطي رأيه عن الوضع السياسي القائم، أو الغلاء، أو حرية المرأة، أو ممارسات وصرعات الشباب، أو الواجبات والمحرمات الشرعية، أو كرة القدم، دون أن يكون أي من ذلك ضمن المنهاج الدراسي. بالطبع هنالك دعوات دائمة لتشجيع النقاش والحوار في الجامعة، وعدم التزمت لأسلوب المحاضرة الجامد، ولا يختلف اثنان حول أهمية هذا الأمر عندما تناقش، مثلا، الماركسية والرأسمالية بشكل منفتح في حصة الاقتصاد السياسي. ولكن عندما يُناقش حجاب المرأة في حصة اللغة العربية، يبدو ذلك جنوحًا عن الهدف التعليمي.

عندما لا يعرف الأكاديميون أو ينسون بالضبط ما يفترض أن يفعلوه، تبدأ المشاكل، وتكثر الانتقادات للمشروع الأكاديمي. لذلك دعونا نبدأ بسؤال بسيط. ما هي بالضبط وظيفة التعليم العالي وعلى أي أسس يُوظف ويُأجر الأكاديميون؟

الجامعة موجودة فقط لأغراض محدودة … لأغراض “التدريس والبحث”، والسبب أن الجامعة مجتمع محدود لا يستطيع اتخاذ إجراء جماعي بشأن قضايا اليوم دون تعريض ظروف وجوده وفعاليته للخطر. بالطبع يمكنه ويجب عليه اتخاذ إجراء جماعي (فردي) بشأن تلك القضايا ذات الصلة بالمهمة التعليمية – سلامة المنحة الدراسية، والانتحال، وقيمة التعليم. لكن لا يجب أن تدافع الجامعة بشكل جماعي أو كأفراد هيئة التدريس عن وجهات نظر شخصية أو سياسية أو معنوية أو أي نوع آخر من الآراء باستثناء الآراء الأكاديمية.

تتمثل مهمة شخص يقوم بالتدريس في كلية أو جامعة في تعريف الطلاب على المعرفة وتقاليد التحقيق العلمي، وتزويد هؤلاء الطلاب أنفسهم بالمهارات التحليلية التي ستمكنهم من التحرك بثقة داخل تلك التقاليد والانخراط في البحوث المستقلة إذا اختاروا القيام بذلك. يجب على المدرسين الحضور لصفوفهم، وإعداد خطط الدروس، وتعليم ما تم الإعلان عنه، والتحدث في أدبيات هذا المجال، وتصحيح الوظائف والأوراق، وعقد ساعات عمل منتظمة، وتقديم المشورة الأكاديمية (وليس السياسية أو الأخلاقية).

هذا كل شيء، لا يوجد شيء آخر ولا أكثر. لكن هذه ليست قائمة صغيرة بالالتزامات المهنية، ولن يكون لدى أعضاء هيئة التدريس المؤمنين بواجباتها سوى القليل من الوقت للجدال حول مواضيع إشكالية، أو فرض حكمتهم حول موضوع عام.

يزعم البعض أنه يجب أن تكون الجامعة بأكملها منطقة حرة للتعبير لأنه في النهاية، أليست الجامعة مكان للتعبير غير المقيد للأفكار؟ الجواب هو لا. الجامعة هي في المقام الأول مكان للتدريس والبحث. التعبير غير المقيد للأفكار هو حجر الزاوية للديمقراطية الليبرالية. إنها قيمة سياسية رئيسية. ومع ذلك، فهي ليست قيمة أكاديمية.

نعم، نحن من أشد المتبنين لمبادئ أرسطو ومونتاين حول وجوب أن تكون الجامعات مكانًا للنهوض بالأفراد والتعلم عن الحياة والعيش وليس فقط تعلم المواد البحتة الجامدة، ولكن يجب أن يكون ذلك ضمن استراتيجية الجامعة العامة ومنهاجها، وفي إطار خطة شاملة وليس تصرفات فردية للأكاديميين؛ فما الذي يضمن لنا أن ما يفرضه الدكتور الفلاني ليس سامًا أو خطر أيدولوجيًا؟

وحتى النقاشات يمكن أن يخصص لها أماكن أو حصص خاصة في جميع الاختصاصات حيث يتاح للجميع ابداء رأيه في محاولة للوصول للحقيقة، ولكن بعيدًا عن التشويش على الدروس التي تهدف أولاً وأخيرًا إلى إثراء معرفة الطالب في مجالها المحدد فقط.

ويجب على الأساتذة بالتأكيد دمج الأحداث الجارية في تعليمهم، لأنه من الناحية الواقعية، لا تتبع الحياة الفصول في الكتاب المدرسي، لكن ينبغي أن يشجعوا مناقشة جميع المعتقدات، سواء صدق ذلك الأستاذ أم لا، لكي يكتسب الطلاب الأفكار الخاصة بهم. تدور الكلية حول “العثور على نفسك”، لكن من الصعب معرفة ما تؤمن به حقًا إذا كان شخص ما تبحث عنه للحصول على المعرفة، مثل الأستاذ، يدفع برأيه الأحادي الجانب.

عندما يدفع الأساتذة معتقداتهم إلى الطلاب، فإنهم يحولون طلابهم أساسًا إلى أتباع، وليس إرشادهم على كيفية التفكير بأنفسهم. تتم مكافأة الطلاب على صمتهم ومعاقبتهم لمشاركتهم أفكارهم الخاصة. يتم وضع المعايير من قِبل الشخص الذي يلقي المحاضرة، مما يؤدي بالطلاب، الذين ينظرون إلى الأساتذة كقادة ونماذج يحتذى بها، إلى اتباع نفس الأسلوب بشكل أعمى.

لا يستبعد المشروع الأكاديمي أي موضوع من نطاق اختصاصه، لكنه يعتبر أي موضوع أساسًا للتحليل وليس كمحفز للالتزام الأخلاقي أو السياسي أو الوجودي. ليس ممارسة السياسة ولكن لدراستها؛ ليس التبشير ضد أو معارضة المذاهب الدينية ولكن لوصفها؛ ليس لتأكيد أو رفض العمل الإيجابي ولكن لاستكشاف تاريخه ووضع الحجج التي قُدمت من أجلها وضدها.

لقد نسي بعض أعضاء هيئة التدريس ماهية وظيفتهم وقضوا وقتًا في محاولة تشكيل شخصية طلابهم أو تحويلهم إلى مواطنين مثاليين. لا أستطيع التحدث عن كل أكاديمي، لكنني لست مدربًا على القيام بهذه الأشياء. يقوم المعلمون بتدريس المواد وإضفاء المهارات، وبالتالي لا يقومون أو لا ينبغي عليهم القيام بالكثير من الأشياء الأخرى – مثل إنتاج مواطنين فاعلين (مهما يكن تعريفهم الشخصي لشخص فاعل أو أخلاقي)، وإحداث تغيير سياسي. بالطبع، قد ينتج المعلم بعضًا من هذه التأثيرات – أو نقيضها – على طول الطريق، لكن سيكون أو يجب أن يكون طارئًا وليس الهدف الرئيسي. السؤال الذي يطرحه المسؤولون غالبًا، “ما هي الممارسات التي تزود الطلاب بالمعرفة والالتزامات بأن يكونوا مواطنين مسئولين اجتماعيًا؟” ليس سؤالًا سيئًا، لكن الإجابات عليه لا ينبغي أن تكون محتوى دورة تدريبية في الكلية أو الجامعة. بمجرد عبور الخط الذي يفصل العمل الأكاديمي عن هذه الأنواع الأخرى، نحن مذنبون في الممارسة دون ترخيص والتقصير في مسؤولياتنا المهنية.

بالطبع، يحق أيضًا للأساتذة أن يقولوا ما يحلو لهم كمواطنين (خاضعين للقيود المعتادة على التشهير والخيانة والتحريض على العنف) ولكن بصفتهم المهنية، فإن الحرية التي قد يدعونها محددة بطبيعتها. فأي شخص لديه حقوق حرية التعبير بشكل أو بآخر اعتمادًا على ما يفعله وأين يفعل ذلك. إذا تحدث الطالب عن أي موضوع سياسي أو ديني قد يعاقب أو يُعزل، أما المحاضر فيمكنه ترتيب صفه بأي طريقة يحب – محاضرة، مناقشة، عروض جماعية – ويمكنه تعيين أي مواد يراها مناسبة لموضوع الدورة. تلك اختيارات تعليمية، ولا يمكن معاقبته على القيام بها. لكن إذا ما ضايق الطلاب، أو سخر من أصلهم الإثني فقد يجد نفسه في جلسة تأديبية، إما لأنه أساء استخدام سلطته التربوية أو لأنه أحول التعليم إلى تلقين. ما لك مطلق الحرية في قوله في بعض الأماكن لا يحق لك قوله في أماكن أخرى، وافتقارك إلى الحرية هي مسألة مدى ملاءمة أنواع معينة من الكلام بالنسبة إلى سياقات معينة من العمل أو التفاعل الاجتماعي.

نعم، عندما نفكر بدكتور جامعة وهو ينصح طلابه بأن يكونوا أكثر تسامحًا أو منفتحين، نحس أنه من الجيد أن تكون الجامعة مكانًا “تربويًا” وليس فقط تعليميًا، ولكن في ظل عدم وجود إطار محدد وواضح، والأهم في عدم تأهيل الأكاديميين لهكذا مهمة شاقة جدًا، ينتج لدينا على العكس، الكثير من الآراء الخطرة والمضرة بسير التعليم، والفكر بشكل عام.

يجب أن نحذر من أي شخص لديه منبر للتحدث وسلطة يسند بها ظهره، فعندما يقول دكتور ما أنه مؤيد للحزب الفلاني، أو ضد الشريعة الفلانية، فإنه لا يقول ذلك كزيد من الناس ولكن كصاحب سلطة (أكاديمية)، وقد يعتقد الطلاب أن درجاتهم تتوقف على مدى موافقتهم على آراء الدكتور، وهذا يشكل خطرًا على العقول الفتية التي تغتر بقوة السطلة أيًا تكن.

ليس الحل، بالتأكيد، هوالتظاهر بعدم وجود وجهات نظر خاصة بالأكاديميين، ولكن التأكيد على أن هذه الآراء لن تعرقل مهمة الأكاديمي الرئيسية كمعلم ملتزم بمساعدة طلابه قدر الإمكان دون تحيز.