كانط عن الحب

بالنسبة إلى كانط فإن التفكير في تفرد المحبوب على أنه مبني على فهرس لصفات الشريك يدمر الحب في أساسه: نشاط التفكير ذاته بوجود شروط لحب المرء يغير الطريقة التي يرتبط بها المرء بشريكه. وينزع المرء من موقف الاحترام للآخر إلى موقف الإعجاب. للاقتباس من فيلمأليخاندرو إناريو الأخير Birdman، فإن هذا الأمر هو خلط بين الحب والإعجاب (وهو خطر يوضحه الفيلم بشكل رائع). لوضع هذا في مصطلحات كانطية، هناك فرق عميق بين الحب الباثولوجي المَرضي والحب العملي. الحب المَرضي هو شعور ينشأ من الطرق المعقدة التي يتفاعل بها جسمنا وثقافتنا ونظامنا الغذائي وجميع العوامل البيئية الأخرى لتعطينا الميل الذي نسميه الحب. كانط يطلق عليه “المرضية” لأنه يشير إلى path، والطرق التي نصمم بها على الشعور. الحب العملي، من ناحية أخرى، هو الحب الذي يجب أن تضعه تحت الاختبار؛ الحب العملي هو العناية بشخص آخر حتى في غياب الشعور بالحب المَرضي، وذلك بدافع الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخر. سيفسر لايبنتس نشاط المحبة للآخرين عملياً – بل كل الإجراءات التي نتخذها – كنتيجة لما نعتقد أنه سيوفر لنا في النهاية (الحب المرضي).

بعض الناس يرون أن حب كانط العملي بارد. ولكن في الحقيقة إن الشخص الذي يعاملنا بشكل جيد ويفعل ما هو أفضل بالنسبة لنا هو شخص ربما يحبنا حقًا، على عكس مجتمع الإعجاب المتبادل في مفهوم لايبنتس للحب. الحب العملي هو الحب الذي يبقا متواجدًا وثابتًا عندما يصبح الوضع صعبًا ويبقى صعبًا. ومما يثير دهشة معظم قراء كانط، أنه يلاحظ بذكاء أن رعاية شخص ما حتى عندما لا تشعر بالرغبة بذلك (الحب العملي) تميل إلى توليد ولع بذلك الشخص بمرور الوقت (الحب المرضي). نحن مدينون للآخرين بحب عملي حتى لو لم يردوا بالمثل، وحتى إذا لم نشعر بالحب المرضي لهم ؛ هذا هو الواجب الذي يتم فهمه دينياً باعتباره الوصية التي تأمر أن نحب جارنا كما نحب ذواتنا – “هذا قانون كل القوانين”، كما يسميه كانط. الفضيلة تحدد معايير السعادة، وليس العكس.

حب شخص ما لا يختلف فقط في الدرجة ولكن يختلف أيضًا في النوع عن إعجابهم. وبالتالي، فإن حب شخص ما حقًا (أي الحب بالمعنى “العملي” للغاية) هو عدم تبني معاملتي لهم على موقف مفاده أن هناك صفات يمكن التعرف عليها أو حتى غير قابلة للتعريف في الآخر ترضيني. ما يجسده حب كانط العملي هو أن الحب هو خيار مستمر، يتطلب منك الالتزام – ومثل كل الالتزامات، فقد يعني ذلك تقديم بعض التضحيات، والتضحية الحقيقية غامضة. وفقًا لفهم Leibniz للحب كنوع من حساب المنفعة، لا تضحي بأي شيء من أجل الحب بقدر ما تتبادل متعة صغيرة نسبيًا من أجل متعة كبيرة نسبيًا. إن عقلانية منطق التبادل هذا واضحة بسهولة، لأن التصرف بدافع المصلحة الذاتية أمرٌ جلي وفطري، وبرنامج Leibniz الفلسفي بأكمله هو تأكيد على الوضوح الأساسي لكل شيء، وعالمية مبدأ السبب الكافي.

بالنسبة لكانط، لا يمكننا تفسير الاختيار لم يتم تحديده من خلال التحسين، لكن هذا لا يعني أن هذا الخيار مستحيل. من وجهة نظر كانطية، عندما نحب نحن أمام سر. هذا هو السبب في أنه على الرغم من اعتماد كانط بجزء كبير على تعريف لايبنتس التقليدي للحب باعتباره تبني لأهداف الآخر كأهداف الذات الخاصة -أي أن حب شخص ما يستلزم الاهتمام بالأشياء التي يرغبون في تحقيقها والتي تجلب لهم السعادة- كانط مع ذلك يعتقد أن الاحترام غير المشروط لهم كشخص لا يقدر بثمن يجب أن يكون الأساس للحب الحقيقي (العملي).

الكرامة تعني أن لديك الحق في أن تعامل باحترام – سيكون من الصعب استبدال الحجج الكانطية بالمسامحة على أساس الظروف القاهرة- ولكن في نفس الوقت الحب، والاحترام للكرامة يدعوانا إلى ألا نجعل شرط التظلم كذريعة لفعل أمور خاطئة.  فقط من خلال رؤية الآخر على أنه يمتلك حقوقًا لا تنتهك ولا تتمتع بأي قيد أو شرط – أي الكرامة – يمكننا أن نتجنب الأنانية السامة لمقارنة وحساب المنفعة المتبادلة. إن محبة الآخر ليست مفهومة تمامًا أو حتى قليلاً بالنسبة لنا، لأنه لو كان حبنا مبنيًا على أسباب محددة فيمكننا أن نستبدل الشريك في اللحظة التي يأتي فيها شخص آخر مع تقديم نسخ محسنة أو أفضل لتلك الأسباب نفسها. في هكذا لحظة فقط نرى الآخرين – وكذلك أنفسنا- أكثر من مجموع سمات المكونات وخصائص الأجزاء، وعندها فقط نرى أنفسنا ككائنات كاملة ولكن غير منتهي العمل عليها- أي كائنات حرة. والحب غموض لأن الحرية لغز.