لماذا تحبني؟

قليلة هي اللحظات في أي علاقة التي تبدو فلسفية وفي غاية الأهمية مثلما عندما يطرح سؤال: “لماذا تحبني؟”. إجابة صادقة وعميقة قادرة على تقوية ودعم العلاقة، وإجابة مكررة أو سطحية قادرة على إنهاءها. ومع ذلك فنحن غير قادرون على قول كل شيء وذكر جميع الأسباب لأننا محدودون بوسيلة التعبير، وعلى أسبابنا أن تكون واضحة وقابلة للتصديق من الطرف الآخر.

قد يعرف الطرف الآخر كم نحبه ولكنه بحاجة للتأكيد أن أسبابنا محقة وصحيحة، وليست افتراضات أو صورة خاطئة في أذهاننا. فالسؤال إذًا قائم على افتراض أن هناك أسبابًا صحيحة وأسبابًا خاطئة لحب المرء. لا يكفي أن نُحب ولكن أن يوجه الحب نحو أفضل خصائصنا وصفاتنا؛ نحن مدركون لعيوبنا ولا نود أن نُحب، خطأ، من أجلها. وهذا بدوره يعني أننا نشعر أن هنالك أجزاء من عقولنا وأجسادنا وكأنها تحتوي على “ذوتنا” بشكل أفضل من غيرها.

إذا قيل لنا “أحب عقلك” أو “طريقة تفكيرك”، فقد يكون سببًا وجيهًا وبداية جيدة، ولكن ليس كافيًا. من المحتمل أن يكون هناك العديد من الأشياء التي يمكن لهذا العقل فعلها بشكل جيد: حل مسائل رياضية، إعداد ميزانية منزلية، تذكر الحقائق الجغرافية..الخ. لكن هذه المواهب نادراً ما تُشعر بالرضا عند تمييزها، بسبب طبيعتها العامة والشاملة. الشخص الذي أحبنا بسبب هكذا أمور قد يجدها بسهولة في أناس آخرين، وهو الخطر الذي نحاول تجنبه.

المهارات التي يجب أن نثني عليها هي تلك المهارات التي يمكن ملاحظة بعض التفرد فيها، على سبيل المثال: طريقة حل المشكلات بهدوء ومراعاة لمشاعر الآخرين، الملاحظات المتفردة والذكية عن كتاب أو قلم ما، الإحساس بعمل فني ما وطريقة التعبير عن ذلك… إذا بدأ شخص ما في ملاحظة مثل هذه التفاصيل، يبدأ هو أو هي في الظهور كمرشح يمكن الاعتماد عليه لمن يرتبط به. أصبح حبهم محددًا وليس عامًا. الحب مسألة شخصية ومتفردة مع كل زوجين ومن المهم أن يحس الطرف الآخر بهذا التفرد، سواءً في طبيعة العلاقة ككل أو كموضوع للحب.

إدراكنا أن بعض صفاتنا تستحق الحب أكثر من غيرها لا يعني أن يكون الشريك غير مدرك لعيوبنا كذلك. نحن نريد أيضًا أن يشعر الحبيب الحقيقي بالإدراك والتسامح مع نقاط ضعفنا. ومهما كانت درجة كفاءتنا، فإننا لسنا بعيدين عن لحظات الخوف والجهل والإذلال والطفولية والحزن – وهذه الأمزجة هي التي نتوق إلى أن يكون لدى العشيق القوة لتقبلها والتأقلم معها. قد يكون من الممتع الشعور بأننا أشخاص ذوي أهمية وفريدون، ولكن من المطمئن أن نكتشف أن ضعفنا قابل للمواساة بكرم وتعاطف؛ بأننا مع شخص سيسمح لنا بالحزن والشعور بعدم الارتياح والبكاء، وقد اكتشف أننا أحيانًا نعض أظافرنا ونقلق بشأن العمل في وقت متأخر من الليل. نحن لا نريد بالتأكيد أن نخيف الحبيب، بل نريد أن نكون قادرين على التخلي عن دروعنا أمامهم. نريد أن يكون لديه إيمان كافٍ بقدراتنا بحيث يمكن أن يكون غير خائف من فترات هشاشتنا. نحتاج إلى معرفة أن الطفل فينا شوهد ولن يفزع أحدًا.

إن آمالنا في الدور الذي سيلعبه الجسم في استنباط الحب تتبع نمطًا مشابهًا. هنا أيضًا، يبدو تجميع الثناء الشامل بمثابة عمل لشخص قد لا يلاحظ ما إذا كان جسمنا قد تم استبداله بجسم آخر في الليل. قد يكون صحيحًا أن لدينا “عيون جميلة” أو “شعر ناعم” ولكن يمكن قول نفس الكلمات بدقة لملايين الآخرين، تمامًا كما لا يرغب الفنان السماع بأن عمله جميل، ولكن يرغب بتلقي الاستحسان على جمع الألوان وترتيب العناصر والتركيب وهكذا. في التفاصيل يكمن دليل على أن هناك من يهتم.

بعض من أفضل أنواع الثناء حول الجسم هي نفسية أيضًا، أي أنها تمدح جانبًا ماديًا من أجل إبراز الجمالي النفسي، وذلك يطمئننا من خلال ربط ظروفنا المادية مع الجوانب الأكثر محبوبيه من شخصياتنا. هذا الأمر نجده على سبيل المثال في قصائد باولو نيرودا عندما يستخدم قدمي أو انحناءات محبوبته لوصف شخصيتها وطريقة تحركها وليس كوصف فوتوغرافي جامد.

نيرودا، وغيره من الشعراء، يأخذون نقطة معينة من الشخصية أمامهم، أو جسدها، يضعونها تحت الضوء ويبدأون بوصفها، ثم ربطها بالسياق الأشمل لكيان الشخص وسبب عشقه. إحدى طرق التفكير بالحب هي كعملية قابلة للمقارنة، لكنها عاطفية تمامًا، حيث يدرس الحبيب حبيبته بدقة ويحلل العناصر- إصبع السبابة، أو الركبة، أو راحة الكتف أو طريقة التحدث وزم الشفتين- يصبح ذلك حجر الأساس للعشق، وهو جزء من العديد من الأسباب التي تبدو صغيرة ولكنها في الواقع قوية للغاية تجعل شخصًا ما يعجب بآخر ويحبه.

 يمكننا أن نضيف أنه، مثلما هو الحال مع العقل، غالباً ما يكون الضعف أو الرقة في هذه التفاصيل الجسدية هو السحر. قد تكون اليد الصغيرة الناعمة مغوية أكثر من اليد المثالية. العنق الرفيع، أو الفرجة بين الأسنان، أو الشفاه الرفيعة جدًا، نشهد تلميحات لنفس هشة، ونقدم لها تعاطفنا وحمايتنا وطمأنتنا.

 مسألة ما وجدناه محببًا في شخص ما يجب ألا تخيفنا. نحتاج ببساطة إلى إعطاء أنفسنا الوقت لتتبع حماسنا لمصادرها الأصلية، بينما نتذكر أن الحب يتكثف بشكل خاص في أشد أركان النفس ضعفا وصعوبة.