فلسفة الحب

أو تاريخ موجز للأفكار عن الحب

في القرن الخامس قبل الميلاد ، أكد الفيلسوف اليوناني إمبيدوكليس Empedocles أن هناك أربعة عناصر أولية: الهواء والأرض والنار والماء. هذه العناصر تلتحم وتفترق وفق المبادئ الكونية المتعارضة للحب والصراع. يجمع الحب العناصر معًا، ويؤدي الحب إلى “الوحدة”، وهو مجال إلهي. أما الصراع فيؤدي لتفكيك الوحدة وعودة العناصر إلى أصلها الفردي، وتعيد هذه الدورة الكونية نفسها إلى ما لا نهاية.

تصور إمبيدوكليس أن الحب هو مبدأ كوني عظيم، في حين قام أفلاطون بتحويله إلى قوة روحية، فوق تجريبية، كما بقي معروفًا حتى وقت طويل. قبل أفلاطون، ولفترة طويلة بعد ذلك، وقع بعض الناس في الحب، لكنهم لم يصدقوا أن حبهم سيكون “مخلصهم”. عندما هربت هيلين من باريس، في إلياذة هوميروس، لم تفكر هي أو هو في علاقتهما كأمر نبيل أو عالي الشأن. تعرف الإغريق على العديد من أنواع الحب: لأكثر اقترابًا من مفهومنا الحديث للحب الرومانسي هو إيروس، أو الحب الشهواني، وترى الأسطورة اليونانية أنه نوع من الجنون الناجم عن أحد سهام كيوبيد، وليس أمرًا محمودًا، وغالبًا ما تكون له عواقب وخيمة، مثل حرب طروادة.

تحتوي حوارات أفلاطون (القرن الرابع قبل الميلاد) على أسطورة عن أصل الحب الإنساني. ذات مرة ، كان هناك ثلاثة أنواع من الناس: ذكر، ينحدر من الشمس؛ أنثى، نحدر من الأرض؛ وينحدر خنثى، مكون من أجزاء الذكور والإناث، من القمر. كان هؤلاء الأشخاص الأوائل كرويين، ولكل منهم أربعة أذرع وأربعة أرجل، ووجهان متطابقان على طرفي الرأس. مشوا إلى الأمام والخلف على حد سواء، متحركين في دوائر مثل والدييهم: الكواكب. كانوا أقوياء وجامحين، ويسعون لمجابهة السماء. لذلك قام زيوس، والد الآلهة، بتقطيعهم إلى شقين “مثل التفاحة الحامضة التي تقطع إلى نصفين لتخليلها”، وهدد حتى بقطعهم إلى قسمين مرة أخرى، ويتمكنوا فقط من القفز على ساق واحدة. بعد ذلك، بحث الناس في كل مكان عن نصفهم الآخر. عندما عثروا عليه أخيرًا، تعلقوا به بإحكام شديد ولم يتركوه. هذا هو، حسب أفلاطون، أصل رغبتنا في الآخرين. عندما نجد النصف الآخر، فإننا “نضيع في دهشة من الحب والصداقة والحميمية” التي لا يمكن حصرها في الدافع البسيط لممارسة الجنس، ولكن من خلال الرغبة في أن نكون كاملين مرة أخرى و استعادة طبيعتنا الأصلية.

في جزأ لاحق من محاورات أفلاطون، يروي سقراط عن محادثة أجراها ذات يوم مع الكاهنة ديوتيما، التي من المفترض أنه تعلم منها فن الحب. حسب ديوتيما، يجب تعليم الشباب على حب جسد واحد جميل حتى يدركوا أن هذا الجسم الجميل يتقاسم الجمال مع أجساد جميلة أخرى، وبالتالي من الحماقة حب جسد واحد جميل. في حب جميع الأجساد الجميلة، يدرك الشباب أن جمال الروح يفوق جمال الجسد، ويبدأون في حب أولئك الذين يتمتعون بجمال الروح بغض النظر عما إذا كانوا أيضًا جميلي المظهر. بمجرد تجاوز المرء للجسدي، يكتشف أن الممارسات والعادات الجميلة وأنواع المعرفة المختلفة تشترك أيضًا في الجمال المشترك. وأخيرًا، عند وصوله إلى قمة سلم الحب  يمكنه تجربة الجمال بذاته، بدلاً من الظهورات المختلفة. من خلال استبدال الظهورات المختلفة للفضيلة بالفضيلة ذاتها، يكتسب الخلود وحب الآلهة.

النماذج الأخرى من الحب في العصور القديمة هي “الصداقة المثالية” لطالب أفلاطون، أرسطو، والطبيعية للشاعرين الرومانيين لوكريتيوس وأوفيد. بالنسبة لأرسطو، فإن الصداقة القائمة على الفائدة وحدها، أو المتعة وحدها، هي لا شيء، بعكس التي تأسست على الفضيلة. تنتج الأخيرة عن الفكر والأخلاق الجيدة، وهي الوظائف المميزة للبشر، والتي تصل بهم إلى السعادة. في الصداقة الفاضلة، صديقنا هو ذات أخرى لنا، وإرادة الخير له كإرادة الخير لأنفسنا. لسوء الحظ، فإن عدد الأشخاص الذين يمكن أن يحافظوا على صداقة تامة على هذا النحو صغير جدًا، أولاً ، لأن العقل والفضيلة لا يمكن العثور عليهما في الجميع. وثانياً، لأن الصداقة الكاملة لا يمكن تشكيلها واستدامتها إلا إذا كان الصديقان يقضيان وقتًا معتيرًا في الاستثمار في بعضهما البعض.

أما لوكريتيوس (99-55 قبل الميلاد) وأوفيد (43 قبل الميلاد – 17/18 م) فلم يريا الحب بتلك النظرة المثالية- لم يرياه كمسار للارتقاء مثل أفلاطون، ولا كفضيلة مثل أرسطو. بدلاً من ذلك، فكروا في الحب على أنه مجرد غريزة حيوانية، وهو نوع من الجنون الذي يمكن التمتع به إذا تم ترويضه عن طريق العقل وإدخاله في الفن. الوارثون فكر أوفيد حول الحب هم شوبنهاور، ثم فرويد وبروست. في كتابه العالم كإرادة (1819)، يجادل شوبنهاور بأنه تحت عالم المظاهر يكمن عالم الإرادة، وهي عملية عمياء تهدف للسعي والإنجاب. كل شيء في العالم هو مظهر من مظاهر الإرادة، بما في ذلك الجسم البشري: الأعضاء التناسلية هي تجسيد لغريزة (إرادة) الجنس، والفم والجهاز الهضمي لغريزة الجوع، وهلم جر. حتى كلياتنا العليا قد تطورت دون أي غرض سوى مساعدتنا في تلبية مطالب الإرادة. أقوى مظهر من مظاهر الإرادة هو الدافع لممارسة الجنس. إن إرادة الحياة للذرية غير المفهومة تجذب الرجل والمرأة معاً في وهم مشترك من الشهوة والحب. ومع إنجاز المهمة، يموت الوهم ويعودون إلى “ضيقهم الأصلي وحاجتهم”.

في العهد اليهودي-المسيحي

على الطرف الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ​​، تطورت نماذج الحب اليهودية والمسيحية إلى جانب النماذج الكلاسيكية. في سفر التكوين، يطلب الرب من إبراهيم التضحية بابنه الحبيب إسحاق. لكن قبل أن يهم إبراهيم بذلك يوقفه ملاك مُرسل. صحيح أن العهد القديم يرشدنا إلى حب الرب (تثنية 6: 4-5) وحب جيراننا (سفر اللاويين 19: 18). ومع ذلك، فإن قصة ذبح إسحاق تؤكد أنه بالرغم من أن الحب والأخلاق مبدأان هامان، إلا أن الطاعة أو الولاء للرب أهم بلا شك، لأن الرب هو الحب. في المقابل، يرفع العهد الجديد الحب إلى الفضيلة العليا ويمزجها بالحياة والموت. يصبح الحب في أكثر من وصية الطريق الإلهي للخلاص، يجب على المرء حتى أن يحول خده ليحب أعداءه:” أَحبوا أَعدَاءَكُم، أَحسنُوا إِلَى مُبغِضيكم. بَارِكُوا لاَعنِيكُم، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيكم. مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خدّكَ فاعْرض لهُ الآخرَ أَيضًا”. وعلى مر القرون، سعى مفكرو الكنيسة إلى التوفيق بين اللاهوت المسيحي والفلسفة الكلاسيكية، وخاصة الأفلاطونية؛ والمحبة المسيحية تعرف بشكل أكثر دقة “بالإحسان”، وتبتغي في النهاية مرضاة الرب.

مزج الحب المسيحي والأفلاطونية وضع الأساس للتقليد التروبادوري ( طبقية من الشعراء الغنائيين) الذي بدأ في أواخر القرن الحادي عشر في أوكيتانيا (النصف الجنوبي من فرنسا). أشاد أتباع هذا التقليد بالحب النقي أو العطوف، والذي وجه إلى سيدات متزوجات وغير متوفرات، غالباً ما تكن من فئة اجتماعية متفوقة، ويكون الحب في هذه الحالة كوسيلة لتمجيد ذات الشخص والوصول إلى فضيلة أعلى، لا سيما من خلال القيام بسلسلة من أفعال أو اختبارات الشهامة. لأول مرة في التقاليد اليهودية-المسيحية، لم يكن يهدف الحب في نهاية المطاف إلى الله أو يعتمد عليه، فأعلنت الكنيسة أنه بدعة. في انعكاس ثقافي مهم، تحولت بنات حواء -على الرغم من أنهن في هذا السياق كطرف سلبي وقابل للتبادل- من فتنة شيطانية أو كائن مزدرا لوسيط فضيلة سامي، إلهة في مكان الله. تقليد تروبدور، الذي بقي كحركة نخبوية، تلاشى في وقت قريب من الموت الأسود في عام 1348.

القديس فرنسيس الأسيزي (المتوفى 1226) آمن أن الطبيعة هي مرآة الله. على الرغم من كونه مسيحيًا إصلاحيًا، إلا أن عمله Canticle of the Creatures يبدوا وكأنه وثني تقريبًا من حيث الإلهام: “لك الحمد يا ربي، عبر كل مخلوقاتك، وخاصة عبر سيدي بروثر صن، الذي يشرق النهار؛ وتعطي النور من خلاله. وهو جميل ووضاء في كل ألقه. بك، يا علي، يمتلك أكثر الشبه”. في الفترة اللاحقة، ينزل الرب تدريجياً إلى الأرض، ويُعبد من خلال خلقه، وقبل كل شي، من خلال جسم الإنسان. كان هذا، على أي حال، بمثابة مبرر لكل التعر من عصر النهضة، من بينهم تمثال مايكل أنجلو لديفيد (1504) الذي عرضه فلورنتين في القلب السياسي والتاريخي لمدينتهم في بيازا ديلا سيجنوريا. يمكن للمرء أن يعجب بديفيد، أو أي شخص آخر في هذا الخصوص، كمرآة للرب، ولكن لهذا السبب فقط، لا يمكن للمرء أن يحوله إلى موضوع للشهوة. ينتهي نزول الله الأرضي مع الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا (1632-1677)، الذي فكر في الله والطبيعة ككيان واحد. بتعبير أدق، جلب سبينوزا الطبيعة إلى الله، وبالتالي، بمعنى ما، إعادة تعريفه بشكل جذري: “كل ما هو كائن، كائنٌ في الله … الله هو الحاضر في كل شيء، وليس السبب العابر لكل الأشياء”.

كلما تراجع الله من الحب، تقدمت الأفلاطونية لملء الفراغ. لقد سلم إبراهيم نفسه وابنه إسحاق بدافع من إخلاصه لله. لكن في العصر الرومانسي، أصبح الحب عكس ذلك: وسيلة للعثور على الذات والتحقق منها. في زمن الكنيسة، كان العثور على النفس – أو ، بشكل أدق ، فقدان النفس في الله – يتطلب سنوات من الممارسة الروحية الصبورة، ولكن بعد الثورة الفرنسية، أمكن للحب الرومانسي أن ينقذ أي شخص تقريبًا، ومع القليل جدًا من الاستثمار الشخصي. كان سلم الحب لأفلاطون مشروعًا نخبويًا صُمم للسمو بالرغبة الجنسية إلى الفضيلة، لكن الرومانسيين، المهتمين لا بالله ولا بالعقل، يرون أن الحب مع شخص طيب وجميل لا يمكن إلا أن يكثف الرغبة الجنسية. لقد تلاشى القدّيس من الله إلى الحب، وبنجاح أكبر من العقل والتقدّم والشيوعية أو أي إيمان آخر، أخذ الحب مكان الدين في إضفاء الوزن على المعنى والمظهر والملمس لحياتنا. كان الناس قد أحبوا الله ذات مرة، لكنهم الآن أحبوا الحب: أكثر من أحبائهم، أحبوا الحب نفسه.

في الإسلام

في الإسلام لم يأتي ذكر الحب كثيرًا، وفي المرات القليلة التي ذكر فيها ذكر بطريقة “حب الله ورسوله”، وحب الله والرسول أكثر من حب الذات، وأحب لأخيك ما تحب لنفسك. من هنا نرى أنه مشابه للحب المسيحي في دعوة للتخلي عن الذات من أجل إيجاد الله، وهو حب فضيل أيضًا في كونه يدعو لإرادة الخير للآخر وعدم التصرف بأنانية. عدا عن ذلك لا يوجد ذكر للحب الزوجي مثلا أو الحب في الصداقة أو أي إعجاب لذات الآخر يقود للحب. وفي القصص الشعبية والشعر تابع الحب الإرث الجاهلي بكونه هوس بصفات المحبوب الجمالية والجسدية؛ عيون المها الساحرة والشعر الطويل والجسم الرشيق وما شابه، فيما يبدو كحب شهواني بحت بعيد عن الإعجاب بشخصية المحبوب وصفاته الفكرية. وفي وقت متأخر ظهر كتاب ابن حزم الأندلسي : “طوق الحمامة في الألفة والألاف” الذي خصصه لبحث مسألة الحب، ويفرغ في وصف أحوال المحب وكيف “يداوي” عشقه الكثير من الصفحات لكنه يفشل في تحليل الحب وأسبابه بشكل متبصر وندرك سريعًا أن كل ما يتحدث عنه ويصفه بطرق مختلفة هو قصة واحدة مكررة لرجل يرى امرأة فيقع بغرام “جمالها”، يطير قلبه ولهاً بها، وغالباً ما تنتهي القضية بتملك الجارية أو حيازة الحبيب، أو بسكر المحب وموته كمدًا.

أما أفكار الفلاسفة الأحدث عن الحب فهي: