أبناء الكراهية

يقال أن الزواج عن حب أمر مبالغ به وأن الأجدر هو البحث عن الخصال الحميدة والأخلاق الحسنة. لكن العيش مع شخص آخر أربعًا وعشرين ساعة ولبقية حياتك يتجاوز مسائل الصحيح والخطأ.

في قصة إدغار آلن بو العبقرية “Tel tall heart” يقتل شخصٌ لا نعرفه رجلاً مسننًا يعيش معه لأن عين الأخير كانت تصيب الشخص المجهول بالاشمئزاز وتضرب على أعصابه. قد يكون القاتل، الذي لا نعرف جنسه أو اسمه، أي شخص، ولكن التفسير الأكثر احتمالاً لمى حدث هو أن الشخص المجهول هو امرأة قتلت زوجها بسبب بغضها الشديد له متمثلاً ذلك في عينه.

من المؤكد أن الكثير من الأزواج يكرهون زوجاتهم لدرجة الموت بسبب الطريقة التي يتحدثن بها، والعديد من الزوجات يبغضن أزواجهن بسبب الطريقة التي يصدرون بها أصواتًا عن تناول الطعام، أو تصديقه لأمور سخيفة، أو كثرة صرفها، أو بخله، … والعديد مثل هذه الأمور المعيشية التي تتجاوز مسائل الحسن الأخلاقي.

هذه الأمور السخيفة بعين البعض لا يمكن تجاوزها في سياق العيش سويًا. عندما تعمل مع زميل تبغض تصرفاته أو عاداته فإنك تأمل في نهاية اليوم في العودة للمنزل والخلاص منه، أو الانتقال إلى وظيفة أخرى في يوم ما، ولكن في حالة الزواج فإن هذا الشريك موجود معك دائمًا، ومن المفترض أن تشاركه الفراش، وتحبه. في حين أن لا أحد يطلب منك أن تحب زميلك في المكتب.

بالرغم من ذلك، المشكلة الكبرى لم تأتي بعد.

المصيبة عندما تنظر إلى أولادك وتصرفاتهم وترى فيهم شريكك وكل ما تكرهه فيه، ويرى شريكك في الأبناء كل ما يكرهه فيك، فيكون الأطفال أبناء الكراهية.

عندما قال بير داكو أن السبب السوي الوحيد للرغبة في انجاب الأطفال هو حب الطرف الآخر والرغبة في إنجاب نتاج حب لهذا العالم، نُظر إل مقولته على أنها إحدى رومنسيات التحليل النفسي. لكن عندما نقيس الأمر بتحول الأطفال لنتاج مكروه نجد أن كلام داكو ضرورة حتمية وليس رفاهية رومنسية.

“ذلك هو الزواج المؤسسة، والعقد في ظل القسم، سواء كان علمانيًا أم دينيًا. يبذل الثنائي جهدًا في احترام العقد، بالرغم من الصعوبات، لأن الزوجين أقسما على أن يظلا معًا.

أعتقد ألا أشد شؤمًا على الثنائي من مفهوم “الواجب الزوجي”، مع ما ينجم عنه من ضروب الإثمية والرفض والكبت والعدوانية والكذب. هذا من غير أنت نتكلم على “العقوبات”، سواء كان مفروضة بالقانون أو من الله.

إن أي إضفاء للقداسة غير ممكن، حتى داخل دين من الأديان، إذا لم يستند إلى القدرة الداخلية على ارتباط الإنسان ارتباطًا كليًا بذاته وبالآخرين.

والثنائي لا يمكن أن يتحقق إلا بمقدار ما يحقق كل عنصر من عنصريه انسجامه الخاص. فالنزوع نحو هذه الانسجامية الذاتية إنما هو السير نحو تحقيق تدريجي للثنائي الذي التزما به. وبعبارة أخرى، وبكل بساطة، إن على العنصرين أن يصبحا راشدين على المستوى الوجداني.”

في مجتمعات أخرى هنالك صدق في التعامل مع ذواتهم ومع الآخر -في الغالب- لذلك عندما يكتشف أحد الطرفين أنه يكره الآخر فإنه يخبره بذلك عوضًا عن اسقاط الأمر على الأطفال، حتى لو أدى ذلك للانفصال. وحينها يُعلم الأطفال أن انفصال الأبوين لا يعني أنهم يكرهون في الأطفال ذلك الجانب الذي جعلهم يتركون شركائهم، وأن الأطفال كانوا نتيجة حب لهذه الخصال ولكن الاتفاق لم يستمر كما يمكن لأي شخصين ألا يتفقا.

هذه المجتمعات ليست مثالية بالتأكيد؛ ولكن إضافةً للتوزيع الطبيعي لعدم المثالية والحالات الميؤوس منها، تتحمل مجتمعاتنا مسؤولية الضغط الاجتماعي والعادات والتقاليد وكثرة الكلام والتدخل في شؤون الغير، التي تؤدي إلى أن الأشخاص يتزوجون بأناس لا يحبونهم، والأهم، لا يعملون عنهم أي شيء فيما يخص طرق التصرف والتفكير، ثم ينجب هؤلاء الغرباء عن بعضهم أطفالاً في مراحل أولية من العلاقة، ليكتشفوا لاحقًا أموراً يبغضونها في أولادهم وشركائهم في نفس الوقت. وفي حين أنهم لا يستطيعون تغيير أي شيء في شريكهم البالغ، يُنزلون بأولادهم شتى أنواع العقد النفسية لتغيير ما لا يعجبهم، ويسقطون كل أشكال كرههم للطرف الآخر على الأولاد حتى وإن ظهر ذلك فقط بالنظرات أو انعدام المحبة (وهي أشد أنواع البغض). وإن وقع الانفصال، يُنظر للأطفال على أنهم ذلك الجزء المكروه -الغير مرغوب به- من الطرف الآخر وليس كأمر أحبوه في وقت من الأوقات.

“وإذا حدث أن كان الزوج طفاليًا، هو أيضًا، فليس بإمكان المرء إلا أن يرتعش إزاء المصير المخبأ لأطفال هذا الثنائي”.

لا تجلبوا أولاد كراهية لهذا العالم لأنهم سيكرهونكم… وكل شيء.