تجربة على طائر

في هذه اللوحة، ابتكر جوزيف رايت ديربي نمطًا جديدًا كليًا- بورتريه، وتصوير للحياة اليومية، وتصوير تاريخي، معًا. يبقى عمله فريدًا وليس له أي مقلدين حقيقيين، ويحمل طابع العبقرية.

مضاءةً بشكل درامي بمصدر ضوء براق واحد ينتج ظلالاً استثنائية، تصور هذه اللوحة المقنعة مشهدًا منزليًأ غير اعتيادي. تراقب مجموعة من العائلة تجربة علمية يتم تنفيذها أمامهم ليلاً. وتلتقط اللوحة ردود الجمهور بمهارة، وتُعبر وجوههم المضاءة بشكل رائع عن مجموعة من العواطف الإنسانية. بحجمها الموازي للأحجام الحقيقية والتلوين المصقول للغاية تبدو اللوحة تقريبًا فوتوغرافية.

“تجربة على طائر في مضخة هوائية” هي واحدة من مشاهد جوزيف رايت ديربي تحت “ضوء الشمعة” المشهورة . أُنتيجت هذه اللوحة خلال فترة نشاط علمي كبير في أوروبا في القرن الثامن عشر. في ذلك الوقت، كان من المعتاد بالنسبة للعلماء السفر بمعداتهم وأداء العروض التوضيحية في المنازل الريفية- الأمر الذي كان مسليًا وكذلك تعليميًا. اهتم رايت بشدة بالاكتشافات العلمية الجديدة، وكانت مدينة ديربي وقتها مركزًا صناعيًا مهمًا شارك بنشاط في الأنشطة الفكرية والعلمية. لعب رايت دوره في كلا المجالين. في منتصف ستينيات القرن الثامن عشر انضم إلى مجموعة أصبحت تعرف باسم “جمعية القمر- Lunar Society”. شاهد الأعضاء وناقشوا، في اجتماعات شهرية، التجارب العلمية التي تشمل علم الفلك والكيمياء والكهرباء والطب. ضمت المجموعة جيمس واط، المهندس الذي أدخل تحسينات أساسية على المحرك البخاري؛ الدكتور إيراسموس داروين، طبيب وشاعر وجد جد تشارلز داروين؛ وجوزيف بريستلي، الكيميائي الشهير ورجل الدين والمنظر السياسي. بالإضافة لاهتمامه بالعلم، سعى رايت أيضًا إلى تعزيز اهتمام الطبقة الغنية في ابتكارات العصر.

لكن، على الرغم من نهجه المستنير تجاه العلم، فإن الموقف الاجتماعي لهذه الصورة، للعين الحديثة ربما، رجعي. كان رايت واحدًا من الفنانين الذين وضعوا الرجال والنساء (على الأقل بشكل تصويري) حيث اعتقد المجتمع وقتها أنه مجالاتهم وأدوارهم المناسبة. الرجال يفكرون ويبحثون، والنساء عاطفيات ومتفرغات للمشاعر. هنا، يتم تهميش النساء ووضعهن، على سبيل المثال، على هامش الشؤون الإنسانية.

تحليل اللوحة

في لوحته، وُضع طائر حي في دورق زجاجي كبير، ثم سحب الهواء عبر المضخة لخلق الفراغ. أُعدت التجربة لتوضيح أثر الحرمان من الهواء على الكائنات الحية، ونشهد في اللوحة الحظة الفاصلة؛ عندما يختار العالم بين إعادة إدخال الهواء في القارورة لإحياء الطائر المحتضر أو ​​تركه يهلك. لا يمكننا أبدًا معرفة النتيجة، ويقدم رايت القليل من الدلائل نحوها. هذا الشعور بعدم اليقين وردود الفعل العاطفية للمجموعة يزيد من الدراما الإنسانية للرسم.

من خلال التباين الشديد بين الضوء والظل، والتقنية المعروفة باسم chiaroscuro (الجلاء و القتمة)، يجذب رايت انتباهنا على الفور، ويوجه تركيزنا على الأشكال المضاءة بسطوع، والمعينة بحدة بتضاد مع كآبة الخلفية. العالم ذو الشعر الأبيض الساحر ينظر إلينا مباشرة من اللوحة، ويده اليمنى في أعلى الدورق. خبرته فيما يفعل، ونظرته النافذة تجعل منظره آسرًا.

وجوه وإيماءات المتفرجين المضيئة -وخاصة الأطفال- توحي بالضيق والقلق. خلفية اللوحة معتمة، باستثناء مصدر ضوء ثانٍ- البدر في النافذة في أقصى اليمين. كان رايت مفتونًا بتصوير تأثيرات الإضاءة- وهو استغراق تملكه طوال حياته، سواء كان يرسم مشاهد للثورة الصناعية في بريطانيا أو انفجار جبل فيسوفيوس في إيطاليا. تكمن أصالة تجربة “طائر في مضخة هوائية” في إتقانه للضوء مع موضوع غير تقليدي للغاية وتعابير وردود فعل متنوعة. إنها لوحته الأكثر شهرة، ونظرة رائعة على عصر التنوير الأوروبي.

عن التقنية

المصدر الرئيسي للإضاءة في هذا المشهد الليلي المعقد هو ضوء شمعة واحدة مركزية. تقع مباشرة خلف الجرة الزجاجية على الطاولة المستديرة في منتصف المجموعة. يكشف رايت عن خبرته في البصريات في طريقة تكوينه للمشهد. يمكن ملاحظة انعكاس الشمعة على الجانب الأيسر من الجرة، الذي يبدو مشوهاً بسبب انحناء الزجاج. ينكسر الضوء أيضًا من خلال الماء العكر، وبالمثل يؤدي لتشويه العصا. مصدر الضوء الثاني هو ضوء القمر المنتشر بهدوء من النافذة الموجودة على اليمين، والذي يسيل على وجه الصبي ويديه تحت قفص الطائر. كما أن مضخة الهواء مضاءة بشكل مشرق، وتعني الدقة التي رسمها رايت بها أنه وجد مثل هذه الآلات جميلة.