الأرقام هي كل شيء

يُعرف فيثاغورس- Pythagoras(c.570 – c.495 قبل الميلاد) كعالم رياضيات أعطى اسمه لنظرية المثلث قائم الزاوية (مربع الوتر يساوي مجموع مربعي الضلعين الآخرين). إلا أنه كان معروفًا في زمنه بإيمانه بانتقال (تناسخ) الروح.

لا يُعرف الكثير عما يعتقده بالفعل، لأنه لم يترك أي إرث مكتوب، والعديد من الأفكار المنسوبة إليه قد تكون أفكار أحد آخر. ومع ذلك، فمن المؤكد أنه أسس مجتمعًا في جنوب إيطاليا ودرب مريديه على البحث الفلسفي والعلمي. ما يسمى “الفيثاغورسيون”، كما وصفهم أرسطو لاحقًا، درسوا علم الفلك والهندسة وبحثوا في الصلة بين الأرقام والرياضيات والعالم الطبيعي. على سبيل المثال، اكتشف الفيثاغورسيون – ولا سيما Philolaus – أن الانسجام الموسيقي يعتمد على النسب الرياضية باستخدام أول أربعة أرقام كاملة (انظر الرسم). يُعتقد أن فيثاغورس تعلم الهندسة من طاليس. وكان أيضًا على دراية بالنظريات الكونية لمدرسة مايلزيان، وبصفة خاصة أناكسيماندر، الذي كانت أطروحته الرئيسية أن الكون يتكون من مادة “لا نهائية”. جادل فيثاغورس أن الكون يجب أن تكون له بنية أساسية تحددها قوانين الرياضيات، والتي تفرض حدودًا على “اللامحدود”، مما يعطي شكلًا للكون. بالنسبة للفيثاغورسيين، فإن الكون -وكل شيء فيه- تحكمه الأرقام، لذا فإن الأرقام لها أهمية إلهية تقريبًا.

أكاديمية فيثاغورث

 ومع ذلك، كان فيثاغورس أيضًا رجلًا متدينًا ومؤمنًا ببعض الخوارق. كان يؤمن بالتناسخ وانتقال النفوس، وأسس طائفة دينية، ووضع نفسه كنبي افتراضي للطائفة وذلك في كروتون، جنوب إيطاليا. عاش تلاميذه في مجتمع مشترك، يتبعون قواعد سلوكية وغذائية صارمة، أثناء دراسة نظرياته الدينية والفلسفية. رأى تلاميذه أفكاره على أنها وحي صوفي، لدرجة أن بعض الاكتشافات المنسوبة إليه على أنها “وحي” قد تكون في الواقع قد جاءت من الآخرين في المجتمع. تم تسجيل أفكاره من قبل طلابه، بما في ذلك زوجته، ثينو من كروتونا، وبناته. يبدو أنه لا يمكن التوفيق بين الجانبين من معتقدات فيثاغورس -الصوفي والعلمي-، لكن فيثاغورس نفسه لا يعتبرهما متناقضين. بالنسبة له، هدف الحياة هو التحرر من دورة التناسخ، والذي يمكن الوصول إليه من خلال الالتزام بمجموعة صارمة من القواعد السلوكية، والتأمل، أو ما نسميه التفكير العلمي الموضوعي.

الهندسة والرياضيات

وجد فيثاغورس في الهندسة والرياضيات الحقائق التي اعتبرها بديهية، كما لو أن الله منحها. ولأن هذه الاكتشافات الرياضية كانت نتاج المنطق الخالص، يعتقد فيثاغورس أنها أكثر قيمة من مجرد ملاحظات. على سبيل المثال، اكتشف المصريون أن المثلث الذي يكون لجوانبه نسب 3: 4: 5 دائمًا له زاوية قائمة، وكان هذا مفيدًا في التطبيق العملي، كما هو الحال في الهندسة المعمارية. لكن فيثاغورس كشف المبدأ الأساسي وراء جميع المثلثات قائمة الزاوية (أن مربع الوتر يساوي مجموع مربعات الجانبين الآخرين) ووجد أنه صحيح عالميًا. كان هذا الاكتشاف استثنائيًا جدًا. ثم يستنتج فيثاغورس أن الكون كله يجب أن تحكمه قواعد رياضية. يقول أنه يمكن استخدام العدد (النسب العددية والبديهيات الرياضية) لشرح بنية الكون نفسها. إنه لا يرفض تمامًا فكرة الميلسيين- Milesian بأن الكون يتكون من مادة أساسية واحدة، لكنه يحول التحقيق من الجوهر إلى القالب.

كان هذا تغييرًا عميقًا في طريقة النظر إلى العالم، لدرجة أننا ربما يجب أن نغفر لفيثاغورس وتلاميذه الشطح إلى حد ما، وإعطاء الأرقام أهمية صوفية. من خلال استكشاف العلاقة بين الأرقام والهندسة، قاموا باكتشاف الأعداد المربعة والأرقام المكعبة التي نتحدث عنها اليوم، لكنهم أيضًا نسبوا خصائص شخصية للأرقام، مثل “جيد” للأرقام الزوجية و”شرير” للأرقام الفردية، وحتى تفاصيل مثل “العدالة” إلى الرقم أربعة، وهلم جر. أقل إثارة للجدل، رأوا الرقم واحد على أنه نقطة واحدة، يمكن اشتقاق أشياء أخرى منها. وبطريقة التأمل هذه، كان الرقم اثنان عبارة عن خط، والرقم ثلاثة سطح أو مستوي، وأربعة صلبًا؛ ويمكن ملاحظة التشابه مع فهمنا اليوم للأبعاد بسهولة.

اتبع تفسير فيثاغورث لإنشاء الكون نمطًا رياضيًا: فرض الرب على اللامحدود (اللانهائي الذي كان موجودًا قبل الكون)، حدودًا، بحيث أصبح لكل ما هو موجود حجمًا فعليًا. بهذه الطريقة خلق الرب وحدة قابلة للقياس تشكل منها كل شيء آخر.

التوافقات العددية

أهم اكتشافات فيثاغورس كانت العلاقات بين الأرقام: النسب والتناسب. وقد تعزز ذلك من خلال تحقيقاته في الموسيقى، وخاصة في العلاقات بين النوتات التي بدت جميلة عندما تكون متناسقة. تقول القصة أنه تعثر لأول مرة بهذه الفكرة عند الاستماع إلى الحدادين في العمل؛ حيث يعمل أحدهما على سندان نصف حجم الآخر، والأصوات التي أصدراها عند الضرب بمطرقة كانت بالضبط أوكتاف (ثماني نوتات). في حين أن قد تكون القصة صحيحة، فمن المحتمل من خلال تجربة سلسلة منتقاة أن يحدد فيثاغورس نسب الفترات الساكنة (عدد النوتات بين نوتتين تحدد ما إذا كانت ستبدو متناغمة إذا تم عزفها معًا). اكتشف فيثاغورس أن هذه الفترات كانت متناغمة لأن العلاقة بينهما كانت نسب رياضية دقيقة وبسيطة. هذه السلسلة، التي نعرفها الآن باسم السلسلة التوافقية- harmonic series، أكدت له أن أناقة الرياضيات التي وجدها في الهندسة المجردة موجودة أيضًا في العالم الطبيعي.

النجوم والعناصر

 أثبت فيثاغورس إذًا أنه يمكن تفسير بنية الكون بمصطلحات رياضية – “الرقم هو حاكم التكوين” – وأيضًا أن الصوتيات علم دقيق، وأن الرقم يحكم النسب المتناغمة. ثم بدأ في تطبيق نظرياته على الكون بأكمله، موضحا العلاقة التوافقية بين النجوم والكواكب والعناصر. تم تناول فكرته حول العلاقات التوافقية بين النجوم بحماس من قبل علماء الفلك في العصور الوسطى وعصر النهضة، الذين طوروا نظريات كاملة حول فكرة موسيقى الأفلاك. أما اقتراحه بأن العناصر مرتبة بشكل متناغم فتمت إعادة النظر فيه بعد أكثر من 2000 عام من وفاته، حيث اكتشف الكيميائي الإنجليزي جون نيولاندز عام 1865 أنه عندما يتم ترتيب العناصر الكيميائية وفقًا للوزن الذري، فإن العناصر ذات الخصائص المتماثلة تظهر في كل عنصر ثامن، مثل نوتات الموسيقى. أصبح هذا الاكتشاف معروفًا باسم قانون الأوكتافز- Law of Octaves، وساعد في تطوير الجدول الدوري للعناصر الكيميائية. أسس فيثاغورس أيضًا مبدأ المنطق الاستنتاجي، وهو عملية تدريجية تبدأ من البديهيات القبلية (مثل “2 + 2 = 4”) للبناء نحو استنتاج أو حقيقة جديدة. تم تحسين المنطق الاستنتاجي لاحقًا بواسطة إقليدس، وشكل أساس التفكير الرياضي في العصور الوسطى وما بعدها. واحدة من أهم مساهمات فيثاغورس في تطوير الفلسفة كانت فكرة أن التفكير المجرد يتفوق على أدلة الحواس. تم تناول هذا من قبل أفلاطون، وعاد للظهور في الطريقة الفلسفية للعقلانيين في القرن السابع عشر.

كانت محاولة فيثاغورس للجمع بين العقلاني والديني المحاولة الأولى للتعامل مع مشكلة عانت منها الفلسفة والدين منذ ذلك الحين. كل شيء نعرفه عن فيثاغورس يأتي إلينا من الآخرين؛ حتى الحقائق حول حياته الخاصة هي تخمينات إلى حد كبير. ومع ذلك فقد حقق مكانة شبه أسطورية بسبب الأفكار المنسوبة إليه. سواء كان في الواقع صاحب هذه الأفكار أم لا، فذلك لا يهم حقًا؛ المهم هو تأثيره العميق على الفكر الفلسفي.