كيف تغير مواقع التواصل الدين

يعد الاقتصاد في التشريع مطلبًا ضروريًا لأي دين. في الإسلام يرد ذلك صراحة وبوضوح في سورة البقرة عندما يسأل قوم موسى عن ذبح البقرة؛ يطيب للكثير من المشايخ، للأسف، حرف المغزى من القصة بالقول أنه دليل على وجوب عدم كثرة السؤال، خاصة عندما يقعون في مأزق جدلي، أو تكون الأسئلة عقائدية وكأن السؤال حولها من المحرمات. ولكن الهدف من القصة واضح: الاقتصاد في التشريع لعدم التضييق على النفس فيما لا تطيق. فإذا فُرضت الزكاة، من الحكمة تأديتها كما ورد في التشريع بصيغة واضحة ومباشرة دون الدخول في الكثير من التفاصيل التي لن توضح بقدر ما تُضيق. ما يحدث حقيقة هو عكس ذلك تمامًا، فمسألة بسيطة مثل “الماء الطاهر للوضوء” تأخذ عشرات الصفحات والدروس في نقاش كل حالة نادرة وشبه مستحيلة، تمامًا كما مع البقرة، رغم أن كل المسألة يمكن أن تختصر بـ “ما يُشرب يتوضأ به” كما قال عالم عارف ذات مرة.

الاقتصاد ظاهرٌ بجلاء في شكل المصادر أيضًا، وليس في جوهرها فقط. فعدا أن العبادات الأساسية محددة بالفرائض الخمس في الإسلام، والوصايا العشر في المسيحية، نجد أن الصيغة اللغوية لها واضحة ومباشرة دون تفاصيل معقدة عن كيفية تأديتها؛ والقرآن ككل، رغم أنه المصدر الأساسي والشامل للتشريع في حياة المسلم من كل نواحيها، لا يمكن مقارنته من حيث الحجم بكتب القانون أو حتى فروعه.

السبب؟

يدعي أي دين عالميته وشموليته وعدم اختصاصه بزمانٍ دون آخر، ومن هنا فإن أي مبالغة في التشريعات سيجعلها مناسبة لفئة صغيرة جدًا وفي وقت محدد فقط، ويُدخل المؤمنين في ضيق لا يمكن الخلاص منه كما رأينا في سورة البقرة.

الأهم من ذلك، أن يكون الوصول للدين يسيرًا لكافة أطياف الناس بالتساوي، حتى تصح محاسبتهم بالتساوي أيضًا. عندما يراد للدين أن يكون “بينًا” لكل الناس وجب أن يكون أكثر اقتصادًا في تعليماته، وأكثر تركيزًا على الأمور المهمة التي تخص عامة الناس، وكلما زادت التشريعات زادت الحاجة للمختصين به والعاملين المتفرغين له، ومن ثم الوساطات، كما يحدث مع المحامين والقانون.

وأخيرًا، تأتي ضرورة الاقتصاد لعدم دخول البدع والسلوكيات العرفية في أساس التشريع، فكلما زاد الأخير زاد تفرق الناس مع كل تشريع حسبما يتفق لهم ويخدمهم بطريقة أفضل.

ما علاقة مواقع التواصل بكل ذلك؟

أي شخص لديه صفحة على فيسبوك، أو حساب على تويتر يدرك تمامًا أن جذب المتابعين يتطلب أمورًا عدة، لكن للاحتفاظ بهم يجب أن يكون محتوى صفحتك مشوقًا وقابلا للمشاركة، وعليك أن تكون نشطًا، وتـُزود المتابعين بما قدموا من أجله بشكل مستمر وغير منقطع؛ إن كنت تشارك “بوست” واحد في الأسبوع، فستخسر المتابعين قبل نهاية الشهر، وإن كنت تغرد كل يومين، فستغرد وحيدًا عاجلاً- هذه طبيعة مواقع التواصل، هل هذا جيد أو سيء؟ لسنا هنا في صدد مناقشة لذلك ولكننا نتحدث عن الصفحات والحسابات التي تستخدم هذه المواقع بطبيعتها لمواضيع دينية.

عندما يكون لديك “صفحة دينية” فإن “صوم رمضان” أو “أحب جارك” لا تَعُد كافية للإبقاء على المتابعين أمام ملايين الصفحات الأخرى، لذلك يلجأ هؤلاء إلى وسيلتين: أولاً، التسابق لاستخراج كل نادرة من التراث الشعبي ولصقها بالدين فقط لأن بطل القصة أو الحادثة من القرن الفلاني الغابر ويتحدث بلغة الصالحين وفصاحتهم. من هنا أصبحت قصص مثل حكاية المرأة التي لا تتحدث إلا بالقرآن مصدرًا للإعجاب والتقدير، رغم أن ابن الجوزي ذكر أنه من تلبيس ابليس لأن القرآن لم ينزل ليكون كلامًا لأحد، وفيه، خارج السياق، كلام كفر مثل قول فرعون. أو قصة الرجل الذي وجد، في غابر الزمان، قطة على سطح الأزهر تطعم قطة أخرى عمياء فقال إن كان الله يطعم هذه القطة فلماذا أنشغل بلقمة عيشي؟ هذه القصة رويت على صفحة دينية على أنها عظة إسلامية، ولكنها ستشجع الكسول على التكاسل، والمتبطل على الاستمرار في تبطله بدعوى قوة الإيمان، رغم أننا لا نجد أي شيء يدعم هكذا توجه في التشريع الإسلامي.

وثانيًا، يحاول البعض، للإبقاء على متابعيه، ربط المسائل الدينية بالأحداث الجارية والوقائع الآنية. على سبيل المثال، يشرح أحدهم بحماس أن القيام لصلاة الفجر يقي من فيروس كوفيد-19 لأن القيام لصلاة الفجر يقوي المناعة عن طريق س و ص من الخطوات. ويتكرر الأمر عند كل اكتشاف علمي، وكل جائحة متناسين أن أي دين لا يرتبط في تشريعه بأي حادثة أو أي غرض عابر، وليس أي كتاب مقدس كتابًا علميًا، وحسبه ألا يتناقض مع ثابت حقائقي يؤدي لنقضه. عدا أن الذين يتحدثون في هكذا أمور يسخفون الدين، ويشطحون بغايات التشريع لأمور تدل على جهلهم المدقع في الدين الذي يدعون إليه قبل كل شيء، فقط للاحتفاظ بمتابعيهم الغالين.

في هذا التناقض الواضح بين هدف التشريع، وطبيعة مواقع التواصل يظهر لنا التأثير الخفي للأخير على الأول. وهناك، بالإضافة لذلك، تأثيرات واضحة يدركها الكل، مثل حسابات المشايخ والدعاة والتي يُعرف عنها بصيغة “الشيخ” وغيره وليس كأي شخص من عامة الناس (أفرغنا بحثًا عن خطورة ذلك)، وعندما يقوم هذا الشيخ بإعطاء رأيه الشخصي في مسألة أو يغرد ليبقي متابعيه متفاعلين، يُغَر البعض بكون كلامه جزأ من الدين.

وهنالك بالطبع، مسألة عدم دقة المصادر، وتعمد البعض للتزوير حيث لا أحد يدقق ولا أحد يتحقق، ولكن الكثيرون يأخذون بما يُعجب أهواءهم، ويضر في النهاية بالدين أيًا يكن.

هذه الأمور، وغيرها الكثير ربما، تغير الدين بشكل جذري وكما لم نشهد من قبل، حيث يتحول الدين من قواعد مختزلة وواضحة إلى تراث شعبي مليء بالأهواء، والخرافات، والسموم الخطيرة. كل ذلك بدعوة أن الصفحات الدينية خير من الصفحات التي تضيع الوقت… ربما نكتشف مع الزمن أن “إضاعة الوقت” كانت خير مئة مرة من التحريف والتشويه.