فن إيجاد إشكالية في كل شيء

أشياء قليلة في الحياة مؤكدة. ربما أني أستطيع أن أفكر أو ربما الموت وحده هو المؤكد، ومن هنا يسميه القرآن باليقين مع “ال” التعريف. من طبيعة المعرفة الغير القاطعة هذه، وبدفع من التفكير النقدي والشك الفلسفي المتراكم ظهرت طائفة من الناس تصنع من كل مسألة مشكلة، ومن كل “حبة قبة” حتى تكاد تجزم أن الكون كله بما فيه وكل قضاياه مُشكل.

لا يوجد شيء خاطئ في هذا النوع من الأشياء بأي معنى جوهري، وللناس الحق المطلق في الإشارة إلى الطرق التي يشعرون من خلالها أن هذا العمل الفني أو ذلك التوجه السياسي يمثل مشكلة. لكن “مشكلة الأمور” أنجبت صناعة سيئة من النقد السطحي وغير المثير للاهتمام. آلاف المقالات عن خطر الموضة الفلانية، وفيديوهات بالساعات لأن فلان استشهد بسياسي خطير، أو وضع صورة لابنه مع الكتب الفلانية وليس غيرها. يبدو هكذا نقد منشغلاً بمشكلة كل محاولة لفعل شيء وغير مبال بقدرته على إثراء القضية أو التنوير.

وهو أيضًا وسيلة للتهرب من طرح آراء خاصة أو حتى محاولة التفكير. مثلا، إذا قلت “التكنولوجيا ضارة”، فسيكون بمقدور الناس تمحيص هذه الأطروحة، والاستشهاد بأمثلة واقعية، وطرح آراء بديلة على الطاولة. ولكن إذا كان كل ما تقوله هو أنك لديك مشاكل أو شكوك حول أثر التكنولوجيا، فإن مسؤولية تقديم وجهة نظر مفصلة تقع على عاتق محاوريك وبذلك تتجنب المساءلة حول آرائك الخاصة، كما يسمح لك هذا النمط أيضًا بتجنب تحديد درجة اليقين أو العمومية الخاصة بآرائك.

ليس الهدف هنا انتقاد النقد، ولكن معالجة نوع النقد الذي ظهر مؤخرًا ويجعل من كل شيء مشكلة دون هدف واضح سوى الربح أو الشهرة ربما.

وجدت شركات الإعلام هنا طريقة سريعة وملتوية لاستثمار في حقيقة إنسانية أساسية: لا شيء نفعله، أو فعلناه، أو سنفعله بشكل مثالي وتام. لا توجد أفلام أو كتب أو أعمال فنية لا تشوبها شائبة. لا توجد خطب سياسية خالية من الأخطاء إلا في الخيال (أو الأنظمة الدكتاتورية). والتشريع دائمًا مزيج من التنازلات والبراغماتية والأيديولوجية. حتى أفضل إنتاجاتنا وإنجازاتنا تبهت وتقل صلتها بقضاياها مع تقدم الزمن الذي لا يرحم.

تأمل بعض الأمثلة. تم انتقاد الباحثون السوريون لأن اسمهم ليس شاملاً، وتنتقد فرقة مشروع ليلى لأنها تقدم أعمالاً لا تتماشى مع العادات والأعراف دائمًا، أو لأنهم يشرحون المجتمع دون تقديم حلول (مع أن ذلك لم يكن واجب الفن أبدًا) وينتقد الكاتب الروائي الفلاني لأنه ينال من هيبة الدين أو الدولة في حين أن هنالك أمور أجدى بطرحها أو أن الظروف غير مواتية لمثل هكذا نقاش وبالتالي فإن الكاتب متآمر أو يصطاد في الماء العكر.

إن هذا النوع من النقد، كما تلاحظ، لا يناقش لبّ المسألة بتاتًا وينشغل بتصوير الأمر على انه مُشكل وخطير. وهو بالتأكيد ليس نقدًا بناءً، وغالبًا ما يكون غير مثير للاهتمام- مجرد نميمة ضعيفة مقدمة بشكل ماكر على أنها تدقيق وبصيرة نافذة. مع أن الثغرات هي نتيجة الحدود الطبيعية للفن أو أي ناتج بشري؛ عندما يقع عمل أنتجه شخص واحد أو مجموعة محددة من الأشخاص تحت أعين آلاف الأشخاص فلا بد أن يجد أحدهم مشكلة ما فيه.

في نهاية المطاف، ليست القضية هنا النقد بحد ذاته، بل الإصرار على عدم تقبل تعدد وجهات النظر. يرتعد المرء إذ يتخيل الشكل المروع لعمل بني لإرضاء جميع الأذواق واحتواء جميع الآراء ذات الصلة (مثل فلم هارلي كوين الذي يحاول إرضاء جمهور الكوميكس والنسوية والتعدد العرقي). بالإشارة لفشل شخص ما في تقديم صورة كاملة للعالم أو أحد قضاياه، فإننا لا ندعوه للقيام بعمل أفضل ولكن نكسر من عزيمته فقط. فهم الجميع للعالم غير كامل بطبيعته، وخاصة في الفن. إن المطالبة بأعمال فنية شاملة كليًا هو دعوى للتعامل معها عبر لجان ومحامين ومستشارين كما في الحملات التسويقية. قد ترضي النتيجة بعض الأذواق، ولكن من الصعب أن نتخيل أنها تنتج أي شيء يتجاوز المكافئ الإبداعي لإعلان حكومي جاف- ترضي شريحة واسعة من الأشخاص، بالتأكيد، ولكنها ليست مثيرة للاهتمام أيضًا، ولا مفصلية.

بالطبع، تتجاوز هذه الظاهرة نطاق الفن الشعبي. فمثلاً، كثيرًا ما ينتقد الإعلاميون لاستشهادهم بشخص معارض او مؤيد للنظام الفلاني في نفس الوقت. بدلاً من التركيز على محتوى الاقتباس، يركز الأشخاص على عيوب مصدره. وهذا ينقلنا إلى العلة الثانية في قلب صناعة مشكلة الأمور: اللامبالاة تجاه النوايا. التواصل هو جهد تعاوني بطبيعته. يحاول شخص ما إصدار تعبير يمثل فكرة أو شعورًا بأقصى دقة يمكنه تحريها. يتلقى شخص آخر هذه الإشارة ويتولى محاولة تفسير ما كان الشخص الأول يحاول قوله بالفعل. بتحويل الأخطاء إلى إشكاليات، تم التخلي عن النصف الأخير من المعادلة بالكامل.

من المفترض أن يقول الفنانون والسياسيون والإعلاميون شيئًا متماسكًا ومفهومًا. ومن واجبنا، كجمهور، أن نخرج ببعض التفسير الخيري والمتسق لما كانوا يحاولون الوصول إليه. ربما كان بإمكان “مشروع ليلى” طرح القضايا بطرق أكثر عقلانية، ولكننا بذلك نتجاهل نيتهم الرئيسية وهي تقديم أغاني من الممتع الاستماع لها، ونتجاهل سعيهم لتسليط الضور على قضايا اجتماعية فيما يغرق غيرهم في الغزل الصافق. التعلق الفوري بالنقاط التي فشل شخص ما في ذكرها وانتقاد المنظور الناقص، والتسرع في تفسير سخي للكلمات أو الأفعال- أمرٌ قاسٍ بسادية.

في اقتصاد قائم على الاهتمام والضجة، تكون الإساءة مربحة جدًا. الكثير من الأشخاص يعبرون عن قلقهم بشأن التنمر الثقافي، ولكن إذا ما أتيحت لهم الفرصة لتحويل الكلمات إلى أموال، فإنهم يبدون أكثر من سعداء لمساعدة الطمع الرأسمالي على تدمير الأعمال الأصيلة. بدلاً من توظيف النظرة الثاقبة والمنابر الإعلامية في العديد من المشاكل الحقيقية التي تواجهها البشرية، يتحدثون حول فشل فلان وعلان. لماذا؟ لأن بيع التشهير والإساءة أسهل وأجزى ربحًا من المناقشات الدقيقة والبناءة.

ليس الهدف هنا تثبيط الانتقاد. بدلا من ذلك، هو التماس من أجل نسخة أفضل منه. بعض النقد قيم، ولكن لسوء الحظ، فإن الكثير منه تدميري وغير مفيد. انتقد العالم من حولك بقدر ما تشاء، ولكن بظن خيري في النوايا وهدف واضح لما تريد تحقيقه. وتذكر أن كل شيء تواجهه سيكون قاصرًا بطريقة ما، فلا تجعل النقص مشكلة في حد ذاته.