أنا والمستحيل… تجربة فنية

بينما تجرفنا حياتنا المعاصرة والعاصرة في مهاويها، ولا تنفك تدفعنا دفعًا دون رحمة لأن نلهث وراء إشباع حاجاتنا المادية، الطبيعية منها والمصطنعة بفعل النظام الرأسمالي وتغلغل ثقافة الاستهلاك فينا. بينما كل ذلك، نتوقف من لحظة لأخرى مقاومين دفع الحياة لنا محاولين التمرد عليه كي نستعيد توازننا بعض الشيء، وننظر إلى الوراء لنقيّم تجربتنا ومسارنا الذي سرناه، ومقدار ما أحرزنا من نجاح وما أحرزته الحياة فينا من إخفاق، ومقدار الأمل الذي ظفرنا به واليأس الذي ظفر بنا، ومقدار انحراف مسارنا الذي سرناه عن ذاك الذي خططنا له وحرصنا على ألا يولّي العمر دون أن نخطوه حتى نلتقي بأحلامنا وجهًا لوجه.

ولسوء الحظ، فإن هذه اللحظات من التوقف – على قصرها – تصدمنا بحقيقة مروعة؛ ذلك أننا نفيق على أن الحياة قد أبعدتنا… أبعدتنا كثيرًا حتى أضلتنا عن السبيل الذي خططناه، وعن أحلامنا وأهدافنا التي تمنينا يومًا أن تتبدد الدنيا قبل أن تتبدد هذه الأحلام والآمال. حتى إننا لنكتشف أن الرجوع إليه ضرب من خيال؛ لأن إلحاح الحاجات لا يزال يدفعنا، ولأن استشعارنا دبيب الزمن فينا واستشعارنا كم بعدنا عن المسار يجعلنا نفقد كل أمل في العودة والبدء من جديد.

وبين لحظة وأخرى، نلوذ بالفن، بالموسيقى الكلاسيكية والأغاني الكلاسيكية، ندير الراديو علّنا نسمع ما لم نسمعه من قبل من أغاني أم كلثوم أو فيروز أو عبد الوهاب، أو من موسيقى موزارت، شوبان، بيتهوفن، باخ، هايدن، تشايكوفسكي. ومتى عثرنا على شيء من ذلك تملكنا شعور غامر بأنه وحده الفن عزاؤنا وسلوانا في هذا العالم، ووحده ما يستطيع أن ينتشلنا من هذه الورطة التي انجرفنا فيها، ومن هذا القبح الذي لفّ كل شيء حولنا، وطغى على كل شيء حولنا أيضًا؛ ذلك أنه في خضم هذا القبح نكتشف فجأة أن في هذه الدنيا ما به تكون الحياة لها معنى وقيمة، حين يتداعى ويتساقط كِسفًا جلّ ما حولنا من معاني وقيم ومثل الحق والخير والجمال.

بالأمس اختبرت شيئًا كهذا، ولكن هذه المرة لم تتعلق الخبرة بفن من الفنون السمعية، وإنما هو من الفنون البصرية. فن تشكيلي حمّال من المعاني أعمقها وأسماها وأمسّها للسماوات منّا! ولسوء الحظ فإن هذا اللون من الفن سيء الحظ في بلادنا العربية حتى إننا لنولي عنه إن صادف أعيننا؛ لأن مدهسة الحياة وتفشي القبح فيها قد غشى حساسيتنا الجمالية من ناحية، كما إن إيقاعها أصخب وأسرع من أن يسمح لنا بما يتطلبه هذا اللون من الفن من وقفات التأمل حتى يتغلغل فينا، ولأننا لم نتعلم شيئًا عن هذا الفن كما لم نتعلم شيئَا عن أشياء كثيرة أخرى من الناحية الأخرى؛ ذلك أن هذا اللون من الفن يتطلب قدرًا معقولًا من الثقافة العقلية والذوقية تتيح لصاحبها قدرة على التفسير والتأويل وخلع الدلالات وإصباغ المعاني.

حقا! أكدت لي هذه اللوحة أمرًا مهمًا غاية في الأهمية، وهو أن للفن قوة سحرية على أن يسمو بنا إلى مناطق من ذواتنا ومثاليات فينا تمنحنا الأمل أن إنسانيتنا لم تتآكل تمامًا بعد، وأننا ما نزال في مصاف الإنسانية برغم نهش الحياة لهذه الإنسانية فينا، وأن للفن قوة سحرية على أن حملنا إلى مناطق مهجورة ومبهمة من ذواتنا، وإن له لقدرة سحرية خلاقة على لملمة وإعادة إحياء ما كان قد تناثر أشلاء في حنايا ذواتنا وثناياها حتى طواه النسيان أو كاد. فإذا كان العلم يستطيع أن يفعل ذلك عبر إدخالنا في عوالم ما كنّا لنتصورها من خلال النظريات التي يقدمها، فإنه من الناحية الأخرى قد يصنع قنابل ويدمر البيئة ويُشيّء كل ما له قيمة، حتى الإنسان. وإذا كان الدين يستطيع ذلك من خلال التصوف والزهد والروحانيات والارتفاع عن الدنيات، فإنه قد يستحيل أيضًا إلى أداة للقمع والتسلط واستباحة الدماء والأعراض بما قد يدني المرء عن المثل الإنسانية العليا التي ما تنزل الدين إلا لإتمامها. والفلسفة أيضًا لا تسلم من هذه القاعدة، فمن الرؤى الفلسفية ما يصبو إلى مثاليات أسمى من أن يستطيعها البشر، ومنها ما يعكس صور التمييز ويكرس للعبودية ويؤسس للاستعمار والاستبداد في الأمم والمجتمعات.

وأكاد أسمع الآن من يقول لي: أتُراه الفن بريء من ذلك؟ وهذا القائل قد يطغى عليه – كما يطغى عليّ الآن – ما يحدث الآن في مصر من تراجع في الفن وفي التذوق الفني، وحركات اللفظ والرفض والمقاومة لما بلغه الفن من التردي. ولكني لم أستثنِ الفن من هذه القاعدة: فهو – كما سائر الأنشطة الإنسانية – قد يكون فارغًا من كل معنى ومضمون، وقد يعكس ويجسد ويكثف آخر ما استطاع الإنسان أن يبلغه من القبح والانحطاط والهمجية، وهو في هذه الحال – ولحسن الحظ – لا يحتفظ به التاريخ المكتوب؛ لأن التاريخ يكتبه أولي الثقافة الرفيعة، والذين بدورهم يمجّون مثل هذا اللون من الفن ولا يقوون على مجرد أن يمس آذانهم وأعينهم.

كذلك لا يحتفظ به التاريخ الحي ممثلا في الذاكرة الإنسانية الموصولة بتعاقب الأجيال؛ لأنه لون من الفن لا يتناول من الكيان الإنساني إلا أضحله غورًا وأضيقه مجالًا؛ فكان أثره آني لا يتجاوز اللحظة لأنه لا يعبر إلا عن فئة بعينها وعن لحظة شعورية بعينها من حياة هذه الفئة لا تفتأ تخطيها إلى أخرى تحتاج إلى ما يعبر عنها في صيرورة من الاستهلاك الآني العاجل المسف الذي لا حظّ لموضوعه من الوجود فضلا عن الخلود. الأمر الذي يجعلنا نتساءل حول إمكانية عده فنّا من الأساس، لاسيما وأن الفن، وبالدرجة الأولى أشبه بنوع من الاستخلاص لأدق وأشف وأسمى المعاني التي تختصر روح العصر الذي يعيشه الإنسان، وإعادة تأليفها في صورة واحدة؛ مما يجعلنا كلما ترقينا في معراج الثقافة والذوق كنّا أكثر اصطلاحًا على الحكم الجمالي تجاه الموضوع الواحد، ويكون الفنان آنئذ أشبه بالنحلة التي تستخلص من الرحيق أعذبه مذاقًا وأبهاه لونًا ليخرج لنا من العسل ما فيه الغناء والشفاء. وعلى ذلك فقد يعكس الفن ويجسد ويكثف ويرتفع إلى أسمى مما استطاع الإنسان أن يبلغه من الرقي والحضارة والثقافة والجمال والمثل العليا؛ ليؤكد بذلك على أن الإنسان لا يزال يستحق أن يكون بحق تاج الخليقة وبطل الرواية الكونية.[1]

ويبدو لذلك أن الفن، بشتى صوره وألوانه، وسواء أكان إنشاءً أو تلقيًا، هو نوع من الاشتغال على المساحة الواسعة بين الواقع والمأمول، بين ما هو كائن وما يتمنى المرء أن يكون، بين المبلوغ والمبتغى؛ فإذا تساوا كليهما وانعدمت المساحة بينهما فنِيَ الفن إنشاء أو تلقيًا؛ فوحده فرق الجهد هذا – بلغة الفيزياء– بين المبلوغ والمبتغى ما يدفع الفنان لإنشاء فنه، وتتوقف جودة العمل الفني وعمق تأثيره على سعة البون بين الطرفين.

ويبدو – لذلك – أن المبدعين في الفن وشتى ميادين النبوغ الإنساني إنما يُظهرون لونًا أو درجة من درجات العصاب، وهي والفن كلاهما ناتج عن هذه المساحة أو الفجوة الواسعة والهوة السحيقة، وربما إذا اتسعت هذه المساحة مع فقدان وسيلة التنفيس (ممثلة في الموهبة) عن مثل هذا الضغط الشديد، تطور العصاب ليتخذ أوضاعًا متطرفة تصل إلى حد الذهان. لذلك نجد أصحاب الفنون يغلب عليهم أن تكتسي نفوسهم بمسحة من الأسى مهما بدوا باسمين؛ ذلك أن الحضارة حين تنشط جذوتها فإنها تشد وثاقنا في شبكة من الغايات ما أيسر ألا نحققها، فيكون الفن حينئذ عزاءنا ومتنفسنا ومجال من الخيال الخالص الذي نحقق فيه ما فاتنا في الواقع، ونعوض به ما سُلب منّا، وننتصر به على هزائمنا وانكساراتنا في الواقع. بل ليس الفن وحده ما يشتغل على هذه المساحة، وإنما الأدب أيضًا، كلّا! بل والعلم والفلسفة، وعسى أن تكون هذه المساحة مصدرًا من مصادر الدين أيضًا. ومن هنا نلحظ أن أمة من الأمم طغى على أهلها ركون وركود وانعدام الهم والهمة، بحيث لا يبتغون أبعد مما يبلغون، نراها لا تنتج فنّا ولا أدبًا ولا علمًا ولا فلسفة ولا شعرًا.

وفي وصفها لحالتها الشعورية التي صاحبت رسم لوحتها، أفضت إليّ الفنانة بأنها لم تكن في تمام وعيها بينما كانت ترسم، وإنما كانت فرشاتها متصلة بمشاعرها اتصالًا مباشرًا، وكانت هذه لتقود يدها أنى شاءت لتتبعها هي في استسلام، ويبدو أن هذه هي حال الفنان بعامة… لكأن الفنان مستحوَذٌ عليه من قوى مما وراء الطبيعة، أو كأنه وسيط روحاني على نحو ما تصور لنا الأفلام السنيمائية، والذي يدخل في حالة من غياب الوعي بينما هو أداة لإخبارنا برسائل من عالم روحاني بيننا وبينه حجب الغيب، وليس هذا العالم الذي يسيطر على الفنان– في سياقنا هذا – سوى سحابة من خلاصة المشترك الإنساني العام من أعمق التجارب التي خاضتها الإنسانية، والكاشفة عن سعة البون بين الواقع والمأمول.

وهذه اللوحة التي كانت على موعد مع بركان عارم تفجر بداخلي هي من إبداع الفنانة والأديبة “شيرين جويلي“، وقد تركت لوحتها دون اسم أو عنوان وكأنها تريد بذلك أن تقول لمن يلتقي معها ببصره ووجدانه: ضع أنت العنوان الذي يروق لك! ذلك أن هذه اللوحة – كما كل عمل فني متميز – حمالة لمعاني كثيرة، ولك أن تختار منها ما لاءم تجاربك في الحياة، وما أثاره فيك من مشاعر وما طبعه فيك من آثار. وعلى ذلك كان تسميتي لها: “أنا والمستحيل”.

ترى في اللوحة امرأة وهي تحدق في شيء أمامها كأنه المرآة بينما هي تدس يدها إلى المرفق فيه كما لو كانت مرآة سحرية! ولكن الفنانة قد أسفرت لي عما أرى: إنه ثقبٌ أسود وليس بمرآة! ولكن ما معنى ذلك؟

يُخيّل إليّ أنها كما لو كانت تحدق في المرآة، وطال تحديقها حتى سلت عن نفسها، وحتى اجتمع لخيالها الخصب أشياء كثيرة في لحظة واحدة:

  • الثقب الأسود الذي قد يختطفنا إلى ماضٍ بعيد، كنّا فيه مفعمين بالأمل والحلم والحياة قبل أن يتكسر كل ذلك على صخرة الواقع، وقبل أن يلقننا الزمان دروسًا تركت آثارها فينا بعمق.
  • هذا الحلم ذاته، والذي كنّا قد تمنينا يومًا أن تندك الدنيا ولا يضيع هذا الحلم، حتى لقد كنّا نكاد نبطش بمن يحاول إفاقتنا أو تبصيرنا من غفوتنا. وقد يكون هذا الحلم شخص محبوب، أو هو الحب ذاته، أو هو مرتقى صعبًا ومجدًا رفيعًا تصورنا يومًا أنّا بالغوه بالإنجاز والإبداع فإذا هو لا يُبلَغ إلا على أنحاء لا تلائم مثالياتنا… وهذا الحلم ما يجسده ويرمز إليه في اللوحة هذا الشخص الشاحب الغامض الحزين والهزيل، والواقف بعيدًا في أعماق القلب ودهاليز الذكريات، والدافع بنا إلى حافة الجنون!
  • لوحة “مايكل أنجلو” (خلق آدم)؛ وكأن الثقب الأسود، ومن خلال قدرته على ردنّا إلى ماضينا ومنحنا كل ما فقدنا في مسيرتنا الحياتية، إنما يمثل لنا باعثًا وخالقًا.

على أنها لا زالت أمام المرآة وليست أما ثقب أسود! مما جعلها لا تكتفي بتماس الأصبعين كما في لوحة “مايكل أنجلو”، وإنما هي قد أدخلت يدها إلى المرفق فيما تصورته ثقبًا أسود، محاولة أن تنتزع من قلبه انتزاعًا ذلك الحلم الذي كان قد ألقى عليها نظرة الوداع منذ أمد بعيد ليرحل ويتبدد كما الدخان، وتتنمى من هذا الثقب الغامض إما أن يردها إلى هذا الحلم أو يرده إليها أو ليبتلعها ويسحقها فتذوب فيه وتتربع هناك على عرش الأبدية، بعدما خذلتها الدنيا وأنهكها تبدد الحُلم وضياع الأمل! وعلى ذلك فإن المستحيل هو الرجوع إلى الماضي وتصحيح المسار وإعادة اللقيا بالحلم الضائع والأمل الذي تبخر كالدخان.

منذ غاصت عيني في هذه اللوحة –فمثل هذه اللوحة لا يكون سير العين فيها إلا غوصًا –بسحر ألوانها وعمقها وغموضها على قلّتها وبساطتها، وأنا بداخلي مرجل يغلي من المشاعر والمعاني والفِكَر، حاولت جهدي أن أترجمها إلى كلمات وجمل… وهيهات أن تستطيع الكلمات والعبارات أن تُفصح عن دخائلنا، وعساها أن تشوّه أكثر مما تُفصح.

وكلي أمل أن يجد مثل هذا الفن في بلادنا سبيله سربًا إلى نفوسنا وعقولنا وذائقتنا، وألا نكون قد صرنا إلى غلظة من الحس يمتنع علينا معها أن نسمو إلى استشعار ما يلمح به هذا الفن من إشارات ومعان.

…………………..

كتبها: كريم علي السيد

كاتب وباحث حر في الفلسفة. فايسبوك


[1]– هذا التعبير مقتبس من د. يمنى طريف الخولي، أستاذ فلسفة العلم ومناهج البحث بقسم الفلسفة من كلية الآداب جامعة القاهرة.

شيرين جويلي كاتبة مصرية، مصورة وفنانة تشكيلية صدر لها رواية “الجدار الأسود” و “السادسة مساء بتوقيت باريس”. انستغرام