قاموس الشيطان: فلسفة القانون

نادرًا ما نستمع للأخبار دون أن يأتي ذكر القانون، وكثيرًا ما يحفز ذكره الجدل. بينما يحتفل المحامون والسياسيون بفضائل سيادة القانون، يندب المصلحون عيوبه، ويشكك المتشائمون في تكافؤه المزعوم مع العدالة. لكن الجميع يعترفون بالقانون كوسيلة للتغيير الاجتماعي. والقليل يشك في الدور المركزي للقانون في حياتنا الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والاقتصادية. ولكن ما هو هذا الشيء المسمى بالقانون؟ هل يتكون من مجموعة من المبادئ الأخلاقية العالمية المبنية على الطبيعة؟ أم أنه ببساطة عبارة عن مجموعة من القواعد أو التوجيهات أو المعايير من صنع الإنسان إلى حد كبير؟ هل القانون له غرض محدد، مثل حماية الحقوق الفردية، وتحقيق العدالة، أو المساواة الاقتصادية والسياسية والجنسية؟ هل يمكن فصل القانون عن سياقه الاجتماعي؟

هذه مجرد بعض الأسئلة التي تنتظر أي شخص يحاول كشف مفهوم ووظيفة القانون. وهي تتخلل طبيعة فلسفة القانون بحدودها السخية، ورسم هذه الأرض الشاسعة مهمة شاقة.

إن “فلسفة القانون”، كما يوحي اسمها، تنطلق عادةً من وجهة نظر النظام الفلسفي (على سبيل المثال، تحاول كشف نوع المشاكل التي قد تثير الفلاسفة الأخلاقيين أو السياسيين، مثل مفاهيم الحرية أو السلطة). ومنا هنا تدرس فلسفة القانون أو فلسفة التشريع- jurisprudenceأسئلة أساسية مثل “ما هو الغرض من القوانين؟”

وهناك العديد من النظريات الأساسية حول الموضوع. “فقه الفضيلة“، المستمد من أخلاقيات أرسطو، هو رأي يقول بأن القوانين يجب أن تعزز تطور الشخصية الفاضلة. على سبيل المثال، قانون يمنع التبول في الشارع لدى أنصار فقه الفضيلة يساهم في تشكل أفراد محترمين وراقين لا يقعون في فعل مشين مثل ذلك.

وعلم الواجبات (دِيونطُولوجيا) هو الرأي، الذي عبر عنه إيمانويل كانط، بأن الغرض من القوانين هو تنظيم الواجبات الأخلاقية. بمعنى أن قانون منع التبول في الشارع مبني على حس بأن هذا الفعل منافي للأخلاق.

وقال جيريمي بينثام النفعي، في القرن التاسع عشر، إن الغرض من القوانين هو إنتاج أفضل النتائج لأكبر عدد من الناس، وبالتطبيق على المثال السابق فإن التبول في الشارع سيؤذي من يرى المنظر ومن يشم الرائحة ولن يفيد سوى شخص واحد مستعجل، وهكذا وجِد قانون ضده.

ولكن كما هو معتاد في الفلسفة، قد يكون السؤال الأول الذي يطرحه عامة الناس على هؤلاء المنظرين هو: “هل هناك أي اختلاف عملي بين نظرياتك اللطيفة؟” يمكن استخدام أي من النظريات الثلاث لتبرير العديد من المبادئ القانونية الراسخة، مثل الفكرة القائلة بأن فرض عقوبة على الجريمة يعيد التوازن في مقاييس العدالة. يمكنك تبرير العقوبة من منظور فقه الفضيلة بـ (إعادة التأهيل)، أو من منظور الواجبات بـ (معاقبة انتهاكات الواجب المدني)، أو منظور النفعية بـ (ردع العواقب السيئة في المستقبل).

في مبدأ قانوني آخر معروف هو عدم موثوقية الأدلة الظرفية، يمكن مرة أخرى للمنظرين الثلاثة، دعمه بالحجة. قد يعلل أحد منظري فقه الفضيلة بأن مستوى عالٍ من الإنصاف في قاعة المحكمة يوفر نموذجًا مثاليًا للفضيلة للمواطنين. بالنسبة لعلم الواجبات، قد تنتهك الأدلة الظرفية حقًا عالميًا يتمثل في إنصاف الآخرين بدقة. بالنسبة للنفعية، قد يؤدي استخدام الأدلة الظرفية إلى نتيجة غير مرغوب فيها بسجن شخص بريء وإبقاء عائلته دون معيل والمجرم الحقيقي طليقًا.

مرة أخرى، قد يسأل الأكثر عملية بيننا: “من يهتم! لماذا نتعامل مع الأدلة الظرفية بحذر؟” كمسألة عملية، نحتاج فقط أن ندافع عن عدم إمكانية الاعتماد عليها، كما تفعل المرأة في القصة التالية.

وقفت امرأة في سوق الشارع وصندوق سيارتها ممتلأ بالصناديق والمشتريات فأتاها شرطي البلدية، وقال: “عفوًا يا سيدة، سأحرر لك مخالفة البيع في الشارع دون رخصة”. استغرب السيدة وأخبرته أن لم ولن تفعل ذلك إطلاقًا، فأجاب الشرطي: “ولكنك تمتلكين جميع الأدوات لذلك”.

“إن حررت لي مخالفة فسأقاضيك بتهمة الاغتصاب” ردت السيدة.

“لكني لم ولن أفعل ذلك إطلاقًا” قال الشرطي مستغربًا.

“نعم، ولكنك تمتلك جميع الأدوات لذلك”.

على كل، يميل الكتاب المعاصرون إلى إيلاء القليل من الاهتمام لهذه الفروق الدقيقة. وأصبحت النظرية القانونية بعيدة كل البعد عن القضايا الفردية ومسرح المحاكم. ومع ذلك، فحتى المحاكمات الجنائية المثيرة للجدل- الحقيقية أو المتخيلة – التي أصبحت موضوعًا أدبيًا وسينمائيًا وتلفزيونيًا معتادًا، تمتلك سمات القانون الذي يثير الفلاسفة القانونيين. تثير هذه المحاكمات والقضايا أسئلة محرجة حول المسؤولية الأخلاقية والقانونية، ومبررات العقوبة، ومفهوم الضرر، والوظيفة القضائية، والإجراءات القانونية الواجبة، وغيرها الكثير. ومن هنا فإنه من الصعب الادعاء بأن فلسفة القانون هي نظريات مجردة ونادرًا ما تكون عملية.

لا يمكن فهم أو شرح أي مجتمع بشكل صحيح بدون مفهوم متماسك لقوانينه ومبادئه القانونية، وعلى العكس، يمكن تخيل تقدم و رُقي أي مجتمع تاريخيًا عبر أخذ صورة عن وجود فهم واضح للقانون فيه وتطبيقه. إن الأسس الاجتماعية والأخلاقية والثقافية للقانون، والنظريات التي يتطلع لها وتفسره، لا تقل أهمية عن الدساتير الأساسية. من بين العديد من مواضيع النظرية القانونية، في حدودها العريضة، يأتي تعريف القانون نفسه. من المنطقي أنه قبل أن نبدأ باستكشاف طبيعة القانون، نحتاج إلى توضيح ما نعنيه بهذا المفهوم بعيد المنال في كثير من الأحيان. بالكاد يمكننا أن نبدأ تحليلنا للقانون والنظام القانوني دون بعض الفهم المشترك لما نتحدث عنه. الخطوة الأولى البناءة هي التمييز بين النظرية القانونية الوصفية والنظرية المعيارية.

تسعى النظرية القانونية الوصفية إلى شرح ماهية القانون وأسبابه ونتائجه. من ناحية أخرى، فإن النظريات القانونية المعيارية معنية بما يجب أن يكون عليه القانون. بعبارة أخرى، النظريات القانونية الوصفية تدور حول الحقائق، والنظريات القانونية المعيارية تتعلق بالقيم.

وبالتالي تميل النظريات القانونية المعيارية حتمًا إلى الارتباط بالنظريات الأخلاقية أو السياسية. في متابعة تقييم القانون، قد تكون النظريات القانونية المعيارية إما “مثالية” أو “غير مثالية”. تتعلق الأولى بالقواعد القانونية التي ستنشئ أفضل نظام قانوني إذا كان يمكن تحقيقه سياسياً. ويفترض هذا الأخير مجموعة متنوعة من القيود على اختيار القواعد القانونية، مثل صعوبة تطبيق هذه القواعد.

ولكن لا يوجد تمييز واضح بين هاتين الفئتين من الفلسفة القانونية. قد تعتمد النظرية المعيارية على نظرية وصفية للإبقاء على قوتها. وبالتالي من الصعب الحفاظ على النظرية المعيارية النفعية دون سرد وصفي لعواقب تطبيق قاعدة معينة. كيف يعرف النفعي ما إذا كانت القاعدة X تسبب أكبر سعادة (النتيجة Y) بدون وصف لهذه العواقب؟

يمكن الجمع بين النظرية المعيارية والوصفية معًا لإنتاج أنواع هجينة من الفلسفة القانونية. في نظرية رونالد دوركين عن “القانون كنزاهة”، على سبيل المثال، هناك دمج بين أهداف النظرية العقائدية الوصفية والنظرية المعيارية. من خلال الادعاء بأن نظرية القانون يجب أن “تتلاءم” و “تبرر” المواد القانونية، يبدو أن نظريته القانونية كمفهوم تفسيري تسمح للنظرية العقائدية الوصفية بالاندماج مع النظرية المعيارية.

نعيش في عالم مضطرب ومعقد. وفي مواجهة الشر والظلم، ليس من الصعب النزول إلى التبسيط والخطاب المبهم عند التفكير في الطبيعة الصحيحة ووظيفة القانون. لا غنى عن الوضوح التحليلي والمداولات الفقهية الدقيقة حول الطبيعة الأساسية للقانون والعدالة ومعنى المفاهيم القانونية. تلعب فلسفة القانون دورًا حاسمًا في تحديد القيم والمثل العليا التي تدعم أسلوب حياتنا والدفاع عنها.