العودة للطبيعة

ولد أرسطو بعد خمس عشرة سنة من وفاة سقراط، في ستاغيرا من ملكوت مقدونيا في شمال اليونان. هاجر نجل طبيب البلاط إلى أثينا عام 367 في سن السابعة عشرة، وانضم إلى أكاديمية أفلاطون، حيث بقي لمدة عشرين عامًا. يعود تاريخ العديد من حوارات أفلاطون اللاحقة إلى هذه الفترة، وقد تأثرت بعض حججها بمساهمات أرسطو في النقاش. من خلال مفارقة تاريخية، يقدم أفلاطون شخصية تسمى “أرسطو” في حوار بارمينيدس، وهو الحوار الأكثر انتقادًا لنظرية الأفكار. ربما كانت بعض أعمال أرسطو الخاصة حول المنطق والنزاع، والموضوعات والدحض الفلسفي، تنتمي إلى هذه الفترة. أثناء وجود أرسطو في الأكاديمية، نمت مقدونيا من كونها مقاطعة حدودية غير مستقرة لتصبح أكبر قوة في اليونان. شن الملك فيليب الثاني، الذي تولى العرش عام 359، حربًا ضد سلسلة من القوى المعادية بما في ذلك أثينا.

دافع الأثينيون عن مصالحهم بهدوء، وبعد سلسلة من التنازلات المهينة سمحوا لفيليب أن يصبح عام 338 سيدًا للعالم اليوناني.

كانت الفترة صعبة بالنسبة لمقدوني مقيم في أثينا، وفي 347 عندما توفي أفلاطون وأصبح ابن أخيه سبوسيبوس رئيس الأكاديمية، انتقل أرسطو إلى أسوس على الساحل الشمالي الغربي لما هو الآن تركيا. كانت المدينة تحت حكم هرمياس، خريج الأكاديمية، الذي دعا عددًا من الأكاديميين لتشكيل مدرسة فلسفية جديدة هناك. أصبح أرسطو صديقًا حميمًا لهرمياس، وتزوج ابنته بالتبني بيثياس، وأنجب معها طفلين. خلال هذه الفترة، أجرى أبحاثًا علمية واسعة النطاق، لا سيما في علم الأحياء البحرية. كتب هذا في كتابًا يحوي ملاحظات مفصلة ودقيقة عن تشريح الثدييات والطيور والزواحف والقشريات. كانت الدراسة الأولى من نوعها ولم يأتها مثيل حتى القرن السابع عشر.

ظل أرسطو في أسوس حتى أعدم ملك فارس هيرمياس عام 341. ويحيي أرسطو ذكراه في قصيدة الفضيلة، وهي قصيدته الوحيدة الباقية. بعد وفاة هيرمياس، تمت دعوته إلى العاصمة المقدونية من قبل فيليب الثاني كمدرس لابنه، الذي سيغدو الإسكندر الأكبر. هنالك القليل من المعلومات القوية حول علاقة أرسطو بتلميذه المميز، الذي جعل نفسه سيدًا لإمبراطورية امتدت من نهر الدانوب إلى نهر السند وشمل ليبيا ومصر. تخبرنا المصادر القديمة أنه خلال حملاته المبكرة، قام ألكسندر بترتيب فريق من الباحثين لجمع عينات بيولوجية من جميع أنحاء اليونان وآسيا الصغرى لأرسطو.

أثناء فتح ألكسندر لآسيا، عاد أرسطو إلى أثينا، حيث أسس مدرسته الخاصة خارج حدود المدينة. هنا قام ببناء مكتبة كبيرة، وجمع حوله مجموعة من طلاب المعرفة. لكن لم تكن المدرسة نادٍ خاصًا مثل الأكاديمية؛ كانت العديد من المحاضرات مفتوحة لعامة الناس دون مقابل.

اعترف أرسطو دائمًا بجميل أفلاطون الكبير، وتظهر كتاباته الفلسفية الرئيسية تأثير معلمه على كل صفحة تقريبًا. أخذ أرسطو جزءًا كبيرًا من أجندته الفلسفية من أفلاطون، وكان تدريسه في كثير من الأحيان تعديلًا أكثر منه جرحًا لمذاهب أفلاطون.

توفي الإسكندر الأكبر عام 323، وابتهجت أثينا الديمقراطية، وأصبحت مرة أخرى منزلاً غير مريح لمقدوني حتى وإن كان معاديًا للإمبريالية. ولكي لا تخطئ أثينا “مرتين ضد الفلسفة”، هرب أرسطو إلى خالكيص، في جزيرة يونانية قريبة، حيث توفي بعد عام من الإسكندر.

خلف أرسطو أعمالًا ضخمة من حيث الحجم والنطاق، بما في ذلك كتابات عن التاريخ الدستوري وتاريخ الرياضة والمسرح، وأعمال علم النبات وعلم الحيوان وعلم الأحياء وعلم النفس والكيمياء والأرصاد الجوية وعلم الفلك وعلم الكونيات، بالإضافة إلى دراسات فلسفية حول المنطق، والميتافيزيقيا، والأخلاق، وعلم الجمال، والنظرية السياسية، ونظرية المعرفة، وفلسفة العلم، وتاريخ الأفكار.

مرت عدة قرون قبل أن تُفهرس هذه الأعمال بشكل صحيح، وقد تم حساب أن ثلاثة أرباع ما كتبه قد ضاع، ما يعادل ضعف حجم الموروث الأفلاطوني.

نقض نظرية أفلاطون

أعطت فترة التوقف عن التدريس أرسطو الفرصة لينغمس في شغفه بدراسة الطبيعة، مما زاد من إحساسه بأن نظرية أفلاطون للمُثل كانت خاطئة. من المغري أن نتخيل أن حجج أرسطو كان لها بالفعل بعض التأثير على أفلاطون، الذي اعترف في حواراته اللاحقة ببعض العيوب في نظرياته، ولكن من المستحيل معرفة ذلك على وجه اليقين. نعلم، مع ذلك، أن أفلاطون كان على علم بحجة الرجل الثالث، التي استخدمها أرسطو لدحض نظريته عن الأشكال. تقول هذه الحجة:

إذا كان هناك في عالم المُثل شكل مثالي للإنسان يتم على أساسه نمذجة الرجال الأرضيين، فإن هذا النموذج، ليكون له أي محتوى يمكن تصوره، يجب أن يستند إلى شكل من أشكال الإنسان — ويجب أن يستند هذا أيضًا إلى نموذج أعلى يستند إليه نموذج المثال، وهكذا إلى ما لا نهاية.

 كانت حجة أرسطو اللاحقة ضد نظرية الأشكال أكثر وضوحًا، وأكثر ارتباطًا بشكل مباشر بدراساته عن العالم الطبيعي. لقد أدرك أنه من غير الضروري ببساطة أن نفترض أن هناك عالمًا افتراضيًا ساميًا للمُثل، عندما يمكننا بالفعل رؤية حقيقة الأشياء، متأصلة في الأشياء اليومية، هنا على الأرض. ربما لأن والده كان طبيبًا، اهتم أرسطو فيما نسميه الآن العلوم البيولوجية، في حين أن خلفية أفلاطون كانت راسخة في الرياضيات. يساعد هذا الاختلاف في الخلفية على تفسير الاختلاف في النهج بين الرجلين. تتعامل الرياضيات مع المفاهيم المجردة البعيدة عن العالم اليومي، في حين أن علم الأحياء يتعلق كثيرًا بالعالم من حولنا، ويستند تقريبًا على الملاحظة فقط. سعى أفلاطون إلى تأكيد وجود عالم من المُثل يحوي مفاهيم مثل الدائرة المثالية (التي لا يمكن أن توجد في الطبيعة)، في حين وجد أرسطو أن بعض الثوابت يمكن اكتشافها من خلال فحص العالم الطبيعي.

ما اقترحه أرسطو قلب نظرية أفلاطون على رأسها. اعتمد أرسطو على الحواس للحصول على الأدلة التي تدعم نظرياته، وتعلم من دراسة العالم الطبيعي أنه من خلال ملاحظة خصائص كل نبات أو حيوان معين، أمكنه تكوين صورة كاملة لما يميزه عن النباتات أو الحيوانات الأخرى، واستنتاج ما يجعلها “هي” دون غيرها. أكدت دراساته الخاصة ما اعتقده بالفعل- أننا لم نولد بقدرة فطرية على التعرف على الأشكال، كما أوضح أفلاطون قبلاً. في كل مرة يصادف فيها الطفل حصاناً، على سبيل المثال، يلاحظ ما العوامل التي يشترك بها هذا الحيوان مع الأحصنة الأخرى، حتى يتمكن في نهاية المطاف من تشكيل مجموعة خصائص تعرف الحصان. نتعلم من تجربتنا للعالم ما هي الخصائص المشتركة التي تجعل الأشياء كما هي- والطريقة الوحيدة لتجربة العالم، حسب أرسطو، هي عبر حواسنا.

وجد أرسطو أنه من خلال دراسة أشياء معينة، يمكننا أن نفهم طبيعة طبيعتها العالمية الثابتة. وما يصح على الأمثلة في العالم الطبيعي ينطبق أيضًا على المفاهيم المتعلقة بالبشر. يمكن فحص مفاهيم مثل “الفضيلة” و “العدل” و “الجمال” و “الخير” بنفس الطريقة تمامًا. كما يراه، عندما نولد، فإن عقولنا تكون مثل “ألواح كتابة فارغة”، ولا يمكننا تلقي أي أفكار إلا من خلال حواسنا. ليس لدينا أفكار فطرية عند الولادة، لذلك لا يمكن أن يكون لدينا فكرة عن الصواب أو الخطأ. مع ذلك، بينما نواجه حالات الظلم والعدل طوال حياتنا نتعلم التعرف على الصفات المشتركة بين هذه الحالات، ونبني ببطء ونحسن من فهمنا لما هو العدل. وبعبارة أخرى، فإن الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها التعرف على فكرة العدالة الأبدية والثابتة، هي من خلال ملاحظة تجليها في العالم من حولنا. إذن، يختلف أرسطو مع أفلاطون عن طريق إنكار وجود الصفات العالمية، ومن خلال التشكيك في طبيعتها والوسائل التي نتعرف عليها بها (هذا الأخير هو السؤال الأساسي لـ نظرية المعرفة-epistemology).

التصنيف البيولوجي

يطرح افلاطون أفكاره عبر حوارات خيالية تدور بين سقراط ومعاصريه. على النقيض من ذلك، فإن كتابات أرسطو أكثر واقعية بكثير، ويتم تقديمها بلغة أكاديمية أكثر مباشرة. كان أرسطو مقتنعًا جدًا بأن حقيقة العالم يمكن العثور عليها هنا على الأرض، وليس في بعض العوالم الأسمى، لدرجة أنه بدأ في جمع عينات من النباتات والحيوانات، وتصنيفها وفقًا لخصائصها. بالنسبة لهذا التصنيف البيولوجي، ابتكر أرسطو نظامًا هرميًا هو الأول من نوعه، وتم إنشاؤه بشكل جميل للغاية بحيث يشكل أساس التصنيف الذي لا يزال قيد الاستخدام اليوم. أولاً، يقسم العالم الطبيعي إلى مخلوقات حية وغير حية، ثم يتحول إلى تصنيف العالم الحي ليقسمه بين نباتات وحيوانات، والذي ينطوي على نفس النوع من التفكير الذي يدعم نظريته حول الصفات العالمية: قد نتمكن من التمييز بين النبات والحيوان دون تفكير تقريبًا، ولكن كيف نعرف كيف نميز هذا الفرق؟ الجواب، بالنسبة لأرسطو، يكمن في الميزات المشتركة لأي من الفئتين. تشترك جميع النباتات في نموذج “النبات”، وتشترك جميع الحيوانات في نموذج “الحيوان”. وبمجرد أن نفهم طبيعة هذه النماذج، يمكننا بعد ذلك التعرف عليها في كل حالة. تصبح هذه الحقيقة أكثر وضوحًا كلما قسم أرسطو العالم الطبيعي؛ من أجل تصنيف عينة على أنها طائر، على سبيل المثال، علينا أن ندرك ما الذي يجعل الطائر طائرًا- والذي يمكن معرفته من خلال التجربة وإيجاد خصائص مشتركة ولا يتطلب معرفة فطرية على الإطلاق. يتم تأكيد هذه الحقيقة مرارًا وتكرارًا بينما يقوم أرسطو ببناء تصنيف كامل لجميع الكائنات الحية، من أبسط الكائنات الحية إلى البشر.

التفسير الغائي

 حقيقة أخرى أصبحت واضحة لأرسطو عندما صنف العالم الطبيعي وهي أن “شكل” المخلوق ليس مجرد مسألة تتعلق بخصائصه الجسدية، مثل جلده أو فروه أو ريشه أو قشوره، ولكن أيضًا مسألة ماذا يفعل، وكيف يتصرف- وهو الأمر الذي له آثار أخلاقية. لفهم العلاقة مع الأخلاقيات، نحتاج أولاً أن نعلم أنه بالنسبة لأرسطو، يُشرح كل شيء في العالم بأربعة علل تفسر كينونة الشيء، وهي:

 1) العلة المادي، أو ما يُكون شيء؛

 2) العلة الشكلية، أو ترتيب أو شكل شيء ما؛

 3) العلة الفعلية، أو كيف يتم تحقيق الشيء؛

 و4) العلة النهائية، أو وظيفة أو غرض الشيء.

 وهذا النوع الأخير من العلل، “العلة الأخيرة”، هو الذي يتعلق بالأخلاق- وهو موضوع، بالنسبة لأرسطو، غير منفصل عن العلم، بل امتداد منطقي لعلم الأحياء. أحد الأمثلة التي يقدمها أرسطو هو العين: العلة النهائية للعين -وظيفتها- هي الرؤية. هذه الوظيفة هي غرض أو تيلوس العين – تيلوس- telosهي كلمة يونانية تعطينا “علم الغائية”، أو دراسة الغرض في الطبيعة. وبالتالي فإن التفسير الغائي لشيء ما هو وصف للغرض من الشيء، ومعرفة الغرض من الشيء هو أيضًا معرفة ما هي النسخة “الجيدة” أو “السيئة” من الشيء – العين الجيدة على سبيل المثال، هي التي ترى بشكل جيد. في حالة البشر، فإن الحياة “الصالحة” هي بالتالي الحياة التي نحقق فيها هدفنا، أو نستخدم جميع الخصائص التي تجعلنا بشرًا على أكمل وجه. يمكن اعتبار الشخص “جيدًا” إذا استخدم النعم التي ولد بها، ولا يمكن أن يكون سعيدًا إلا باستخدام كل قدراته في السعي وراء الفضيلة، التي أعلى أشكالها، حسب أرسطو، هو الحكمة. وهو ما يعيدنا إلى السؤال حول كيف يمكننا التعرف على الشيء الذي نسميه الفضيلة- وبالنسبة لأرسطو، مرة أخرى، فإن الجواب هو عن طريق الملاحظة، حيث نفهم طبيعة “الحياة الجيدة” من خلال رؤيتها في الناس من حولنا.

قدم أرسطو بعض المساهمات المؤثرة للغاية في مجال الأخلاق. واعتبر الأخلاق علمًا عمليًا (أي يتقن من خلال العمل بدلاً من مجرد التفكير) ولكنه أيضًا معرفة عامة، بدلاً من معرفة معينة. على عكس بعض الفلاسفة الأخلاقيين الآخرين قبله، بدأ أرسطو بطرح السؤال العام للغاية حول ما يعنيه في الواقع أن يعيش حياة إنسانية جيدة. كما كان يدرك تمامًا أن الأخلاق مفهوم معقد، وبالتالي لا يمكن قياسه بأي طريقة بسيطة (بالطريقة التي تقيس بها النفعية، على سبيل المثال، الأخلاق في ميزان بسيط من السعادة). أيضًا (على عكس بعض الفلاسفة الآخرين مثل الرواقيين والأبيقوريين، على سبيل المثال)، اعتقد أرسطو اعتقادًا راسخًا أننا لسنا كيانات أخلاقية قائمة بذاتها وأننا لا نستطيع السيطرة على بيئتنا الأخلاقية.

تحدد أطروحاته العديدة عن الأخلاق، وأبرزها “أخلاقيات نيقوماخوس”، ما يسمى عادة أخلاق الفضيلة أو Eudaimonism. جادل بأنه يجب أن يكون للإنسان وظيفة محددة أو مناسبة،  وهي نشاط للروح، وأفضل نشاط للروح هو اليودمونيا (الرضا أو الحياة الجيدة)، والتي يمكن تحقيقها من خلال العيش حياة متوازنة وتجنب الإفراط أو التقصير من خلال السعي وراء المتوسط ​​الذهبي في كل شيء.

القياس المنطقي

 في عملية التصنيف، يصوغ أرسطو شكلاً منهجيًا للمنطق يطبقه على كل عينة لتحديد ما إذا كان ينتمي إلى فئة معينة. على سبيل المثال، واحدة من الخصائص المشتركة بين جميع الطيور أن لها ريش. لذا، إذا كانت عينة محددة بلا ريش، فلا يمكن أن تكون طيورًا. وبالمثل، فإن السمة المشتركة بين جميع الثدييات هي أنها ترضع صغارها. لذا، إذا كانت هذه العينة من الثدييات، فلا بد أنها ترضع صغارها. يرى أرسطو نمطًا في طريقة التفكير هذه- ثلاث مسائل تتكون من فرضيتين وخاتمة، على سبيل المثال: كل الرجال فانون، وسقراط رجل، إذًا سقراط فانٍ.

 “القياس المنطقي-syllogism” (أو المنطق الاستنتاجي أو منطق المدى)، الذي طوره في كتابه “تحليلات قبلية” ، الكتاب الثالث من الـ”Organon”. هو أول نظام رسمي للمنطق ابتكر على الإطلاق، وظل النموذج الأساسي للمنطق حتى القرن التاسع عشر. لكن القياس المنطقي كان أكثر من مجرد منتج ثانوي لتصنيف أرسطو المنهجي للعالم الطبيعي. باستخدام المنطق التحليلي أدرك أرسطو أن قوة العقل كانت شيئًا لا يعتمد على الحواس، وبالتالي يجب أن تكون خاصية غريزية- جزء مما يُكون الإنسان. وبينما طبق هذه الحقيقة على نظامه الهرمي، رأى أن قوة المنطق الغريزية هي ما يميزنا عن جميع الكائنات الحية الأخرى، ويضعنا في قمة التسلسل الهرمي.

قام أرسطو أيضًا بنشر استخدام البديهيات (مبادئ بديهية لا تتطلب أي دليل)، مدعيا أنه لا يمكن استنتاج أي شيء إذا لم يُفترض أي شيء، بالإضافة إلى مبدأ عدم التناقض المهم للغاية، والذي يعتبر أن أي سمة معينة لا يمكن أن تنطبق ولا تنطبق على نفس الموضوع في نفس الوقت (على سبيل المثال 2 + 2 = 4 و 2 + 2 = 5 غير صحيحتان). كان استخدام البديهيات مهمًا في مجالات أخرى من فلسفة أرسطو، ليس أقلها الميتافيزيقيا.

كان لعمله على المنطق تأثير لا مثيل له على تاريخ الفكر الغربي، وكان الشكل السائد للمنطق حتى القرن التاسع عشر. في أواخر القرن الثامن عشر، ادعى الفيلسوف إيمانويل كانط أن أرسطو أبدع كل ما يمكن قوله حول موضوع المنطق.

كان هدف أرسطو تطوير طريقة عالمية للاستدلال يمكن بواسطتها معرفة كل ما يمكن معرفته عن الواقع. عرّف أرسطو المنطق بأنه “تفكير جديد وضروري”. “جديد” لأنه يتيح لنا معرفة ما لا نعرفه و “ضروري” لأن استنتاجاته لا مفر منها.

إرث أرسطو

كان أرسطو أول من تصور مدينة عضوية أو مجتمع طبيعي، وتصور السياسة بالمجمل كمجموعة من الأجزاء التي لا يمكن أن توجد دون الآخرين. بالنسبة لأرسطو، المدينة (الوحدة السياسية التي كان على دراية بها حيث كان مفهوم الدولة لا يزال غير معروفًا حينها) شراكة سياسية موجودة من أجل “الأفعال النبيلة”، وليس فقط من أجل العيش معًا، ولا كعقد اجتماعي لتجنب الظلم أو عدم الاستقرار الاقتصادي. بالمقارنة مع بعض المفكرين السياسيين الآخرين في ذلك الوقت (مثل أفلاطون)، رغم من ذلك، كان لدى أرسطو وجهة نظر ضيقة إلى حد ما لواجبات المواطنين وحقوقهم، وموقفه تجاه النساء والأجانب بشكل عام كان شوفينيًا للغاية.

مع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، تُرجمت أعمال أرسطو إلى اللغة العربية وانتشرت في جميع أنحاء العالم الإسلام، وأصبحت قراءة أساسية لعلماء مثل ابن سينا ​​وابن رشد. في أوروبا الغربية، مع ذلك ظلت ترجمة بوئثيوس اللاتينية لأطروحة أرسطو عن المنطق (في القرن السادس الميلادي) هي العمل الوحيد لأرسطو المتاح حتى القرن التاسع الميلادي، عندما بدأت ترجمة جميع أعمال أرسطو من العربية إلى اللاتينية. في هذا الوقت أيضًا، تم جمع أفكاره في الكتب التي نعرفها اليوم – مثل الميتافيزيقيا وأخلاقيات نيقوماخوس و أورجانون.

في القرن الثالث عشر، اعترض توماس الأكويني على فرض حظر على أعمال أرسطو ودمجها عوضًا عن ذلك في الفلسفة المسيحية، بنفس الطريقة التي اعتمد بها القديس أوغسطين أفلاطون. ظلت ملاحظات أرسطو عن المنطق النص القياسي عن المنطق حتى ظهور المنطق الرياضي في القرن التاسع عشر. وأثناء عصر النهضة، كانت طريقة التحقيق التجريبية لأرسطو هي السائدة. في القرن السابع عشر، بلغ الجدل بين التجريبيين والعقلانيين ذروته بعد أن نشر رينيه ديكارت خطابه حول المنهج. اختار ديكارت ، ولايبنتز وكانط بعده ، الطريق العقلاني ؛ ردا على ذلك ، اصطف لوك ، بيركلي ، وهيوم كمعارضة تجريبية.

وكان أرسطو مهتمًا بأكثر من مجرد استكشاف علمي للطبيعة البشرية كما تشهد بذلك أعمال مثل “الشعر” و “البلاغة”. اعتبر أرسطو الأدب (مثل الشعر الملحمي والمأساة والكوميديا) والموسيقى والرقص تقليدًا، لكنه تقليد طبيعي وأحد المزايا الرئيسية للبشرية.