ديوجينس الكلبي وزينو الرواقي

ديوجينس

وصف أفلاطون ذات مرة ديوجينيس-Diogenes بأنه “سقراط المجنون”. على الرغم من أن هذا كان بمثابة إهانة، إلا أنها ليست بعيدًا كليًا عن الحقيقة. يشارك ديوجينس شغف سقراط بالفضيلة ورفض الرفاه المادي، لكنه يأخذ هذه الأفكار إلى أقصى حد. يجادل بأنه من أجل أن يعيش المرء حياة جيدة، أو حياة تستحق العيش، من الضروري تحرير الذات من القيود الخارجية التي يفرضها المجتمع، ومن الاضطرابات الداخلية الناجمة عن الرغبة والعاطفة والخوف. يمكن تحقيق ذلك، كما يقول، من خلال الرضا بعيش حياة بسيطة، يحكمها العقل والدوافع الطبيعية، ورفض المواثيق الاجتماعية دون خجل، ونبذ الرغبة في الملكية والراحة.

كان ديوجينيس أول من مجموعة من المفكرين الذين أصبحوا معروفين باسم الكلبيين-Cynics ، وهو مصطلح مأخوذ من kunikos اليونانية، ويعني “شبيه الكلب”. يعكس تصميم الكلبيين على رفض جميع أشكال العادات الاجتماعية وآداب السلوك، والعيش بدلاً من ذلك في حالة طبيعية قدر الإمكان. وأكدوا أنه كلما استطاع المرء القيام بذلك، كلما كان أقرب لقيادة حياة مثالية، كما فعل ديوجينس نفسه عن طريق عيش حياة فقيرة في برميل. لذلك فإن أسعد شخص، بعبارات ديوجينس، هو الشخص الذي يعيش وفقًا لإيقاعات العالم الطبيعي، وخالٍ من أعراف وقيم المجتمع المتحضر، و “راضٍ بالأقل”.

لم تكن الكلبية مدرسة فلسفية، بل كانت أسلوب حياة بوهيمي، قائم على ازدراء الثروة المادية والملاءمة التقليدية. عندما جاء العديد من رجال الدولة والفلاسفة إلى الإسكندر يهنؤونه بفتوحاته الحديثة، توقع أن يحضر ديوجينس أيضًا. ولكن بما أن الفيلسوف لم يعبر الإسكندر أبدًا، واستمتع بفراغه في ضاحية كرانيون، فقد ذهب الإسكندر شخصيًا لرؤيته، ووجده مستلقيا تحت الشمس. وعندما حياه الملك، وسأله عما إذا كان يريد أي شيء، قال ديوجين: “نعم، ابتعد. أنت تحجب عني الشمس”.

زينو والرواقية

ظهرت مدرستان رئيسيتان للفكر الفلسفي بعد وفاة أرسطو. هما: المذهب المتعي لأبيقور، التي كان لها جاذبية محدودة، والرواقية الأكثر شعبية وتأثيرًا لزينو من سيتيوم. درس زينو مع مريد لديوجينس الكلبي يدعى كراتيس- Crates، وشاركه نهجه في لا-معنى الحياة. نفذ صبره من التكهنات الميتافيزيقية وأصبح يعتقد أن الكون تحكمه القوانين الطبيعية التي رسمها أحد كبار المشرعين. ويصرح أن الإنسان عاجز تمامًا عن تغيير هذا الواقع، ويجب على الإنسان تقبل قسوة وظلم هذا الواقع، بالإضافة للتمتع بفوائده العديدة.

جاء زينو من قبرص، بعد أن قرأ كتابًا عن سقراط، حيث اكتسب شغفًا بالفلسفة دفعه إلى الهجرة إلى أثينا، في نفس الوقت تقريبًا مع أبيقور.

على عكس ديوجينس، الذي أحب إغاظة أفلاطون، و كراتيس، الذي أحب كتابة الهجاء الشعري، أخذ زينو الفلسفة المنهجية على محمل الجد. لم تنجو أي من كتاباته مع ذلك، ولمعرفة تعاليمه نعتمد على كُتاب من العصر الروماني، مثل الفيلسوف في محكمة نيرون: سينيكا، والإمبراطور ماركوس أوريليوس. نعلم أنه أسس التقليد الرواقي لتقسيم الفلسفة إلى ثلاث تخصصات رئيسية: المنطق، والأخلاق، والفيزياء. قال أتباعه أن المنطق هو العظام، والأخلاق اللحم، والفيزياء روح الفلسفة. كان زينو نفسه مهتمًا بشكل أساسي بالأخلاق، لكنه كان شريكًا مقربًا لمنطقيين هما ديودوروس و فيلو، الذين أخذا على عاتقهما معالجة الفجوات التي تركها أرسطو في المنطق.

عندما توفي زينو، انتقلت قيادة مدرسة الرواق-Stoa إلى كلينثيس-Cleanthes، الملاكم السابق المختص في الفيزياء والميتافيزيقيا. كان كلينثيس رجلًا متدينًا كتب ترنيمة رائعة لزيوس، يخاطبه فيها بعبارات مناسبة بما يكفي لموحد يهودي أو مسيحي يخاطب الرب.

خلفه كريسيبوس، واعتمد الأخلاق تخصصًا له، ولكنه عزز أيضًا إرث أسلافه ووسعه، وكان أول من قدم الرواقية كنظام متكامل تمامًا. نظرًا لفقدان أعمال هؤلاء الرواقيين الثلاثة الأوائل، فمن الصعب تحديد المساهمة التي قدمها كل منهم بدقة، ومن الأفضل اعتبار مذهبهم ككلٍ واحد.

المنطق الرواقي

اختلف المنطق الرواقي عن منطق أرسطو في عدة مواضع. استخدم أرسطو الأحرف كمتغيرات، بينما استخدم الرواقيون الأرقام؛ إطار الجمل النموذجي في الاستدلال الأرسطي على شكل “كل A هو B”، فيما إطار الجمل النموذجي في الاستدلال الرواقي على شكل “إذا كان الأول، فالثاني”. الفرق بين الحروف والأرقام تافه: المهم هو أن متغيرات أرسطو تمثل مصطلحات (موضوعات ومسندات)، في حين أن المتغيرات الرواقية تمثل جملاً كاملة. إن المنهج المنطقي لأرسطو يُنظم ما يمكن أن يسمى في الوقت الحاضر المنطق الإسنادي؛ أما المنطق الرواقي فيُنظم ما يسمى في الوقت الحاضر المنطق الافتراضي. الاستدلال النموذجي الذي يتبناه الرواقيون هو:

إذا كان أفلاطون على قيد الحياة، فإن أفلاطون يتنفس.

أفلاطون على قيد الحياة

لذلك، أفلاطون يتنفس.

من السمات الهامة للمنطق الرواقي أن صلاحية الحجة لا تعتمد على محتوى الجمل الفردية. ووفقًا لرأي الرواقيين فإن الحجة التالية ليست أقل منطقية من تلك المذكورة أعلاه.

إذا مات أفلاطون، فإن أثينا في اليونان

أفلاطون ميت

لذلك، أثينا في اليونان.

وقد تكون المقدمة الأولى لهذه الحجة صحيحة إذا قبلنا، مثل الرواقيين، تعريفًا معينًا للشرط والنتيجة كما اقترحه فيلو لأول مرة. وفقًا لهذا، فإن الجملة من النموذج “إذا كان الأول فالثاني” ستعتبر صحيحة في كل حالة إلا عندما يكون الأول صحيحًا والثاني خطأ. في الحياة اليومية، نستخدم عادةً الشرط والنتيجة عندما يكون هناك بعض الارتباط بين محتوى الجمل. لكننا نستخدم أحيانًا تعريف فيلو على سبيل المثال عندما نقول “إذا كان زيد شيخ، فأنا نبي” كوسيلة لإنكار أن زيد من الناس صاحب تقوى.

اتضح أن تعريف الرواقيين المختزل “للشرطية” هو الأكثر فائدة في التطوير التقني للمنطق الافتراضي، وهو الذي يستخدمه المنطقيون اليوم. يستخدم المنطق الرواقي في الوقت الحاضر كعنصر أساسي في المنطق، ويستخدم المنطق الإسنادي لأرسطو كبنية فوقية.

تحت مظلة المنطق، درس الرواقيون أيضًا فلسفة اللغة. كان لديهم نظرية متقنة للرموز، درست الدال والمدلول. صنفت الدوال على أنها الصوت والكلام والخطاب؛ قد يكون الصوت تعبيرًا غير مفصل، والكلام صوتًا واضحًا لكنه قد يفتقر إلى المعنى، أما الخطاب فواضح وذو مغزى. وقد تكون المدلولات هيئات أو إفادات (lekta). ولا يقصد بعبارة “إفادة” جملاً، وإنما ما تقوله الجملة. إذا قلت “زيد يقرأ”، فإن كلمة “زيد” تدل على الهيئة التي أراها؛ لكن ما أعنيه بالجملة ككل ليس الهيئة، بل إفادة حول الهيئة.

في هذا الصدد، هناك صدام بين المنطق الرواقي والفيزياء الرواقية: عبارات المنطق الرواقي غير مجسدة، في حين أن فيزياء الرواقيين لا تعترف بعدم وجود التجسد. اعتقد الرواقيون أنه في البداية لم يكن هنالك أي شيء سوى النار، ثم ظهرت تدريجيا العناصر الأخرى والتركيب المألوف للكون. مستقبلاً، سيعود العالم إلى النار، ومن ثم ستتكرر الدورة الكاملة لتاريخه مرارًا وتكرارًا. يحدث كل هذا وفقًا لنظام من القوانين التي يمكن تسميتها “القدر”، لأن هذه القوانين لا تقبل أي استثناء وهي قاطعة كالقدر، ووضعها الرب لغرض نفعي.

قبل الرواقيون التمييز الأرسطي بين المادة والمثال. لكن بصفتهم ماديين، أصروا على أن المُثل أيضًا مجسدة- هيئة رقيقة ودقيقة أطلقوا عليها اسم (pneuma). الروح البشرية والعقل مصنوعان من هذا النَفَس. وكذلك الرب، الذي هو روح الكون، والأخير يشكل في مجمله حيوانًا عاقلًا. جادل الرواقيون أنه إذا لم يكن الرب والروح مجسدين، فلن يكونا قادرين على العمل في العالم المادي.

العيش الرواقي

يسمى النظام المصمم إلهيًا الطبيعة، ويجب أن يكون هدفنا في الحياة هو العيش وفقًا للطبيعة. بما أن كل الأشياء مقدرة بقوانين الطبيعة، فلا شيء يمكن أن يفلت منها. لكن البشر أحرار ومسؤولون، على الرغم من حتمية القدر. يجب توجيه الإرادة للعيش وفق الطبيعة البشرية من خلال طاعة العقل. إن هذا القبول الطوعي لقوانين الطبيعة هو الذي يشكل الفضيلة، والفضيلة ضرورية وكافية للسعادة. وبما أن أمورًا مثل الفقر والمعاناة لا يمكن أن تأخذ الفضيلة، فلا يمكنها أخذ السعادة؛ وبالتالي فالشخص الصالح لا يمكن أن يعاني من أي ضرر حقيقي.

لأن المجتمع طبيعي للبشر، فإن الرواقي، في هدفه نحو الانسجام مع الطبيعة، سيلعب دوره في المجتمع ويزرع الفضائل الاجتماعية. وعلى الرغم من أن المرء بإمكانه ممارسة الفضيلة سواء كان حرًا أو عبدًا، فقيرًا أو غنيًا، دون مبالة بذلك، فإن من حقه تفضيل حالة على أخرى. ومن هنا جاء استنتاج الرواقية الأكثر تطرفًا بخصوص الحياة نفسها؛ فالرواقي لن يفقد فضيلته سواء أعاش أم مات، ولكن إذا واجهه شرٌ لا يطاق (كما يراه الغير رواقي) فمن المشروع له اختيار عدم الاستمرار في الحياة.

لا أحد مرغم على تبني حياة “جيدة”، والأمر متروك للفرد في اختيار ما إذا كان سيضع جانباً الأشياء التي يتحكم أو لا يتحكم بها، وأن يكون غير مبالٍ بالألم والمتعة والفقر والثروات. ولكن إذا فعل شخص ما ذلك، فإن زينو مقتنع بأنه سيحقق حياة متناغمة مع الطبيعة من جميع جوانبها، سواء كانت جيدة أو سيئة، ويعيش وفقًا لأحكام القانون الأعلى.

حصلت الرواقية على شعبية واسعة في جزء كبير من اليونان الهلنستية. لكنها اجتذبت المزيد من التابعين في الإمبراطورية الرومانية الآخذة في الاتساع، حيث ازدهرت كأساس للأخلاق -الشخصية والسياسية على حد سواء- حتى حلت محلها المسيحية في القرن السادس.