أوغسطين

ولد أوغسطين-Augustine of Hippo في بلدة صغيرة في الجزائر الحالية عام 354. وهو ابن لأم مسيحية وأب وثني، ولم يتم تعميده وهو رضيع، على الرغم من أنه تلقى تعليمًا مسيحيًا في الأدب والبلاغة اللاتينية. في سن الثامنة عشرة، عند قراءة كتاب شيشرون المفقود Hortensius، وقع في غرام الفلسفة، وخاصة فلسفة أفلاطون. لمدة عشر سنوات كان من أتباع المانيشية-Manicheism، وهو دين توفيقي استمد عناصر من الزرادشتية والبوذية واليهودية والمسيحية. يعتقد المانشيون أن هناك عالمين، عالم من الخير الروحي والنور الذي خلقه الله، وعالم من الشر المظلم الذي خلقه الشيطان. ترك نفورهم من الجنس علامة دائمة في أوغسطين، على الرغم من أنه عاش لعدة سنوات في وقت مبكر من الرجولة مع عشيقة، وكان لهما ابن.

عام 383، عبر البحر إلى روما، وسرعان ما انتقل إلى ميلانو، ثم عاصمة الإمبراطورية الغربية. هناك أصيب بخيبة أمل من المانوية، وبدأ يفكر في شغل مهنة في الإدارة الإمبراطورية. لكنه طور علاقة ود مع أمبروز، أسقف ميلانو، ومدافع قوي عن الدين والأخلاق الدينية ضد السلطة العلمانية التي يمثلها الإمبراطور ثيودوسيوس. أثر أمبروز ووالدته مونيكا، إلى جانب دراساته عن أفلاطون والأفلاطونيين الجدد، في أوغسطين وتوجهه نحو المسيحية، وبعد فترة من التردد المؤلم عُمد عام 387.

كتب أوغسطين في سنواته الأولى كمسيحي عددًا من الأعمال الفلسفية. أوضحت مجموعة من الحوارات حول الله والروح البشرية أسبابه لرفض المانوية وصياغة الأفلاطونية-الجديدة المسيحية. في كتاب “عن الأفكار”، قدم أوغسطين نسخته الخاصة من نظرية الأفكار لأفلاطون: الأفكار لا وجود مستقل لها عن عقل الرب، لكنها موجودة فيه، أبدية ولا تتغير، وتصل النفوس البشرية لا من خلال أي ذكريات قبل الوجود، ولكن عن طريق التنوير الإلهي المباشر. كتب الشاب أوغسطين أيضًا أطروحة حول أصل الشر وحرية الاختيار، De Libero Arbitrio – كتاب لا يزال يستخدم كنص في عدد من كليات الفلسفة.

مشكلة الشر

كان أوغسطين مهتمًا بشكل خاص بمشكلة الشر. إذا كان الله صالحًا تمامًا وقادرًا تمامًا، فلماذا يوجد شر في العالم؟ بالنسبة للمسيحيين مثل أوغسطين، وكذلك لمعتنقي اليهودية والإسلام، كان هذا، ولا يزال، سؤالًا محوريًا مهمًا، لأنه يضع حقيقة واضحة عن العالم -أنه يحتوي على الشر- ضد حجة وجود الرب. أوغسطين قادر على الإجابة على أحد جوانب المشكلة بسهولة تامة، حيث يؤمن أنه على الرغم من أن الرب خلق كل شيء موجود، إلا أنه لم يخلق الشر، لأن الشر ليس شيئًا، ولكنه نقص أو قصر في شيء ما. على سبيل المثال، الشر الذي يعاني منه رجل أعمى هو أنه لا يرى، والشر في السارق هو افتقاره للصدق.

لكن لا يزال أوغسطين بحاجة إلى شرح لماذا كان ينبغي على الله أن يخلق العالم بطريقة تسمح بوجود هذه الشرور أو العيوب الطبيعية والأخلاقية. تدور إجابته حول فكرة أن البشر كائنات عقلانية، ويجادل بأنه لكي يخلق الله مخلوقات عقلانية، مثل البشر، كان عليه أن يمنحهم حرية الإرادة. إن امتلاك حرية الإرادة يعني أن تكون قادرًا على الاختيار، بما في ذلك الاختيار بين الخير والشر. لهذا السبب كان على الرب أن يترك الباب مفتوحًا لاحتمال أن يختار الإنسان الأول (آدم) الشر بدلاً من الخير. بحسب الكتاب المقدس، هذا ما حدث بالضبط، لأن آدم كسر أمر الله بعدم أكل الفاكهة من شجرة المعرفة. في الواقع، تستمر حجة أوغسطين حتى دون الإشارة إلى الكتاب المقدس، فيقول أن العقلانية هي القدرة على تقييم الخيارات من خلال عملية التفكير، والعملية ممكنة فقط عندما تكون هناك حرية الاختيار، بما في ذلك حرية اختيار ارتكاب الخطأ. يقول أوغسطين، إن العالم الخالي من الشر سيكون عالما بدوننا – كائنات عاقلة قادرة على اختيار أفعالها. مثل آدم وحواء، تسمح خياراتنا الأخلاقية بإمكانية الشر.

 يقترح أوغسطين أيضًا حلًا ثالثًا للمشكلة، حيث يطلب منا أن ننظر إلى العالم على أنه موضوع جمالي؛ فعلى الرغم من وجود شر في الكون، إلا أنه يساهم في خير عام أكبر مما يمكن أن يكون بدون شر- تمامًا كما يمكن أن يجعل النشاز في الموسيقى الانسجام أكثر جمالًا، أو تزيد البقع الداكنة من جمال الصورة.

منذ زمن أوغسطين، عالج معظم الفلاسفة المسيحيين مشكلة الشر باستخدام أحد مناهجه، في حين أشار خصومه، مثل ديفيد هيوم، إلى نقاط ضعف مهمة كمسألة المرض، مثلاً، حيث يبدو أن القول “بغياب الصحة” هو فقط لعب بالكلمات؛ قد يكون المرض بسبب نقص شيء ما، لكن معاناة الشخص المريض حقيقية بما فيه الكفاية. ولا يوجد تفسير أيضًا للشرور الطبيعية مثل الزلازل والأوبئة؟

الزمن

بعد وفاة والدته في أوستيا عام 388، عاد أوغسطين إلى إفريقيا، وشكل مجتمعًا فلسفيًا في مسقط رأسه. نشرت المسائل التي ناقشوها، مع حلول أوغسطين لها، تحت عنوان: “83 سؤالاً مختلفًا”. خلال هذه الفترة، كتب أوغسطين أيضًا ستة كتب عن الموسيقى. كتب أيضًا مقالة عن الدين الحقيقي، والتي تحث الفلاسفة على الانتقال من ثالوث أفلوطين إلى الثالوث المسيحي؛ من بين امورٍ عدة أخرى. كُتبت جميع هذه الأعمال قبل أن يجد أغسطينوس مهنته النهائية ويتم ترسيمه ككاهن عام 391. وفي غضون فترة قصيرة جدًا أصبح أسقفًا، وفي عام 396 أصبح أسقفًا لهيبو في الجزائر، حيث أقام حتى وفاته عام 430.

ألف عددًا هائلاً من الأعمال كأسقف، فعدا عن المائتي رسالة والخمسمئة خطبة، كان هناك حوالي مئة كتاب. لقد قيل أن ناتج أوغسطين مُساوٍ في الحجم لكامل المجموعة الباقية من الأدب اللاتيني الغابر.

أشهر كتاباته هي سيرته الذاتية: “الاعترافات”، التي كتبها بعد فترة وجيزة بعد أن أصبح أسقفًا، وبصيغة موجهة إلى الرب باسم الشخص الثاني، مما نتج عنه تأثير الصراحة والشدة النفسية التي لم تتحقق من قبل، ولا يكاد يُتفوق عليها من حينها، ويتخلل السرد والصلوات العديد من الملاحظات الفلسفية الفطنة.

في الكتاب الحادي عشر من اعترافات أوغسطين يقدم تحقيقه المشهور حول طبيعة الوقت. الموضوع الذي يستقر عليه النقاش هو سؤال المشككين في الربوبية: ماذا كان يفعل الرب قبل أن يبدأ العالم؟ برفض الإجابة التقليدية: “يعد الجحيم للأشخاص الذين يسألون أسئلة فضولية”، أجاب أوغسطين أنه قبل خلق السماء والأرض، لم يكن هناك وقت. لا يمكننا أن نسأل عما كان يفعله الرب قبل ذلك، لأنه لم يكن هناك “قبل” عندما لم يكن هناك وقت. وبالمثل، لا يمكننا أن نتساءل لماذا لم يخلق العالم في وقت أبكر، لأنه قبل العالم، لم يكن هناك وقت أبكر. من المضلل أن نقول حتى عن الرب أنه كان موجودًا في وقت أبكر من خلق العالم، لأنه لا تعاقب مع الرب. في الرب لا يحل اليوم محل الأمس ولا يفسح المجال للغد. هناك حاضر أبدي فقط.

من أجل الدفاع عن رأيته للأبدية، يجادل أوغسطين بأن الوقت غير واقعي. ويشرح أن الوقت يتكون من الماضي والحاضر والمستقبل. لكن الحاضر فقط موجود، فالماضي لم يعد موجودًا والمستقبل لم يوجد بعد. لكن الحاضر ليس الوقت فقط، بل الأبدية.

نتحدث عن أوقات أطول وأقصر؛ ولكن كيف يمكننا قياس الوقت؟ لنفترض أن الفترة الماضية كانت طويلة: هل نقصد أنها كانت طويلة عندما كانت ماضيًا، أم طويلة عندما كانت حاضرًا؟ الأخير فقط منطقي؛ ولكن كيف يمكن لأي شيء أن يكون طويلاً في الحاضر، بما أن ما هو موجود لحظي في وجوده؟ لا يمكن أن يشكل مجموع اللحظات أكثر من لحظة واحدة؛ فكيف يمكن إذًا إضافتها لتشكيل الكل؟ يجب إجراء أي قياس نقوم به في الوقت الحاضر: كيف يمكننا إذًا قياس ما ذهب بالفعل أو لم يأتي بعد؟

حل أوغسطين لهذه المسألة المحيرة بالقول أن الوقت هو فقط في العقل. الماضي والمستقبل موجدان فقط في العقل؛ كل ما هو موجود حاضرنا. بدلاً من القول بأن هناك ثلاث أزمنة، ماض وحاضر ومستقبل، يجب أن نقول أن هناك حاضرًا لأشياء ماضية (وهو الذاكرة)، وحاضرًا لأشياء حاضرة (وهو الرؤية)، وحاضرًا لأشياء مستقبلية (وهو التوقعات). مدة الزمن ليس حقًا طول الوقت، ولكنه طول الذاكرة أو طول التوقع.

لا يحل حساب أوغسطين حقاً كل الحيرة التي أثارها؛ ولا يتظاهر بتحقيق ذلك. لكنه لم يكن الفيلسوف الأخير الذي يطرح نظرية شخصية للوقت، وكانت حججه في هذا الخصوص يأخذ بها وعليها مثل كل ما جاء بعدها.

توفي أوغسطين في عام 430. خلال العصور الوسطى الكاثوليكية، تمتع أوغسطين بسلطة أكبر من أي من آباء الكنيسة الآخرين، وفي مرحلة الإصلاح ازداد تأثيره بدلاً من أن يتضاءل، وقام جون كالفن بشحذ وتوقية تعاليمه وفلسفته. حتى في الوقت الحاضر، فإن تأثير أوغسطين على الفكر المسيحي أمر لا مفر منه، وتستمر أفكاره في إثارة أو تنفير الكثيرين خارج التقليد المسيحي.