تأملات غير عصرية

من المفيد تذكر أن الأثينيين الذين أوجدوا سقراط دمروه أيضًا. وعلى نفس المنوال، فإن المحاكمة الأولى التي أجرتها هيئة محلفين مدنية، وشكلت رمزًا في أوريستيا لأسيكلوس-Aeschylus لولادة الديمقراطية نفسها، تنتهي بالتعادل. اليونان مليئة بهذه الدروس من الحب القاسي التي لا مثيل لها. هل تجسد مثل هذه القصص التشاؤم المأساوي فقط؟ على العكس من ذلك، يحاول أخيليوس إظهار أن الديمقراطية هي شيء لا يمكن اعتباره أمرًا مسلمًا به إطلاقًا، ولا يُفترض أبدًا أنها ناجحة بسبب نسب اسمها. لقد أثبت التاريخ ذلك عدة مرات، ففي النهاية، تم انتخاب أدولف هتلر ديمقراطيًا. إن الديمقراطية شيء يجب إعادة تقييمه باستمرار للتأكد من تجسيد مُثُلها في ممارستها. اختار سقراط الموت بدلاً من الهرب، مخضعًا مُثله الخاصة للاختيار. إساءة المدينة لتطبيق القانون لا يبطل بأي حال من الأحوال مبدأ القانون نفسه. مثلت القوانين مُثلاً عليا، ونجومًا هادية، يجب أن تسترشد بها الحياة والأحكام الأخلاقية. خرق القانون والهروب لم يكن سيجعله أفضل من متهميه. بالنسبة لليونانيين، قصر القوانين عوضًا عن تمامها لا يمكن أن يلغيها.

***

كان لدى سقراط ما يعرف باسم دايمون-daimon، وهي كلمة تعني في اليونانية القدر الكامن، والمصير، وحتى الإله. اختبر في بعض الأحيان شيئًا يشبه اليوم نوبة الصرع. يمسك به شيطانه فجأة، يتجمد، ويبدو أنه في غيبوبة، أو أنه يعاني من نوبة. ثم فجأة يخرج منه. غالبًا ما يحدث هذا عندما كان على وشك اتخاذ قرار مهم، لكن الدايمون أخبره دائمًا ألا يفعل شيئًا أبدًا. بعبارة أخرى، كان دائمًا سلبيًا، ولم يكن إيجابيًا أبدًا. هذا يتعارض مع طريقتنا في التفكير في “الإلهام”، الذي نميل إلى التفكير فيه على أنه تأكيد لشيء بدلاً من نفيه. إذن ماذا يمكن أن يكون معنى الدايمون السلبي لسقراط؟

قد يكون أكثر أهمية أن يعرف المرء ما لا يريده من أن يعتقد أنه يعرف ما يريده. الرجل الذي يعرف ما لا يريده وما لن يلتزم به لن يعاني من كل العوائق التي تقف بين نفسه وما يريده في النهاية، سواء كان بإمكانه أن يحدد ما هو أو لا. في حين أن الرجل الذي يعرف ما يريد فقط، أو يعتقد أنه يعرف ما يريد، لكنه لا يعرف ما لا يريده، سيعاني من جميع العوائق التي تقف بينه وما يريد في النهاية. لذا فإن الرجل الذي يعرف ما لا يريده قد يقترب بالفعل من إدراك ذلك الشيء المراوغ -ما يريده المرء أو يطمح إليه جوهريًا- أكثر من الرجل الذي يعرف أو يعتقد أنه يعرف ما يريد. اقترب سقراط من الحقيقة بمعرفة ما هو غير صحيح ثم عبر تهدئة نفسه بالأوهام.

***

كتاب قواعد اللغة اللاتينية هو شأن متقن ومنظم، وهو كتاب من القواعد واللوائح المتبعة بدقة. يمكن للمرء أن يرى، وهو يدرس اللغة، كيف أمكن للرومان أن يحكموا إمبراطورية تضم معظم العالم المعروف منذ ألف عام. كتاب القواعد اليونانية هو جسم مختلف تمامًا. كان بالضرورة أكبر حجمًا بكثير من كتاب قواعد اللغة اللاتينية. عند الفحص الدقيق، يكتشف المرء بسرعة أنه ليس كتابًا للقواعد النحوية بقدر ما هو كتاب استثناءات للقواعد النحوية. تتكاثر الاستثناءات في التنوع اللانهائي. من خلال دراسة اللغة، يمكن للمرء أن يرى التربة التي ينمو منها كل شيء استثنائي حول الثقافة اليونانية، وكيف كانوا شعبًا مكرسًا لمبدأ الاستثنائي. وهكذا يمكن لفيرجيل أن يقول في الآينيد أن عبقرية روما كانت إمبراطورية، لكن اليونان ستظل أبدًا سيدتها في الفن. من اللغة اليونانية، يمكن للمرء أن يرى أيضًا أنهم قومٌ وضعوا قوانينًا يمكن أن تُخرق. لم يفتقروا للتوحد المنضبط اللازم لحكم الإمبراطورية فقط، بل افتقروا في بعض الأحيان، في سعيهم إلى الأصالة، الفرد، والاستثنائي، للإجماع الكافي للاتفاق على أي شيء تقريبًا فيما بينهم.

***

غزت روما اليونان سياسياً وعسكرياً. ولكن بعد ذلك احتلت اليونان روما، ثقافياً. في السنوات الأولى للإمبراطورية، لم يكن بوسع أي مجتمع على وجه الأرض أن يتحمل قوة روما. لم يقوموا ببناء إمبراطورية وحسب، بل قاموا أيضًا ببناء الجسور والطرق وأنظمة الصرف الصحي والقنوات المائية – ما نسميه اليوم البنية التحتية – وأداروا منظمة بيروقراطية هائلة. لقد حركوا العالم الذي تقدموا به بقفزات كمية. كان لهم قوة الإمبراطورية، العبقرية العسكرية، موهبة نادرة للهندسة، التخطيط الحضري، والتنظيم الإداري. في ذروتها، امتدت الإمبراطورية الرومانية شمالًا إلى بريطانيا، وجنوبًا إلى مصر، وغربًا إلى المحيط الأطلسي، وشرقًا تقريبًا إلى بحر قزوين – وبعبارة أخرى، كانت تضم معظم العالم المعروف.

ومع ذلك، أصبحت الأشكال اليونانية والأفكار اليونانية هي النماذج التي قولبت عليها وتخيلت بها روما نفسها. لقد قدموا نماذج الكمال التي تطمح إليها روما. إن المشي عبر أي معرض للنحت الروماني يجعل هذا واضحًا للغاية: “روماني، القرن الأول، مبني على الأصل اليوناني بواسطة. . . ” ولا يختلف الأمر في عالم الأفكار. لدراسة الخطاب أو الفلسفة في روما كان يجب أن تدرس أيضًا بعد الإغريقية. قامت روما بتكييف وتحسين الميكانيكا، لكن اليونان قدمت الإلهام والشكل الأصلي. إن تأسيس أمريكا هو مثال على ذلك. الآباء المؤسسون شكلوا أمريكا رسميًا كجمهورية. كان نموذج الحكومة للجمهورية التي تصوروها هو روما. لكن مبادئ المساواة والعدالة للجميع، حقوقنا الإنسانية غير القابلة للتصرف والتي هي المبادئ الأساسية للديمقراطية التمثيلية، هي يونانية. بينما ندير تعقيدات الحياة العصرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، فإننا نثني على روما في عالم الأعمال اليومية. ولكن عندما نحلم، نحلم يونانيًا.

***

تروي قصة الخلق في الكتاب المقدس كيف بدأ الإنسان. لكن في قصة الخلق اليوناني، كما رواه Hesiod في Theogony، لا نعلم أبدًا كيف وجد الإنسان. عندما ذكر الإنسان لأول مرة، فإنه في تضاد مع شيء ما، في هذه الحالة، عالم من الوحوش. إنه قاتل الوحش، قاتل التنين- بيرسيوس ، بليروفون ، هيراكليس ، أوديب. نتعلم ما هو الإنسان من خلال الاستدلال السلبي من خلال رؤية ما ليس هو، ما يتضاد معه. لذلك فإن الإنسانية ليست أمرًا معطى. إنه شيء يجب أن يصاغ في بوتقة النضال ضد ما يهدد بتدميرها. لذلك فهي ديناميكية وتحتاج لأن تُكتسب ويعاد إبداعها دائمًا. لاحقًأ في ثيوغوني، نتعلم أن زيوس يريد تدمير جنس الإنسان تمامًا. يعارضه بروميثيوس، الذي يسرق النار من زيوس (يسرق “رعده” إذا جاز التعبير) ويعطيه للإنسان. وهكذا تنشأ معارضة جديدة بين الإنسان والآلهة أنفسهم. مرة أخرى، نرى ما هو الإنسان من خلال اكتشاف ما ليس إلهًا. لا إله ولا وحش، يتم تعريف كيانه بطريقة ما عبر جهوده البطولية في معارضة كليهما. يؤكد ما هو عبر صراعه مع ما ليس هو. وبالتالي فإن كونك إنسانًا ليس شيئًا ثابتًا أو أمرًا مسلمًا به أو يُفترض أن يكون مضمونًا. إنه شيء يحافظ عليه مُثمنًا، وثمين لدرجة أنه غير ثابت.

***

لا توجد قصص أكثر جاذبية من حكايات الأبطال. كل ثقافة، بما في ذلك ثقافتنا، مليئة بها. في الملاحم القديمة بطل مثل بايولف يسبح قاتلاً “أسماك الحيتان” في طريقه. عندما ينزف أبطال الملحمة الفنلندية، كاليفالا، ينزفون أنهارًا وفيضانات. يمكن للبطل الفارسي رستم أن يبتلع ثورًا كاملاً ويُتبعه ببرميل من الخمر. المفاخر العظيمة هي أشياء من الحكايات البطولية. وبينما لم يكن البطل اليوناني أقل قدرة على الإتيان بالأعمال العظيمة، فقد دخل هذا العالم، بخلاف كل ثقافة أخرى تقريبًا، لغرض واحد وغرض واحد وحيد: وهو تدمير نفسه. حتى هرقل، الأعظم على الإطلاق، لم يحقق الخلود إلا بعد أن عانى من مصير مؤلم وإنساني كل الإنسانية. الرجل الذي يَذبح كل وحشٍ يقف في طريقه لجعل العالم مكانًا آمنًا للسكن البشري يُهزم في النهاية عبر الوحش في داخله: الإيروسية، الحب، الرغبة. إنها تحرقه حرفيًا وهو على قيد الحياة. في حين أن أبطال كل ثقافة يوسعون معايير ما هو  ممكن، فإن البطل اليوناني يفعل ذلك بينما يذكرنا في نفس الوقت بمصيرنا الإنساني-كل-الإنسانية، ويذكرنا، أن ما معنى الإنسانية، موجود في التطلعات السامية وكذلك الأعماق الأكثر غورًا. وهذا ما يجعل قدرة البطل اليوناني على انتزاع الأبدية من الفناء البائس أكثر إثارة للإعجاب.

***

ربما كانت قوة المثال أعظم معلم في اليونان القديمة. لهذا السبب غالبًا ما يجد المرء قصصًا داخل القصص، كما هو الحال عندما يتم تذكير أبطال عمل ما بالأعمال العظيمة التي قام بها الآخرون الذين قدِموا قبلهم. حتى عندما يقرأ القارئ قصة الإلياذة، فإن أبطال قصيدة هومر، مثل أخيل، يتم تذكيرهم من قبل الشاعر بجيل أكبر من الأبطال السابقين، في صدرهم هرقل، الذي أبحر إلى طروادة قبلهم. هذه هي الطريقة التي يعمل بها النموذج الأسطوري للمأساة اليونانية، حيث يقدم نماذج من قصص أكثر قدمًا للمساعدة في وضع تجارب البطل في نوع أكبر من منظور أكبر وأكثر عالمية. يتذكر البطل أياكس المآثر البطولية لوالده الأكبر، تيلامون، ويعرف ما يجب عليه فعله. أو، كشكل من أشكال النفي والتباين، تحكي الكورس في اليكترا إيروبايدس قصة بيرسيوس الذي يقتل جورجون ميدوسا ليؤكد بشكل قاطع أن بطل هذه المسرحية، Orestes، ليس بيرسيوس عندما يقتل والدته. إن الزخارف المألوفة للفن اليوناني، والمشاهد التي يجدها المرء مصورة بشكل شبه عالمي على الفخار أو في النحت البارز، تخدم نفس النوع من الوظيفة النموذجية. لم يفتقر الإغريق للقصص أو الصور، ولكنهم انجذبوا مرارًا وتكرارًا إلى تلك القصص الخاصة التي كانت مثالية، والتي قولبت الذكريات أو التجارب العالمية. حتى القصص التي يرويها سقراط في محاورات أفلاطون، حيث يوضح النقطة عبر حكاية شعبية أو مثال مبسط، غالبًا ما تخدم غرضًا مشابهًا، وفيها حلقة المألوف والعالمي. إنها توضيحية لأنها مثالية وعالمية لأنها نموذجية. أينما يُقلب المرء في الثقافة اليونانية القديمة، فإن القصص والأمثال التي تحتويها تخدم غرض التعليم، الذي يغرس الإحساس بتلك الذات الأعلى أو الأكبر، من خلال قوة المثال، العالمية والعامة، التي يجب على المرء أن يتطلع إليها. إنها تُري عوضًا عن الإخبار فقط. قال الشاعر الأيرلندي ييتس ذات مرة أن الفن علّم المزيد من الناس كيف يموتون أكثر من الخطب أو كتب الصلاة. إنها الحكاية المألوفة بشكل واضح داخل الحكاية، أو اللحظة الدرامية الحامل التقطت في الرسومات الجدارية -النموذج الذي يظهر نمط المعنى النموذجي الأقدم – التي هي، بعيدًا عن كونها دليلًا على الفن، أو علامة على الانحطاط، أو نقص في التنوع الخيالي، أمورٌ تربوية مباشرة وقوية، يتم استدعاؤها من خلال الذاكرة، لكيف يجب أن يعيش المرء أو أن يموت.

***

عندما يسافر المرء حول اليونان ويزور المتاحف حول العالم ليرى مجموعات الفن اليوناني، غالبًا ما يأتي المرء على مشهد غريب: معركة Lapiths و Centaurs. يمكن للمرء أن يجدها، على سبيل المثال، في معبد أبولو في باساي، على صدر مدخل معبد زيوس في أولمبيا، حتى الإفريز الجنوبي لبارثينون. يبدو أن الغرابة النسبية للقصة وغموضها لا يتناسبان مع بروزها وانتشارها في المعابد الرئيسية والمباني العامة في اليونان. يخطط الـ Lapiths، وهم قوم جبليون يفترض أنهم ينحدرون من أبولو، للزواج من أبناء عمومتهم. تُبالغ قبيلة متوحشة من القناطير، ترتبط بعيدًا بالآبيث في الاحتفال وتقرر تدمير الحفلة واختطاف العرائس، وبطبيعة الحال تشتعل معركة شرسة. في معظم التماثيل، يبدو أن القناطير هي المسطرة، باستثناء أن أبولو نفسه يظهر ويهزم القنطور بسهولة إلهية. لماذا تظهر هذه الحكاية الغامضة بشكل بارز؟ قد يكون ذلك لأنها تروي قصة المعركة من أجل روح الإنسان بأكبر قدر من الوضوح. من جهة، فإن الكائن القوي المشوه، الوحش، القوة الرجعية لأصل الإنسان الأرضي تسحبه للخلف وللأسفل. ومن ناحية أخرى، أبولو، الإله، واحة من الاتزان والهدوء، يقف ثابتًا تمامًا، منتصب كعمود، استقامة تتطلع إليها طبيعة الإنسان العليا. إذا نظر المرء إلى الشخصيات البشرية، على سبيل المثال، في المثلث الغربي لمعبد زيوس، فسيصيب المرء الذهول من عدد المرات التي مثلت بها قطريًا، كما لو على منحدر، محاولين تحقيق توازن غير مستقر حيث يتم سحبهم في الاتجاهات المتعاكسة لطبيعتهم العليا والدنيا. إنه ليس أقل من توقيع الروح، عالق إلى الأبد في النضال لتعريف الإنسانية، فعل التوازن المصيري، بين جاذبية الوحش وتسامي الإله.

***

جرت المهرجانات اليونانية الدرامية في أوائل الربيع، تمامًا مع عودة الأرض إلى الحياة بعد برودة الشتاء الطويلة. كان على الكتاب المسرحيين التنافس على امتياز زيادة الإنتاج. كل واحد “كان يتدرب على جوقة” قبل أن يُمنح المحترفون والفائزون الضوء الأخضر. أُمنت التكاليف من قبل مواطن ثري نيابةً عن المدينة. كان مطلوبًا من كل كاتب مسرحي أن يكتب وينتج ثلاث مآسي ومسرحية واحدة. نجت مسرحية واحدة كاملة فقط وبعض البقايا المجزأة للآخرين من العصور القديمة. من الأدلة الضئيلة التي لدينا، يبدو أنهم تعاملوا مع نفس المواضيع التي تناولتها المآسي التي سبقتها، ولكن بطريقة هزلية. الكوميديا ​​البحتة، مع ذلك، كان لها القول الفصل دائما. تمامًا كما يعقب النهار الليل، مُررت الشعلة إلى الكاتب المسرحي الهزلي اليوناني، الذي تختم كوميدياه القوية والأرضية البرنامج. بعبارة أخرى، مَثـَلَ المسرح اليوناني الخبرة الإنسانية كاملة. كل مجموعة من العروض هي رحلة ليلية طويلة نحو النهار؛ ما كان ليكتمل أحدها بدون الآخر. يثبت الضوء فشل الظلام بالضرورة. وجدت المأساة البشرية الغير خجولة عزاءها، وحتى خلاصها، في قوة وبهجة الحياة ذاتها.

***

ترتبط دلفي دائمًا تقريبًا بالإله أبولو وملاذه هناك. لكنه في الحقيقة، نزل في المزار تسعة أشهر فقط من السنة، حيث أخذ إجازة طويلة مثل أي متوسطي حقيقي. في الأشهر الثلاثة الأخرى من العام، كان المزار ينتمي للإله ديونيس- Dionysus، الذي كان إلى حد ما نقيضه. كان أبولو إله الوحي والوضوح والنظام. ديونيسوس، إله طاقات الحياة الذي يتجاوز كل الحدود التي حددها مبدأ ترتيب أبولو. كان الإحساس اليوناني بالنظام كبيرًا بما يكفي ليشمل العشوائية المزعجة ولكن المنعشة التي منعت هذا الإحساس بالنظام من التحجر لنوع من أرثوذكسية القيم أو المعتقدات التي لا حياة فيها. كما قال نيتشه، فقط المرء الذي بداخله فوضى يمكنه أن يولد نجمة راقصة. عندما ننتقل من أواخر الشتاء إلى الربيع، ندخل موسم ديونيس. ثم يقيم في مركز دلفي وله يقدم الإجلال. تتجدد الأرض، ويزدهر كل شيء، ماغنوليا وأشجار الكرز، فورسيثياس والأزاليات، الزنبق، النرجس البري والصفير. تقول الأسطورة أن هذا الأخير خلقه أبولو، على الرغم من أنه يزهر في موسم ديونيس، وهو شاب وسيم ذو شعر مجعد قرر أبولو جعله في هيئة الزهرة للأبد. ذات يوم، وفي نزوة، ألقى الإله قرصًا صلبًا عاليًا ففتح رأس صديقه الصغير عندما نزل. بضربة واحدة خلق الزهرة وسفك الدم الذي يلونها. إن الآلهة ليست مختلفة عندما يتعلق الأمر بتسبب الألم. المعاناة جزء لا يتجزأ من تجربة ديونيس. تحتفل بطقوسه البدائية بتمزيق أوصال الأضحية الطقسية. وفي الأسطورة هو نفسه تُمزقه العمالقة ضلعًا ضلعًا، ولكنه يولد من جديد. شهدت العصور الوسطى العلاقة العميقة بين المعاناة المرتبطة بهذا الإله وشغف المسيح. عمل درامي مبكر من العصور الوسطى يعرف باسم “آلام المسيح” لـChristus Patiens ، هو تبني لمأساة إيروبايدس حول ديونيس: The Bacchae، التركيب على شخصية المسيح، تقريبًا كلمة بكلمة. إن ولادة الأرض في الربيع وخصوبة عيد الفصح تنتمي إلى موسم ديونيسوس، وكذاك تأملاتنا العميقة في معاناة الإنسان، ليس أقلها آلام المسيح، ولكن أيضًا قيامة المسيح. كان نيتشه مرة أخرى من قال أنه من ابتسامة ديونيس نشأت الآلهة الأولمبية ولكن من دموعه نشأ البشر.

***

عام 493 قبل الميلاد، أنتج التراجيدي اليونان ، فرينيكوس، تلميذ Thespis وسلف Aeschylus ، مسرحيته سقوط ميليتس في أثينا. كانت ميليتس في آسيا الصغرى مستعمرة رائدة في أثينا. سقطت المدينة في يد الفرس وأصبحت جزءًا من إمبراطوريتهم الشاسعة قبل عام فقط. قيل أن المسرحية أغرقت مدينة أثينا بأكملها بالدموع. ولكن بدلاً من مكافأته على خطوته المسرحية، فرضت عليه غرامة قاسية بدلاً من ذلك.

لم يُغرم لأنه جعل مدينة أثينا تبكي. غُرم لأنه ذكّر الأثينيين بمشاكلهم الخاصة. كانت الوظيفة الصحيحة للكاتب المسرحي هي تقديم القصة البشرية -بما في ذلك مشاكل المدينة- من المنظور الأوسع والأكثر شمولاً، عبر عدسة لا تخصها بها. فقط من هذا يمكن تشكيل رؤية جديدة وفهم أعمق.

***

في وثيقة بعنوان “الرسالة السابعة”، يقدم أفلاطون ادعاءً ملفتًا: أنه لم يكتب أبدًا ما قصد قوله حقًا. كيف يفترض أن يفهم القراء ذلك؟ وهل يجعل هذا قراءة حواراته ممارسة عبثية؟ لعل الإجابة على ذلك تكمن في كلمة “الحوار” نفسها. النصوص نفسها هي فقط “محاورات درامية”. شخصيات مختلفة، في إعداد معين بدقة أو ظروف مفصلة في بعض الأحيان، تروي قصصًا مختلفة وتجادل وجهات نظر مختلفة. غالبًا ما يسود سقراط، لكن لا يمكن فصل كلماته عن السياقات التي يتحدث بها أو التفاصيل التي يتم توجيهها إليها. وبعبارة أخرى، من الصعب تجريدها. الحقيقة، أو ما قصد أفلاطون قوله، أو ما قصد سقراط قوله، يقع في مكان ما بين الكلام والعملية التي من خلالها يتم ايصاله- عبر الحوار الدرامي أو، باليونانية، عبر عملية Dialegesthai. شرارة واحدة تشعل أخرى، فكرة تؤدي لأخرى. ويندمج القارئ مع تكشف الدراما. إن الصياغة النهائية أقل أهمية من العملية الجدلية التي أوصلتنا إلى هناك، لأنها تثير أيضًا أسئلة أكبر مما تجيب عليها. وهكذا تستمر الحجة في ذهن المرء بعد مغادرة شخصيته الدرامية الصفحة. وهو بالضبط ما قصده أفلاطون بقوله أنه لم يكتب أبدًا ما قصد قوله.

***

كان النصر الأثيني في معركة ماراثون، سواء من حيث الجوهر أو الرمز، هو نصرًا للحرية على الاستبداد. لو كان الفرس، الذين حكموا في ذلك الوقت أعظم إمبراطورية عرفها العالم على الإطلاق، قد انتصروا في ذلك اليوم، لما تكون العالم الذي نعيش فيه الآن. كان من الممكن أن تكون أثينا مجرد منطقة تبعية أخرى في بلاد فارس، وليست مسقط رأس عادات العقل الليبرالية التي نشأت منها الحضارة الغربية. دون التوقف للتفكير في هذا الانتصار المشهور، يعرف الناس في جميع أنحاء العالم ماراثون من خلال سباق الستة وعشرين ميلًا الذي سمي باسمه، وإعادة تمثيل من قبل العدائين الهواة والعالميين لركض Pheidippides الشهير من ساحة المعركة إلى أثينا للإعلان عن النصر اليوناني، وبعد ذلك سقوطه ميتًا. لكن بلوتارخ فقط يروي هذه القصة. هيرودوت جعل Pheidippides يركض على طول الطريق إلى طروادة (على مسافة أبعد بكثير من أثينا) لغرض طلب معونتهم- التي لن تأتي. لكن “الماراثون” الحقيقي كان بالتأكيد تلك الستة وعشرين ميلًا التي جراها الجنود الأثينيون للعودة إلى أثينا وحمايتها بعد إلحاق خسائر فادحة بالفرس عبر خوض معركة مرهقة وشديدة، وركضوا وهم لا يزالون يحملون الدروع وجميع معداتهم الثقيلة، وبعضهم جريح بشكل سيء. لم يكن هناك وقت للاحتفال أو الراحة. لم يكن من المرجح أن تردع نكسة واحدة ملك بلاد فارس، حاكم أكبر إمبراطورية في العالم. مع وجود القوات الأثينية في ماراثون وسيطرة بلاد فارس على البحار، كانت أثينا هدفًا سهلاً. وهكذا، بعد أُنهكوا في المعركة، جروا إلى أثينا. لم يكن هؤلاء الرجال رياضيين محترفين. لم يكونوا حتى جنودًا مدربين بشكل احترافي. لقد كانوا شديدين بشكل لا يصدق -وشديدي العقل- رجال عاديون مميزون- رجال يؤمنون بشيء- شيء يُستحق العيش من أجله ويستحق الموت من أجله. في يوم الماراثون، دعونا لا نفكر في العداء العظيم Pheidippides، ولكن في الرجال العاديين الذين قاموا بمعجزة في مارقون ثم عادوا لوطنهم وحفظوا حلمًا يسمى أثينا.

***

كتب أحدهم ذات مرة عن المستقبل أنه فراغ: المستقبل هو ما يسقط فيه الحاضر مدفوعًا بقسوة بالماضي. تتوجه عيوننا، وينشغل كلامنا دائمًا تقريبًا بالمستقبل. إن حضارتنا هي حضارة تتطلع للأمام وليس للخلف. على الرغم من أن ميلان كونديرا كتب ذات مرة: “يصرخ الناس دائمًا أنهم يريدون خلق مستقبل أفضل. هذا ليس صحيح. المستقبل هو فراغ لا مبالٍ لا يهم أي أحد. الماضي مليء بالحياة، متلهف لإثارة غضبنا، استفزازنا وإهانتنا، إغراءنا لتدميره أو إعادة رسمه. السبب الوحيد الذي يجعل الناس يريدون أن يكونوا سادة المستقبل هو تغيير الماضي”. في الأساطير اليونانية، يلهم الموسيس- Muses التسعة ويمثلون جميع الفنون والكليات والمهارات الفكرية التي تميز البشر عن عالم الحيوانات وترفعهم فوقها. ولد الموسيس التسعة من أم واحدة، واسمها Mnemosyn ، وهي آلهة ما يعنيه اسمها: الذاكرة. فهم اليونانيون، بمعنى عميق، أن جميع كلياتنا العليا، وإبداعنا الابتكاري، وحتى إحساسنا بالمستقبل، مستمد من التفاوض مع الماضي. الماضي لم يمت. لم يمر حتى.

كتبها: Herbert Golder

أستاذ الدراسات الكلاسيكية بجامعة بوسطن ورئيس تحرير آريون. للمزيد

ظهرت هذه المقالة لأول مرة في Arion 18.3 وقد ترجمت هنا بترخيص من المؤلف.