لماذا ندرس الفلسفة؟

يدرس الفيزيائيون المادة والحركة والطاقة. يدرس الكيميائيون المواد وأشكالها الناتجة عن الجمع والتفاعل والتحلل. يدرس علماء الأحياء الكائنات الحية. وهكذا دواليك. ولكن ما الذي يدرسه الفلاسفة؟ إحدى الإجابات الشائعة على مر العصور هي أنه بينما يدرس الفيزيائيون الفيزياء، يدرس الفلاسفة المِيتَافِيزِيقَا Metaphysics. يقال لنا أن الفلاسفة، أو الفلاسفة الأكثر تعمقًا على أي حال، هم ميتافيزيقيون. يدرس الفيزيائيون الاحتمالات في العالم- الأشياء كما هي كائنةأنأ. ويدرس الميتافيزيقيون السمات الأساسية والضرورية لجميع العوالم الممكنة.

هذا الرد غير مقنع لعدد من الأسباب. أولاً، إذا كان الحال كذلك، فسيحتاج الأمر لقدرٍ كبير من التفسير للذود عن الفلسفة. ففي حين أن الفيزياء أنتجت مكتبات من النتائج الراسخة (والكيمياء وعلم الأحياء كذلك)، يمكننا عبثًا البحث عن كتب جديرة بالثقة تحت عنوان “الحقائق الثابتة للميتافيزيقيا” أو “كتيب الحقائق الفلسفية”.

علاوة على ذلك، هناك عبثية في فكرة أن الكيميائيين يكتشفون أن الماء يتكون من H2O، وأن الفلاسفة يكتشفون بعد ذلك أن هذه ليست حقيقة عرضية، ولكنها حقيقة ضرورية؛ أو أن الفيزيائيين يكتشفون أن E = mc2، ويكتشف الميتافيزيقيون بعد ذلك أن هذا صحيح في جميع العوالم الممكنة.

أخيرًا، إذا نظرنا إلى أنواع النتائج التي يأتي بها الميتافيزيقيون، فمن الواضح أنها أكثر بقليل من مفارقات (الوقت غير واقعي؛ الأجسام الصلبة ليست صلبة حقًا؛ الأجسام الملونة ليست ملونة حقًا)، عبثية (لا يمكننا معرفة أفكار أو نوايا الآخر؛ لسنا أكثر من مجرد مجموعة من التصورات) وتتنازع بشكل منهجي كذلك (هناك أو ليس هناك أمور عالمية؛ الحقائق الأخلاقية كلها مطلقة أو كلها نسبية). لذا دعونا نتجاهل هذه الحماقة.

الميتافيزيقيا هي وهم يصيب الفلاسفة (والعلماء ذوي العقل الفلسفي) من جيل إلى جيل، ومهمة الفلسفة الجيدة تبديدها. لكن على الرغم من أن الهواء المنعش ضروري بشكل دوري للصحة الفكرية، فماذا يمكن للفلسفة أن تفعل غير ذلك؟ ماذا يمكنها أن تحقق؟ بمعنى أن العلوم لها موضوع، في حين يبدو أن الفلسفة ليس لها ذلك. بمعنى أن العلوم تبني نظريات تؤكدها أو تعززها التجربة أو الملاحظة، ومن الواضح أنه لا توجد نظريات في الفلسفة. بمعنى أن العلوم تستكشف العالم من حولنا، ومن الواضح أن الفلسفة لا تفعل ذلك. إذن ما هي مهمتها؟

يجب علينا أن نعترض على فكرة أن الفلسفة تهدف إلى المساهمة في المعرفة الإنسانية للعالم، فمهمتها هي حل المشاكل الفلسفية. السمة المميزة للمشاكل الفلسفية هي طابعها غير التجريبي، وهي سمة قبلية- priori: لا توجد تجربة علمية يمكن أن تحل مسألة إذا كان العقل هو الدماغ، وما معنى كلمة ما، وما إذا كان البشر مسؤولون عن أفعالهم (أي لديهم إرادة حرة)، وفيما إذا كانت الأشجار التي تقع على الجزر الصحراوية غير المأهولة تسبب أي ضجيج، وما يجعل الحقائق الضرورية ضرورية. كل هذه الأمور، ومئات أخرى، أسئلة مفاهيمية. إنها ليست أسئلة حول المفاهيم (الفلسفة ليست علم المفاهيم). لكنها أسئلة يجب الإجابة عليها أو حلها أو تبديدها عبر التدقيق الحذر للمفاهيم المعنية.

الطريقة الوحيدة للتدقيق في المفاهيم هي فحص استخدام الكلمات التي تعبر عنها. التحقيقات المفاهيمية هي تحقيقات فيما هو منطقي وما هو غير منطقي. وبالطبع، فإن أسئلة المعنى تسبق أسئلة الحقيقة التجريبية – لأنه إذا كان هناك شيء لا معنى له، فلا يمكن أن يكون صحيحًا ولا خطأ. إنه مجرد هراء – ليس سخيفًا، بل يتعدى حدود المعنى. تراقب الفلسفة الحدود بين المعنى والهراء. ويحدد العلم ما هو صحيح وما هو خاطئ تجريبيًا. ما هو خاطئ بالنسبة للعلم، هو هراء للفلسفة.

دعوني أعطي مثالاً بسيطًا أو اثنين. عندما يقول علماء النفس والعلماء الإدراكيون أن دماغك هو الذي يفكر، بدلاً من الإيماء برأسك والقول: “كم هذا مثير للاهتمام! يا له من اكتشاف مهم!”، يجب أن تتوقف للتساؤل عما يعنيه هذا، وقد تسأل بعد ذلك، ما هو الدماغ المفكر، وما هو الدماغ الذي لا يفكر؟

هل يستطيع دماغي التركيز على ما أفعله، أم أنه يركز فقط على ما يفعله؟ هل يحمل دماغي آراء سياسية؟ هل هو، كما قد يسأل جيلبرت وسوليفان، محافظ أم ليبرالي؟ هل يمكن أن يكون متعنتًا؟ ضيق الأفق؟ كيف سيبدو دماغ متعنت وضيق الأفق؟ أو اسأل نفسك: إذا كان دماغك هو الذي يفكر، فكيف يخبرك دماغك بما يفكر؟ وهل يمكنك الاختلاف معه؟ وإذا فعلت ذلك، كيف تخبره أنه مخطأ، وأن ما تعتقده خطأ؟ وهل يستطيع دماغك أن يفهم ما تقوله له؟ هل يتحدث الإنجليزية؟ إذا تابعت هذا النوع من الأسئلة، ستدرك أن أطروحة “الدماغ يفكر” لا معنى لها. ولكن، بالطبع، توضيح لماذا لا معنى يتطلب الكثير من العمل.

مثال آخر. في رسالة تنسب لموزارت كتب فيها أنه في بعض الأحيان، عندما كان يشتعل إبداعًا، كان بإمكانه سماع كونشيرتو كامل في لحظة- كل ما كان عليه فعله بعد ذلك هو تدوينه فقط. عند سماع هذه الحكاية، قد تومئ برأسك بحكمة وتفكر: “يا له من عبقري مذهل! كيف يمكنه فعل شيء كهذا؟ “

يفكر روجر بنروز، العالم والرياضي المتميز، بنفس الرسالة، اعتقدَ أننا لن نتمكن من فهم هذه الظاهرة الرائعة إلا عندما يكون لدينا نظرية كافية عن الجاذبية الكمية وفهم أفضل للوقت. قد تقول: “كم هذا صحيح! كم هو رائع!”

لكن يجب أن تتمهل، لا تتساءل عما إذا كان ما قاله موزارت صحيحًا، ولا تتساءل كيف يمكنه أن يفعل شيئًا مدهشًا، ولكن اسأل نفسك عما إذا كان هذا النموذج من الكلمات يعني أي شيء على الإطلاق. في النهاية، إذا كان بإمكانه سماع كونشيرتو كامل في مخيلته في لحظة، فكل ما يمكن أنه سمعه هو ضربة وتر، وليس كونشيرتو! في الواقع، الرسالة الشهيرة مزورة. لكن ذلك لا يهم. ما يهم هو أن المعنى الوحيد الذي يمكن إعطاؤه لعبارة “سماع كونشيرتو في خيال المرء في لحظة” يعني أنه أدرك فجأة أنه يعرف كيف يكمل الكونشيرتو الذي يكتبه، وليس أنه بالفعل أكمله في خياله. إن النبوغ المفاجئ لقدرة ما ليس مثل تطبيقها بسرعة، والحصول على إدراك مفاجأ، ليس ممارسة حل كامل المشكلة في لمح البصر، ولكن أن تعرف أنه يمكن للمرء أن يطبق الحل بأكمله، عند الحاجة، بالسرعة الطبيعية.

إذًا، لماذا ندرس الفلسفة؟

هناك العديد من الأسباب، وعدة أنواع مختلفة من الأسباب. على مستوى عام جدًا، إنها تقنية فريدة للتعامل مع الأسئلة المفاهيمية التي تواجه أي شخص يفكر: أسئلة تتعلق بوجود الله، والآخرة، والإرادة الحرة. أيضا أسئلة تتعلق بالطبيعة البشرية: ما هو العقل؟ كيف يرتبط العقل بالجسد؟ هل لدينا روح؟

على الرغم من أن كل هذه تبدو وكأنها أسئلة واقعية، فهي ليست كذلك. إنها أسئلة مفاهيمية بحتة يجب حلها عن طريق البحث المفاهيمي. تعطينا الفلسفة أيضًا تقنيات للتعامل مع المشكلات المنهجية الأساسية المتعلقة بتفسيرات السلوك البشري: ما الفرق بين التسبب في فعل شيء ما، والإجبار على فعل شيء ما، والتصرف لسبب ما؟ وهذه بدورها محورية لفهم حقوق وأخطاء توزيع المسؤولية. والفلسفة هي الموضوع الوحيد الذي يواجه أسئلة حول الكيفية التي يجب أن نعيش بها، ونوع المجتمع الذي يجب أن نطمح إليه، وما هو نظام القوانين الذي يناسب الكائنات العقلانية التي تعيش تحت حكم القانون.

على مستوى أكثر تخصصًا، تعد الفلسفة تقنية لفحص نتائج علوم معينة للتأكد من تماسكها المفاهيمي، وفحص الأساليب التفسيرية للعلوم المختلفة- الطبيعية والاجتماعية والبشرية. العلوم ليست محصنة ضد الارتباك المفاهيمي أكثر من أي فرع آخر من الفكر البشري. العلماء أنفسهم في معظم الأحيان غير مؤهلين للتعامل مع الارتباك المفاهيمي.

تتمثل إحدى المهام العظيمة للفلسفة في العمل “كمحكمة منطق” قد يوجه العلماء إليها عندما يتجاوزون حدود المنطق. لأنه عندما يخبرنا عالم الأعصاب أن العقل هو الدماغ أو أن التفكير هو عملية عصبية؛ عندما يخبرنا أحد الاقتصاديين أن التصرف بعقلانية هو السعي وراء إرضاء المرء للرغبة، أو أن السعادة البشرية هي تعظيم المنفعة؛ عندما يدّعي عالم نفسي أن التوحد هو نتيجة فشل حديثي الولادة في تطوير نظرية العقل، فإننا نحتاج للفلسفة لمنع العلم من أن يشرد.

إن تاريخ الفلسفة جزء أساسي من تاريخ الأفكار. دراسة تاريخ الفلسفة هو دراسة جانب من جوانب الحياة الفكرية للمجتمعات الغابرة، ومجتمعنا في الماضي. وبالمثل، فإن دراسة تاريخ الفلسفة أمر أساسي لفهم أشكال تفكيرنا المعاصرة، والطرق التي ننظر بها إلى الأشياء. لأننا لا نستطيع أن نعرف أين نحن، إلا إذا فهمنا كيف وصلنا إلى هنا.

إن دراسة الفلسفة تُولد شكًا صحيًا حول الآراء الأخلاقية والحجج السياسية والمنطق الاقتصادي الذي نواجه يوميًا من قبل أيديولوجيين ورجال دين وسياسيين واقتصاديين. تُعلم المرء أن يكتشف “أشكالًا متقدمة من الهراء”، التعرف على الدجل، والتخلص من النفاق، واكتشاف المنطق غير الصحيح. تبعد الفلسفة ذوقنا عن التفاهة، وتعطينا عوضًا عن ذلك أنفًا لشمها. تعلمنا ألا نتسرع في الجزم أو ننفي التوكيد، ولكن أن نثير الأسئلة.

والأهم من ذلك، تعلمنا أن نثير أسئلة حول الأسئلة، والتحقيق في الافتراضات الضمنية والافتراضات المسبقة، ومجابهتها عند الضرورة. وبهذه الطريقة تجعل بيننا وبين القضايا المثيرة للعاطفة مسافة- درجة من الانفصال تفضي إلى العقل والمعقولية.

كتبها: Peter Hacker

زميل متقاعد في كلية سانت جون، جامعة أكسفورد وباحث بارز حول فيتجنشتاين.

ظهرت هذه المقالة في IAI Issue 2, 16th August 2018 وقد ترجمت هنا بترخيص منهم