المتجول فوق بحر الضباب

على مدى القرنين الماضيين، أصبحت اللوحة أيقونة ثقافية. زينت غلاف عمل تيري إيجلتون الفلسفي إيديولوجيا الجمال، وعملاً لنيتشه، ورواية الرجل الأخير لماري شيللي. واستخدمت كغلاف لتركيبة فرانز شوبرت الموسيقية “رحلة شتوية”.

هي عمل فني يمثل الرومنسية بشكل مثالي. بدأت الحركة الجمالية كرد فعل ضد قيم التنوير (المنطق والعقلانية والنظام) التي ساهمت جزئيًا في الثورة الفرنسية الدامية التي أطاحت بالملك عام 1789. تحول الكتاب والفنانين والموسيقيين في جميع أنحاء أوروبا إلى العاطفة والخيال والإلهام السامي. وأصبحت الطبيعة البرية، الجامحة، موضوعًا رئيسيًا. على وجه الخصوص، عززت الفردانية والعواطف الذاتية الجياشة. يجسد فريدريش هذه الصفات عبر وضع رجل واحد، يحدق في مساحة شاسعة وغير معروفة، في منتصف اللوحة.

ولد كاسبر دافيد فريدريش (Caspar David Friedrich) في غرايفسفالد، بوميرانيا السويدية (الآن شمال شرق ألمانيا)، عام 1774. قبل أن يبلغ من العمر 20 عامًا، توفيت والدته وأختاه وأخوه. وكان معروفًا بشخصيته الحزينة.

لبناء هذا التكوين، سافر فريدريش إلى جبال الألب جنوب شرق دريسدن، ورسم الصخور الفردية والأشكال الطبيعية بتفاصيل مكثفة. وعندما عاد إلى الاستوديو الخاص به، قام بتجميعها معًا لإنشاء مشهد جديد وهمي.

في هذه اللوحة المؤرقة، يقف شخص وحيدًا على قمة من الصخور، يتأمل في منظر جبال الألب المذهل. القمم الصخرية القريبة تلوح خارجة من بحر الضباب الكثيف، ويظهر جبل بعيد يرتفع بشكل مهيب فوق المشهد أمام سماء مضيئة. يعتمد المشهد على رسومات الجبال التي صنعها فريدريش أثناء إقامته في سويسرا، لكن الضباب الكثيف يحجب ما يقع بين الجبال، مما يخلق شعورًا بالغموض. من الناحية التركيبية، يقف الرجل مباشرة في منتصف اللوحة، والخطوط الأفقية للصخور والمنحدرات الجبلية البعيدة كلها تؤدي إليه. التباين الواضح في النغمة بين الصورة الظلية المظلمة للرجل على الصخرة وشحوب الضباب والسماء يضيف إلى تأثير الصورة. قد تكون اللوحة تكريمًا لعقيد في فرقة المشاة السكسونية بعد وفاته – يقف الرجل مستقيمًا وببطولية وهو يتأمل المشهد أمامه- ولكن يمكن تفسير اللوحة بعدة طرق: كرمز لتوق الإنسان إلى ما لا يمكن تحقيقه أو باعتباره رمزا للرحلة عبر الحياة. يُلخص العمل الأفكار الرومانسية حول مكان الإنسان في العالم- عزلت الفرد عند مواجهة قوى الطبيعة السامية.

تحليل اللوحة

يقول كورنر عن السحر الخاص للمتجول فوق بحر الضباب: “حتى إن لم تكن قد درست الفن، فأنت تشعر بها”. تشعر أن تلك القمم التي تراها في الضباب ليست مجرد أشكال من خيال فنان. صنعت في استوديو. تُلاحظ أن كل القمم والوديان، وكل صخرة، وكل شجرة، قد أعيد تنشيطها ودمجها في اللوحة”. بعد مرور مائتي عام على رسم فريدريش للعمل، ما زالت ملامح العالم الطبيعي الحالمة، وعلاقة الإنسان الدرامية المخيفة به، ملهمة ومؤثرة جدًا.