عن الصورة الذاتية وخطاب الطبيعية

بعد ظهر يوم الجمعة في وقت سابق من هذا العام، عدت إلى شقتي (أو بشكل أكثر دقة، إلى سريري) للاحتفال بنهاية الأسبوع بأمسية من التمرير الغير واعي على انستغرام. محتوى حسابي عبارة عن خليط مشتت: أشخاص أعرفهم يقضون عطلتهم، وأشخاص لا أعرفهم أيضًا في عطلة، ومشاهير من مرتبة متأخرة يؤيدون ببتيدات الكولاجين والملابس الرياضية، وميمز التزلج، وميمز كارهة للتزلج، والعديد العديد مما يطلق عليه ماركات اسلوب الحياة، من الطعام والسفر إلى الموضة والجمال.

تكشف إشارات الأزمة الثقافية عن نفسها حتى مع هذه العينات العشوائية من الحسابات، ومن بين هذه الصرعات الثقافية، التي نتلقاها في الغالب بصريًا، يظهر ما أسميه “خطاب الطبيعية”.

يتخذ خطاب الطبيعية أشكالاً عديدة. تصف شركة Glossier نفسها بـ “نظام بيئي للجمال” تعطي الأولوية لـ “البشرة أولاً، والمكياج ثانيًا”. وماركة الملابس الداخلية الواقية من الدورة الشهرية، Thinx، تخبرنا أننا بحاجة إلى “نظام أكثر استدامة لإدارة الدورة الشهرية”.

يُقصد بخطاب الطبيعية هذا ظاهريًا تمكين النساء: إخبارنا أننا كافيين، ولسنا بحاجة إلى تحسين أو تعديل أو تقليص أو تكبير أنفسنا لنُرى، ونًقبل، ونُحب. وبالتالي، تبدو هذه الرسائل إيجابية- ألا ينبغي أن تتلقى النساء رسائل تخبرهن بأن يشعرن بجمال بشرتهن، ليظهرن كما هن، لإعطاء الأولوية لرفاههن على ذواتهن الطموحة التي تنتجها السلطة؟

يبدو أن الخطاب عوضًا عن ذلك يتجاوز الإيجابية: فالعديد من المنشورات تقوم أيضًا بعمل ارتباطات غامضة بين كونك “طبيعيًا” وأن تكون نسويًا، أو تقدميًا، أو أي شيء آخر شبه سياسي لا أستطيع أن أحدده. هل اعتناق طبيعية المرء هو الطريقة الوحيدة لتكون نسويًا أو تقدميًا أو أي شيء آخر شبه سياسي؟

أعلم، بصفتي امرأة متعلمة في الجامعة من جيل الألفية وتعيش في مدينة ساحلية بالولايات المتحدة ولديها دخل متاح وإدمان على الإنترنت غير قابل للشفاء، أنني من الفئات الديموغرافية المستهدفة لهذه العلامات التجارية. ملايين الدولارات من البحث والخوارزميات وراء ظهور هذه المنشورات في حسابي. وهي منتجات اشتريتها في النهاية، فلماذا جعلني الخطاب أشعر بعدم الارتياح؟

ليس الأمر أنني أختلف مع المفهوم بأكمله. أفهم كيف أن تبني الطبيعية قد يشعر بعض النساء بالتمكن. إلى حد ما، أشعر نفسي بالتمكن من خلال الفكرة. لكن ألا يمكن أن يكون اللعب بصورتك، وإضفاء نغمة على اللوح الفارغ، والشعور بأن لديك القدرة على العيش في نسخة مختلفة من نفسك أمرًا مفيدًا بشكل مساوٍ؟ ألا يجب أن يتضمن الجهد النسوي على مساحة للتغيير المتعمد، أيضًا؟

الرسم من متحف الريجكس

***

كنت بحاجة لإلقاء نظرة فقط على الطفرة الأخيرة للعناية بالبشرة لأتأكد أنه في عام 2019، أصبحت الثقافة الأمريكية مهووسة بشكل فريد بـ “الطبيعية”. وفقًا لتقرير NPD الصادر في يناير، تقدر قيمة صناعة العناية بالبشرة حاليًا بـ 141.3 مليار دولار. استحوذت منتجات العناية بالبشرة على 60٪ من إجمالي مكاسب صناعة التجميل في الولايات المتحدة في 2018. بينما نمت مبيعات العناية بالبشرة بنسبة 16٪، نمت مبيعات المكياج – على مدى عقود من الزمن في مجال التجميل – بنسبة 3٪ فقط. وشكلت المنتجات التي تم تسويقها على أنها “مستحضرات العناية بالبشرة الطبيعية” أكثر من ربع المبيعات السنوية للعناية بالبشرة، بزيادة 23٪ عن العام السابق.

لكن انفجار المحتوى المتعلق بالعناية بالبشرة على انستغرام يُظهر أن هذا الجنون لا يتعلق في الواقع بصحة البشرة نفسها، بل يتعلق بجماليات الحصول على بشرة نظيفة وواضحة وشابة – بعبارة أخرى، حول صياغة وهم الطبيعية.

خذ موضة “مكياج اللا-مكياج”، حيث ترفض النساء مكياج الكونتور الثقيل ومكياج العيون الداكن لصالح مظهر مجرد ومصمم للظهور بشكل طبيعي. لا يتحقق ذلك من خلال عدم وضع المكياج بالطبع، ولكن من خلال الاستثمار في المنتجات التي تعطي مظهرًا يبدو بدون مكياج. المفارقة الواضحة هنا هي أنه في حين أن الحركة تهدف إلى تجنب توقعات طقوس الجمال التقليدية المفروضة على النساء، فإنها تتبني نظام للعناية بالبشرة بنفس الإرهاق والتكلفة تمامًا مثل تغطية الوجه بأساس ثقيل كل صباح، إن لم يكن أكثر.

لكن هذا التركيز على الطبيعة يمتد إلى ما هو أبعد من العناية بالبشرة “الطبيعية” وشركات المكياج مثل Glossier أو Drunk Elephant. مثلاً For Hers وهي منصة على الإنترنت تقدم للنساء وصفات للعناية بالبشرة وتساقط الشعر وتحديد النسل وحلول للرغبة الجنسية. “لها” هو نسخة تركز على النساء من خط انتاج “له”، والذي يوفر علاج ضعف الانتصاب وتساقط الشعر. بشكل عام، تركز إستراتيجية العلامة التجارية على تشجيع الأشخاص على التخلي عن أي شعور بالخزي تجاه التعامل مع “الأشياء التي لا تُذكر في الحياة”.

يقول السطر الأول على موقع “لها”: “بالنسبة لنا، المرأة السليمة واثقة ببشرتها.” في محاولة لإزالة وصمة عار عن معالجة هذه القضايا الإنسانية للغاية، تقدم الشركة نفسها كمحارب لكل جانب من جوانب عمليات المرأة التي تحدث بشكل طبيعي، مما يشجعها على الاهتمام بحب الشباب والشعر والصحة الجنسية دون خجل. من المبادئ الأساسية للصحة، وفقًا لـ For Hers، الثقة – ولكن الشرط الأساسي للثقة، وفقًا لمجموعة منتجات “لها”، هو قبول طبيعية الفرد.

يتخلل هذا النوع من اللغة العديد من المنتجات الأخرى التي تعمل على خرق العار. تدعي شركة Prose المتخصصة في العناية بالشعر أنها “تخلق جمالًا طبيعيًا” (هل يمكنك “خلق” الطبيعة؟)؛ وتحدد Glossier توجهها المعارض لعلاجات البقع المسببة للعار والمستخدمة “سرًا في المنزل” (ما المشكلة إذا رغبت في العناية بحب الشباب على انفراد؟)؛ فيما تؤكد شركة Thinx أنها “تخرق بفخر المحرمات” بملابسها الداخلية المقاومة للدورة الشهرية.

يبدو أن المعنى الضمني لكل هذا هو أنه من أجل أن تكون قوية وواثقة وحليفًا نسويًا حقيقيًا، يجب على المرأة رفض أي شيء تجميلي لصالح القبول الذاتي الراديكالي. مع المنتجات الطبيعية الصحيحة وموقف تأنيب الذات، يبدو أن خطاب الطبيعية يشير إلى أننا قد نتمكن أخيرًا من تحطيم النظام السلطوي.

***

نشأتُ في سياتل أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين- لا تزال سياتل تتمرغ بمخلفات موضة الجرنج، وتتعاظم ثروتها بثبات بفضل بوينج ومايكروسوفت (ولكن لم يتم التنقيب عنها ثقافيًا بالكامل من قبل أمازون)، وتستمر في الترحيب بعمليات استيراد من مدن أكثر ثراءً فنيًا وتكنولوجيًا. انتقل إليها والداي من لوس أنجلوس بحثًا عن بيئة ميسورة التكلفة وذات وتيرة أبطأ لإنشاء أسرتهما.

كانت أمي تخبرني دائمًا عندما كنت طفلة: “تعطي لوس أنجلوس انطباعًا أنها … مزيفة”.

اجتمع الأطفال الشعبيون، في المدرسة الثانوية العامة المكتظة التي التحقت بها، في مجموعات في الساحة. عرّفنا عن مجموعتنا على أنها “crunchy-hot” في ملابس بيركنستوكس، وسراويل ضيقة مبطنة بالصوف، وسترات كبيرة الحجم، وافتخرنا بشدة بحقيقة أننا لم نضيع الوقت على مظهرنا. لم يكن أحد يرتدي مكياجًا أو ملابس باهظة الثمن للذهاب إلى المدرسة. كان الطريق الأضمن للنبذ هو أن تبدو كما لو كنت مهتمًا- أبدًا.

أقامت مدرستنا الثانوية في إحدى السنوات حفلاً راقصًا لكل المدينة. وشاهدت أنا وصديقاتي عرضًا لطالبات مدراس خاصة وفتيات من الضواحي يتبخترن إلى المدخل، ويتململن من حواشي فساتينهن الضيقة.

“يا إلهي، لقد قمن جميعًا يتمليس شعرهن!”

“انظري إلى ذاك الكحل!”

“ويرتدون الكعب العالي!”

لم نتمكن من احتواء ضحكنا. هل هناك شيء أكثر حزنًا من المحاولة بشدة؟

الرسم من متحف الريجكس

***

بالطبع، عام 2019 ليست المرة الأولى التي يتم فيها الإعلان عن “الطبيعية” كمعيار أنثوي.

كان أول نموذج أصلي موثق ومنتشر على نطاق واسع للمثال الأنثوي الأمريكي هوGibson Girl، وسُميت بهذا الاسم نسبة إلى الفنان الجرافيكي تشارلز دانا جيبسون الذي قدم شابة الشعر المنفوش برسومات القلم والحبر على مدى 20 عامًا بدءًا من تسعينيات القرن التاسع عشر. عام 2013، أقامت مكتبة الكونغرس معرضًا خاصًا بعنوان “أمريكا فتاة جيبسون: رسومات شارلز دانا جيبسون“.

كانت فتاة جيبسون طويلة ولكن ممشوقة، ذات ملامح وجه كبيرة ولكن دقيقة، وخصر محكم، وشعر طويل متراكم على رأسها. لكن جسدها -“ثوبها البسيط” و “نقائها الشبابي”، كما قال القيمون على المعرض- لم يكن سوى عنصر واحد من المثالية التي مثلتها. والأهم من ذلك أنها أظهرت استقلالًا ناشئًا لم تبدأ بتجربته سوى النساء الأكثر امتيازًا وتعلمًا في مطلع القرن. على هذا النحو، غالبًا ما كانت تُصوَّر وهي تشارك في هوايات رياضية وفنية مختلفة، ومهيمنة في المواعدة والزواج، وفي مناصب نادرًا ما كانت متاحة للنساء في ذلك الوقت (على سبيل المثال، يقدم الرسم التوضيحي لجيبسون عام 1902 “عندما تكون النساء محلفات” هيئة محلفين نسائية بالكامل).

العامل المركزي في شخصية فتاة جيبسون التقدمية هو المظهر البسيط. في رسمه عام 1904 “خلاف هيئة المحلفين”، على سبيل المثال، يسلط القيمون على مكتبة الكونغرس الضوء على “جاذبيتها الطبيعية وقدرتها على التعامل مع المواقف الاجتماعية بسهولة”، والتي، كما يقولون، “تميزها عن السيدات الأخريات بأزيائهن المتكلفة”.

من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن فتاة جيبسون هذه، ظاهريًا، لها نفس المكانة الاجتماعية مثل النساء الأخريات الأكثر نضجًا. ومع ذلك، فإن الاختلاف الجوهري هو أن فتاة جيبسون لا تجعل جمهورها يشعر بجهدها- مرة أخرى، تكمن قوتها الاجتماعية في بساطتها، في قدرتها على تحقيق جميع صفات الجمال الكلاسيكية بينما تبدو طبيعية تمامًا. (تساءلت: ألم تكن هذه هي نفس الطريقة التي تعاملت بها في سن المراهقة، باستخدام مظهري الأقل جهدًا للشعور بالتفوق؟)

كتب القيمون على المعرض أن جيبسون نفسه أظهر من خلال رسوماته “نظرة تقدمية وإيجابية للمرأة”. أذهلني هذا. بدا عمل جيبسون مثالًا رائعًا لالتقاط لحظة من الزمن حيث أصبحت المساحات المخصصة للذكور مفتوحة أمام النساء. ولكن هل كان تأريخه لهذا النموذج الجمالي والسياسي تقدميًا في حد ذاته؟ أم كان هذا هو المثال الأول الذي لدينا عن شخص يقرر كيف يجب أن تظهر المرأة الواعية اجتماعيًا- ثم رسم هذه الصورة بوضوح ونشرها على نطاق واسع؟ (كما أنني لم أغفل أن هذه النموذج “التقدمي” حصل على اسمه من الرجل الذي رسمه).

لكني لا أستطع أن أثير مشكلة بشأن خضوع مظهر وسلوك النساء في أواخر العصر الفيكتوري للسلطة- كنت بالطبع على دراية بأنهم، مثلي، يعيشون في ظل الرأسمالية والنظام الأبوي، بلاه بلاه بلاه.

الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو القواعد نفسها: فلكي يتم وصفها على أنها تقدمية ومستقلة وواثقة -مهما عنت تلك الكلمات الغامضة فعليًا- كان على المرأة عام 1900 أن تمثل الطبيعة والشباب والنقاء والبساطة.

ألم تكن هذه هي نفس الموضوعات، بشكل ما، التي دفعتني إلى توبيخ أقراني المتكلفين في المدرسة الثانوية؟

***

لا أتذكر أين كنت عندما علمت أن والدتي قد خضعت لعملية زرع ثدي في شبابها، لكنني أتذكر أن الموضوع بدا كاعتراف. لم يتجاوز عارها الصريح لاضطرارها الاعتراف لي أنها عززت جسدها لتلائم معايير الجمال المجتمعي، سوى العار الذي شعرت به عندما علمت أن لدي أم سطحية.

كان ذلك في الوقت الذي بدأت فيه التسوق لشراء حمالات الصدر الخاصة بي (بمعنى آخر: في الوقت الذي بدأت فيه في تكوين مخاوف جسدية خاصة بي)، ويبدو أن أخبار الثدي المزيف لأمي قد أبطل كل شيء تعلمته في فصل التربية الجنسية، وكل شيء روج له كتابي المقدس للدورة الشهرية: ” The Care and Keeping of You”، وكل شيء أخبرتني به والدتي عن قبول جسدي واحترامه، تمامًا كما قبلت واحترمت بقية العالم الطبيعي.

كانت والدتي تكرر لي: “أنت غير كاملة بشكل كامل”.

فكرت الآن: “يا له من هراء”. (وفي أسوأ حالاتي: “من السهل عليك أن تقولي ذلك عندما يكون لديك ثدي مزيف”)

واجهت أختي، التي تصغرني بسبع سنوات، عقبة مختلفة تمامًا: مشاهدة والدتي وهي تتخذ القرار بإزالة زرعة الثدي. كان ذلك عام 2008، وقد تغير الزمن: لقد حققت هيلاري تقدمًا قويًا في الانتخابات الديمقراطية ولم تعد والدتي تشعر أن حجم ثديها الكبير يخدمها (بالإضافة أن زرعة السيليكون التي تعود إلى حقبة التسعينيات، قد اكتُـشف أنها تشكل مخاطر على الصحة).

شعرت والدتي الآن أن صدرها الأكبر جعلها تبدو أثقل مما كانت عليه، وآلامها ظهرها مع تقدم العمر، وفي الأربعينيات من عمرها، بدها صدرها المنتصب تمامًا غير طبيعي بشكل واضح.  مرّ عشرون عامًا منذ إجراء العملية جراحية الأولى لأمي، وشهدت أختي، وسط رهن منزلنا وطلاق والديّ، أمي تدخر بلا خجل مبلغ 10000 دولار لإزالة زرعة الثدي.

على الرغم من دخولنا في رحلة والدتي مع الجراحة التجميلية عند نقاط مختلفة جدًا، فقد تشاركنا أنا وأختي خوفًا سريًا من أنها، مثل الكثير من الأمور في تجربة جسد، كانت وراثية. هل كان مقدّرًا لنا أن نورث، لا فقط صدر أمنا الصغير، ولكن أيضًا شعورها بعدم الأمان؟ هل سندفع أيضًا عشرات الآلاف من الدولارات لإعادة بناء أنفسنا، كل ذلك على أمل الاقتراب بشكل ما من نموذج أنثوي (متغير)؟ قررنا بشكل مشترك أننا سنقاوم الرغبة في التلاعب بصورنا بأفضل ما نستطيع- ولن نكون أبدًا إحدى هؤلاء النحيفات، والمفرطات بالمكياج، والمزيفات تمامًا، اللاتي يغطين بالزخارف ويعوضن عن كرههن لأنفسهن.

لكن ما لم آخذه في الحسبان عندما كنت مراهقة فيما يخص خيار والدتي، هو احتمال أن يكون الأمر اختيارها. لم أتمكن من قراءته إلا أنه استسلام ضعيف للوعي الذاتي والإعلام والرجال، ولعدة سنوات، شعرت أنني أستحق قدوة أقوى وأكثر تقدمًا للأنوثة. بعد ذلك بوقت طويل -بمجرد أن بدأت أفكر في تعديل جسدي- خطر لي أن قرار والدتي يمكن أن يكون مصدرًا للقوة في حد ذاته، وأن حكمي عليها ربما كان بالضبط ما جعلني عرضة للتأثر بخطاب الطبيعية في المقام الأول.

الرسم من متحف الريجكس

***

ظهرت الطبيعية كمثالية أنثوية عدة مرات أخرى خلال القرن العشرين، وتزامنت عادةً مع لحظات من الاضطرابات الثقافية وتوسع حقوق المرأة.

وبدءًا من العقد الأول من القرن الماضي، قام أنصار حق الاقتراع بدمج اللون في نظامهم الأساسي، بما في ذلك اللون الأبيض بشكل استراتيجي، والذي يرمز إلى النقاء. في العقود التالية، قامت “الموضة” بدورها في توسيع خيارات النساء: قدمت كوكو شانيل، إحدى أوائل المصممات، تصاميم فضفاضة أكثر، في تناقض صارخ مع الأنوثة المبالغ فيها عند الموضة السابقة. وفي العشرينيات، تخلصت الشابات من الكورسات، رافضاتٍ مبدأ “بواسطة الرجال من أجل الرجال”، لصالح شكل جسدي أكثر واقعية.

بالانتقال إلى سبعينيات القرن الماضي، استجابت نسويات الموجة الثانية لفكرة انعدام الشعر (التي قُدمت في عشرينيات القرن الماضي، عندما وضعت ماكينات الحلاقة معايير جديدة لشعر جسم المرأة) عبر عدم حلاقة شعر الإبط والساق.

عند القيام بذلك، ربطت النسويات أفكار التحرر الجنسي بأفكار الطبيعية والحرية: فجأة، أصبح شعر العانة والإبط رمزًا مثيرًا للثقافة المضادة. وبالتالي، اكتسب أولئك الذين امتثلوا لهذه المنصة الجمالية نوعًا من المكانة الداخلية الخاصة بين النسويات في عصرهن. على العكس من ذلك، نُظر إلى المرأة التي استمرت في الحلاقة على أنها ليست تقدمية بالتأكيد.

بالطبع، حددت الأفعال وردود الأفعال التي يحركها السوق كيف تفهم النساء أجسادهن ويتصرفن بها لأكثر من قرن. لكن هذه التقلبات في البندول قامت بأكثر من مجرد إعادة تعريف القاعدة الجمالية: فقد خلقت كل واحدة منها دلالة اجتماعية جديدة لما يبدو أنه يُعتبر نسويًا، بغض النظر عن المعتقدات أو الأجندة الفعلية.

أجد أنه من المحبط إلى حد ما أنه حتى عندما استعادت النساء زمام قصتهن (على سبيل المثال، من رجال مثل جيبسون)، استمرين في وضع قواعد لمظهر المرأة وسلوكها. يبدو لي، أنهن يفتقدن المغزى الكامل “للتحرر”. كيف يمكن تأطير مثل هذا التفكير النقدي والاختيار الفردي المثبط بأنه “نسوي”؟

***

بالطبع، لا يقع اللوم على الطبيعية نفسها. ولا حتى على دعاة خطاب الطبيعية في الماضي أو الحاضر. لقد أرادوا فقط بيع الأشياء لنا- وبالتالي، هم واضحون في النهاية.

يبدو أنه من المحتم، إلى حد ما، أن تستمر النساء في مواءمة أنفسنهن مع ما يشترينه وكيف يقدمنه، وأن هذه الخيارات، مهما كانت ضحلة أو مدفوعة بالسوق، ستظل جزءًا من هويتهن. لكن ما يبدو خطيرًا هو عندما نبدأ في دمج مشترياتنا مع أيديولوجيتنا، عندما نبدأ في استخدام المنتجات (والمظاهر التي تشربنا بها) كوكيل لمواقفنا السياسية. ويخرج كل شيء عن السيطرة حقًا عندما يُطلب منا شراء الأشياء بناء على الموقف السياسي الذي تحمله، وعندما يصبح شراء مظهر هو الطريقة الأسرع والأكثر موثوقية لتوكيد توجهاتنا.

الكثير من خطاب الطبيعية الإعلاني الذي لاحظته سياسي بشكل صريح- أو ربما بطريقة أكثر دقة: سيس منتجاته بشكل صريح كأداة لرفع المبيعات.

دعونا نعد إلى “لها”. تبدو شعرات مثل “أعطنا العلم، أعطنا الحرية” و “إعادة بناء الرعاية الصحية مع وضع المرأة في الاعتبار” منقولة بشكل مباشر تقريبًا من شعارات النشطاء السياسيين. أو إعلان: “بصفتنا نساء يقدرن صحتهن، نحن هنا لنفعل أفضل ما يمكن فعله- نشمر عن سواعدنا ونقوم بالعمل على أتم وجه”، الذي يستحضر صورة روزي التي تبدو سخيفة بالنظر للموضوع إياه.

من الواضح الآن أن “الطبيعية” قد استُخدمت كأداة إعلانية وسياسية عبر التاريخ. لقد بَشرت بها حركات المقاومة، وألهتها صناعة التجميل، وسلحتها وشيطنتها، ووأمتها مع الدلالات النسائية الأخرى، كلما كان ذلك مفيدًا للسيطرة أو البيع.

لقد وصلتني، بشكل شبه لا شعوري، عبر الإعلانات وهوليوود وإنستغرام وإعلانات إبراز عظام الوجنة والصنادل المصنوعة من مواد معاد تدويرها بنسبة 100٪. وقد استخدمتها بنفسي على الأرض: كآلية دفاع ضد الضغوط المجتمعية للنظر بطريقة معينة، كأداة لتقسيم النساء الأخريات، كمقياس للوعي (أو على الأقل، للوعي بأخلاقيات العلامة التجارية).

لكن دائمًا، كان خطاب الطبيعية رد فعل لشيء آخر: النظام الأبوي، والحرب، والركود، والاضطراب السياسي، وعدم تمتع النساء بالقوة الكافية، وامتلاك النساء للكثير. وفي بعض الأحيان شعرت أن ضغط الطبيعية كان أكثر قوة من ضغط تحسين المظهر. أو بطريقة أكثر دقة، أعيد تشكيل ضغط تحسين المظهر على أنه ضغط للظهور بطريقة طبيعية جدًا- والذي يتطلب بطبيعة الحال تحسين المظهر.

إن أي حركة تحرر في ظل الرأسمالية مشلولة تمامًا- هذا ما نعرفه. ولكن إذا كان هناك مجال لإعادة النظر في الهدف الكامل من التحرر، فقد نجد أن الطبيعية قد تكون مفيدة، ويمكن أن تصلح بشكل ممتاز لفكرة القوة الذاتية التي ننادي بها نحن النسويات.

لكن الطبيعية لن تنجح أبدًا إذا تم استخدامها كضرورة. مثل أي شيء آخر، يمكن أن تقدم التحرر إذا عرضت فقط كخيار.

كتبتها: Emma Baker

كاتبة وطالبة دراسات عليا في برنامج التقارير الثقافية والنقد بجامعة نيويورك.

ظهرت هذه المقالة لأول مرة في Los Angeles Review of Books وقد ترجمت هنا بترخيص منهم.